7 قصص

الجديد  شاكر نوري [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(100)]

تفصيل من تخطيط: كاظم حيدر
طائر بلون الغبار

لم تهدأ نسرين من كابوسها الليلي إلا عندما أزاحت الستائر نفسها في ضوء الفجر، خرجت إلى صحن المنزل غسلت وجهها بماء الحنفية الكائنة في الزاوية وأخذت ترقب الأفق البعيد لكن أنفاسها انقطعت هذا الصباح عندما رأت طائرا يحلق في رقعة السماء. رفعت رأسها طائر البوم يحلق في فضاء الصحن، ملأ أذنيها بنعيب بارد كما لو كان يخاطبها أو يعلن لها عن نبأ!

قالت في نفسها:

أي فأل شر في هذا الصباح؟

لوحت له بشالها الأبيض الذي اعتادت أن ترميه على رأسها في محاولة لطرده لكنه ظل يرفرف بجناحيه دخلت غرفتها وانهمكت في تسريح شعرها بمشط خشبي غير عابئة بنعيبه، المرآة المستطيلة الملتصقة بخزان الثياب عكست تفاصيل جسدها لكنها حالما رفعت رأسها إلى الأعلى وقع نظرها على صورة زوجها ببزته العسكرية. انحسرت تجاعيد وجهها وانكمشت سرعان ما انفجرت أساريرها حتى نظرت إلى التقويم الشهري أزاحت من الزمن ورقة جعدتها وطوت يوما فلم يبق من إجازة زوجها غير ثلاثة أيام.

بعد لحظات تناهى إلى سمعها طرقات حادة على البوابة، سلمها ساعي البريد برقية توقفت الدموع في عينيها وامتدت يدها إلى صدرها تمزق ثيابها وهي تقرأ البرقية التي تخبرها بأن زوجها أصبح ضمن قائمة المفقودين في جبهة الحرب.

وما إن رفعت رأسها إلى السماء حتى رأت طائر البوم يحوم في صحن المنزل من جديد ويطلق نحيبه الذي يبعث ألحانا متقطعة كانت تقرأ فأل الشر بين حركات جناحيه قذفته بحجارة ظل يحلق عاليا يرفرف بجناحيه وينثر غبارا يتساقط على رأسها.

اعتصمت في المنزل وارتدت ثوبا أسود تمضي النهار بأكمله في التحديق بصورة زوجها أوقدت الشموع، وما إن جلست في الصحن حتى جاء طائر البوم يحوم، يصفق بجناحيه ويذر الغبار مرة أخرى. اختلط نعيبه بضربات الباب وما إن أزاحت الرتاج الخشبي حتى رأت خيولا بيضاء تسحب عربة تحمل نعشا على هيئة صندوق خشبي على الطريق الترابي. تصاعدت غيمة من الغبار إثر امتزاج حركة عجلات العربة، وخبب أرجل الخيول تغطي المشهد وتحيله إلى كتلة رمادية لاح لها يوم زفافها على تلك العربة في الأفق ومنذ أن رفعت رأسها ورأت طائر البوم يحلق فوق صحن المنزل حتى أدركت بأنها لم تعد تحلم!

ازدادت الطرقات على البوابة دخل أربعة يحملون نعشا ملفوفا ببيرق ملون يتقدمهم ضابط أطلقت صرخة قوية قبل أن تهوي على الأرض. رد عليها بصرخة مدوية.. واختلطت طلقات البنادق وزغاريد النسوة! غادر الجنود الأربعة والضابط أفاقت من غيبوبتها وجدت نفسها وحيدة تبكي على النعش، يرقبها طائر البوم الذي حط على سطح المنزل.

ظلت نسرين تبكي وتقطع خصلات شعرها، وتذرف الدموع حتى أخذت تسيل على الأرض بدأت تنبت طحالب خضراء تزحف في صحن المنزل بسرعة عجيبة. غطت النعش ثم راحت تتسلق أسوار المنزل لتغطي القطعة الزرقاء التي حفر عليها رقم المنزل المثبت في أعلى البوابة حيث لم يعد أحد من المارة قادرا على قراءته إذ تحوّل المنزل إلى غابة عجيبة من الطحالب الخضراء!

