العـرّافــة

الجديد  سهير شكري [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(98)]

لوحة: إسماعيل فتاح الترك
قالت لي العرّافة عندما يكتمل القمر سيعود في سفينة عملاقة مرتديا بدلته السوداء اللامعة وقميصه الأبيض الحريري، في يده ورد أحمر في اليد الأخرى حقيبة ليس بها إلا فستان زفافي الرائع وطرحة تل وتاج من اللؤلؤ. لنقيم حفل زواجنا الأسطوري الذي تأجل كثيرا.

***

عندما اكتمل القمر جريت ملهوفة إلى الشاطئ أنتظر رجوعة.. لكن على غير العادة حل الليل مسرعا محملا بالغيوم السوداء حاجبا وجه القمر.

غادر الجميع الشاطئ مسرعين وخيم الصمت إلا من صفير الرياح العاتية وزائير الموج في غضب المد وسفن لا تنتمى لا للذهاب ولا للإياب. ومع ذلك قلبي العاشق منعني من الانصراف وقفت وحدي متحدية كل الأنواء.. الظلام دامس إلا من ضوء واهن مرتعش.

فقدت الأمل، لا يوجد أيّ ملمح لسفينة قادمة، عدت إلى بيتي أجر أذيال الخيبة بعد أن كدت أموت على الشاطئ متجمدة الأطراف..

(كذبت العرّافة الملعونة) لم يعد.

عدت تغمرني دموعي قبل المطر يكسرني الإحباط. ألقيت بجسدي المتعب على أول أريكة في مدخل البيت أرتعش من فرط الصقيع في جسدي وقلبي أبكي حتى غلبني النوم.

***

أفقت على طرقاته القوية المتلاحقة فوق بابي كاد قلبي يقف من هول المفاجأة.

(صدقت العرّافة) لقد عاد.

فتحت بابي، إرتمى في أحضاني بكينا سويا شعرت بالدفء يجرى في أوصالي. انهالت قبلاته على وجهي، عنقي، صدري.. وانفرطت عناقيد الرغبات حتى انصهرنا وأصبحنا جسدا واحدا. ثم استسلمنا لنوم عميق هادئ الأنفاس بعد أن خلصني من جنون شهوتي.

لم أفق إلا بعد أن صوبت الشمس شعاعها إلى عيوني. ولسعت حرارتها وجهى.

قمت فزعة. ألملم ثيابي من فوق الأرض وأنادي عليه فلا يجيب وأفتش عنه في كل مكان ولا أجده انتابني جزع وقلق.. إلى أين ذهب؟

ولماذا تركني دون وداع؟

تجرعت الحسرة خمرا لعب برأسي رحت أرقص عارية كالمذبوحة على طبول أنيني حتى كدت أسقط مغشيا عليّ.. حاولت أن أتكئ على جدران عشقي لكنى تهاويت واصطدم رأسي بحجارة الفراق.

***

سرعان ما جاءني صوته الفضي عبر الهاتف حزينا ملتاعا يقول:

- أحسست بوخز ضميري، واعتراني شعور بالخيانة لرفاقي، كيف أتمتع بكل هذا الحب والعشق ورفاقي مذبوحون وجثثهم ملقاة في ظلمة البحر تلتهمها الأسماك؟

كانت ليلة رهيبة تشبه نهاية العالم انفجرت الأرض في نحيب يقطع أنياط القلوب.

لقد عدت إليهم فوجودي معهم أخف وطأة من عذاب ضميري إنه كابوس شيطاني مفزع.. لو كان حلما لافتدتهم كباش الأرض وبكى مغلقا هاتفه

تركني في بحر حيرتي وجنون ظنوني، ارتديت ملابسي وهرعت إلى الشاطئ وجدته مكتظا بالبشر صغارا يلهون ويلعبون يبنون بيوتا من رمال فتيانا وفتيات يتمددون سابحين في أحلامهم تحت الشماسي يتهامسون وجوههم وردية من دفء قلوبهم. وعجائز يجلسون على المقاعد في صمت ينظرون للبحر بعد أن فر منهم العمر الذي يتكئون عليه ولم يبقى لهم متكأ إلا العصيّ، وأنا قلقة أقطع الشاطئ ذهابا وإيابا أدقق النظر في هذا البحر المليء بالأسرار وأتساءل ماذا في جوفك أيها العميق المترامي؟

رأيته وحشا كاسرا تتدفق الدماء من بين شدقيه ثم ثار صارخا متدفقا محطما صخور الشاطئ والجميع يهرول هاربا مذعورا فارا من أمامه واندفعت أجري معهم والدماء تتدفق خلفنا وأنا أستغيث وما من مغيث، أينما توجهت تتعقبني الدماء داهمني صياد فقفزت من سلته سمكة كبيرة ارتمت في أحضاني كمن يستغيث بي، نظرت في عينها صرخت إنها عينه… هي عينه أعرفها بنظرته المتسائلة الحزينة… آه، إذا هو ذبح معهم لن يعود آه لن يعود (كذبت العرافة الملعونة)

كل من حولي من بشر وشجر وحجر يتصارع ويتشابك ودخل في عراك عنيف أمواج الدماء ترتفع وتلاطم أوجه العمارات. الكل في حالة استنفار يستقوي كل منها على الآخر وكأن الكون كله فقد اتساقه وعبثت به آلهة الغضب.

دقات قلبي تعلو. تعلو وتتلاحق كأن قلبي زرع داخل أذني، أطرافي ترتعد حتى كادت تتركني وتتطاير متناثرة في الفضاء.

ألهث فزعة في لجج الدماء انكفأت على وجهي غمرتني الدماء ودخلت إلى جوفي فأصابني الغثيان هل نشرب دماء بعضنا البعض؟

كلما وجهت بصري أرى اسمه هو ورفاقه مكتوبا على جدران الكون، أيقنت أن أشلاءه داخل أحشاء السمكة.

هل نعود ونأكل الأسماك فنأكل بعضنا بعضا؟ صرخت فزعة شعرت بألم شديد كاد يفتك بأمعائي.. نظرت حولي لم أجد أيّ ملمح لبشر كلهم أسماك تنظر لي بوحشية فاغرين أفواههم يريدون التهامي وأنا وأنا أفر مذعورة حتى وصلت إلى بيتي.

عندما فتحت بابي وضعت كفي على عيني خشيت أن أنظر في المرآه فأرى نفسي سمكة مثلهم.


كاتبة من مصر