باريس 1986

إله البيادق

وقف الجنرال المتقاعد، ذو الرأس الأشيب، يحدق بصندوق زجاجي تتألق في جوفه مصابيح ملونة تضيء بزة عسكرية عتيقة معلقة، تظهر على أكتافها أشكال لنجوم وتيجان وسيوف ذهبية تشير إلى رتبة عالية، وعلى صدرها اكتظت شارات متنوعة إلى جانبها عصا مطعمة بزخارف وكلمات مبهمة. في خلفية الصندوق، تبرز مسامير ونتوءات خشبية مثل مشاجب ثياب تتدلى منها أسلحة متنوعة. كما انتشرت في غرفته تماثيل نصفية مصنوعة من الرخام لشخصيات عسكرية مرموقة.. وكذلك صناديق مليئة ببيادق شطرنج مكدسة الواحدة فوق الأخرى حيث ظهرت مثل تلة ترابية في وسط الغرفة.

بحركة متزنة، تناول بزته المصفوفة باعتناء من الصندوق الزجاجي، ارتداها، وانتعل الحذاء الأحمر الثقيل، ووضع عصاه الرفيعة تحت إبطه. انتصب بقامته، ورفع رأسه كالطاووس عارضاً هندامه أمام المرآة التي تغطي أحد الجدران.

أطلق صرخة وقال في نفسه:

- الثوب لا يصنع القديس.. والبزة لا تصنع الجنرال! ثم قهقه بصوت عالٍ وأضاف:

- من الذي صنعني.. البزة صنعتني أم أنا الذي صنعت البزة؟!

نظر في المرآة:

- كيف أعيش بعد ذلك.. أيتها البزة.. أيتها الفاجرة؟

وضرب المرآة بعصاه ضربة شرخت المرآة إلى نصفين، فانقسمت صورته المنعكسة إلى نصفين أحدهما يكلم الآخر. رأسان يتحركان وعصاتان تلوحان في فناء الغرفة!

بدأ الجنرالان يتحدثان:

- أنت.. من أنت؟

صمت قليلاً كما لو أن خدراً صعد إلى رأسه، وأرهف السمع إلى صدى بعيد ينبثق من الجدران.

- كيف تسأل وأنت تعرفني؟

- أنا لا أعرف سوى نفسي.

- وأنا أيضاً.

- صه أيها.

- صه أيها.

ثم بصق على المرآة.

ثمة كرامافون ملقى على طاولة. وضع يده على الإبرة فانطلق مارش عسكري من إسطوانة مكسوة بالغبار اختلطت الأنغام بالغبار وما كادت تنسجم مع حركاته.

لوح بعصاه في فناء الحديقة. وصعدت النشوة إلى رأسه من وقع خطوات حذائه الثقيل. وبعد أن شارفت الإسطوانة على إنهاء دورتها اللولبية، عاد عبر دهليز طويل إلى غرفته. صفف بزته. وألقى نظرة على المرآة المشروخة. ثم ذهب إلى الصالون المترامي حيث تجلس زوجته وابنته الصغيرة بانتظار تناول فطور الصباح.

الليل يقتحم الذاكرة دائما. واعتصامه في غرفته السرية يجعله يخمد رمادها. سرير الزوجية لم يعد يغرية. كانت غرفته تفضي إلى سرداب يطل على النهر. لم يعد يفارق غرفته الصاخبة. كان يفرش كل ليلة، الطاولة المدورة الكائنة وسط غرفته، بالخرائط، ويكوم فوقها بيادق الشطرنج، يتأملها ويخطط بها لمعاركة. فلم يكن يقطع عزلته الصامتة سوى صافرات الحرس الليلي. أزعجته الصافرات. ارتدى بزته وخرج يهددهم. فقد ملأته الدهشة حين لم يؤدوا له التحية. ضحكوا من بزته المترهلة. فلم تعد عيناه الذابلتان تدخلان الخوف في نفوسهم.

عاد إلى غرفته. حدق في المرآة المشروخة إلى نصفين حين نزع بزته رأى النصف الآخر ما يزال يرتدي البزة! صرخ في المرآة. لكنه شعر بأن صوته اختفى نهائياً ضرب المرآة مرة أخرى بعصاه فتناثرت قطع في وجهه ثم هرع إلى صناديق بيادق الشطرنج أفرغها على الطاولة حتى تساقطت وتكومت في وسط الغرفة. بعد ذلك ضرب الصندوق الزجاجي بعصاه فتهاوت ألواحة الزجاجية على الأرض.

أفاقت زوجته إثر سماعها انكسار المرايا وألواح الزجاج. كانت تعتقد بأنها تحلم! هرعت إلى غرفته. فقد ترك المدخل السري مفتوحاً. انبهرت لهذا الحشد الهائل من بيادق الشطرنج المكدسة.

كان زوجها مخضباً بدمائه، انغرست في وجهة قطع زجاجية وهو في كامل هندامه العسكري. الدهاليز تمتد إلى النهر. تصاعدت أعمدة دخان كثيفة من اليخت الجاثم على ضفة النهر فيما تصاعد صخب محركات الطائرة! احتضنت ابنتها الصغيرة. كان الوقت ضيقاً لحمل جثته. فقد اصطفت طوابير بشرية لتلقي آخر نظرة على إله البيادق عارياً من نياشينه وأوسمته المطلية بماء الذهب.

الشرفة

في شارع “مدينة الزهور” الهادئ، ومن بين النوافذ المعتمة المائلة إلى الشحوب، كانت نافذة إحدى الفيلات تفيض بشعاع زاخر يبدو أنه كان ينبعث من مصابيح ضخمة. ومن شدة انحصاره في الداخل راح يزحف من تحت بوابة إحدى الغرف لينير أوراق أشجار ساقطة على العتبة.. كما يكشف عن وجود رسائل مكدسة تراكم عليها الغبار حيث لا تستطيع العين تمييز حروف عناوينها أو أختام البلدان التي أبحرت منها..

وفي داخل الفيلاّ، سلم خشبي حلزوني قصير، مفروش بالسجاد الأحمر الثمين. هناك بصمات أقدام تشير إلى وجود شخص لا يتحرك كثيراً كما يبدو. على عتبة مدخل غرفته تنتشر أشياء مهملة، لم تمسها يد بشرية، يغطيها غبار كثيف، يبدو من خلال البصمات المرسومة عليها أنها استقرت دون أن يستطيع أحد إزاحتها: قدحان، غرامافون، إسطوانات مشروخة، قناني خمر فارغة، كتب قديمة، مقص، عصافير ورقية، أشرطة لاصقة، دبابيس، علب نصف مفتوحة وأشياء أخرى.

كانت مصابيح الشارع، تبعث أضواء خافته تختلط بأشعة الفجر البيضاء، فتولد نوعاً من الضوء لا يمكن تحديده. كما أن شكل الشارع الهضبي وتصاعد الغبار منه زاد في كثافة الضوء حيث حين يسير المرء في هذا الطرف لا يرى إلا رؤوس المارة في الطرف الآخر التي تزداد في الاكتمال كلما تقدمت.

من بعيد ، ظهرت أيد معروقة، نحيلة، تدفع عربة خضراء لجمع براميل القمامة الملقاة أمام سلسلة الفيلاّت منتشرة على طول الشارع. ظهرت العربة تدريجياً، ثم اختفت، ثم ظهرت، وهكذا أيضاً ظهر وجه منظف القمامة الزنجي الذي اختفى خلف العربة في بدلته الزرقاء القاتمة. وفي جيبه العلوي ظهرت علبة سجائر.

النهار قد بدأ مع الفجر بالنسبة إلى منظف القمامة الزنجي. قام بجمع الصحف القديمة وأوراق الأشجار الخريفية المتناثرة أمام الفيلاّت، وعبأ بها عربته. كانت نافذة تلك الفيلاّ المضاءة هي وحدها التي يفيق أصحابها عند الظهيرة بعد أن يمضوا الليل في السهر.

بعد أن قام منظف القمامة الزنجي بتنظيف الحديقة دخن سيجارة وأرسل نظره إلى برميل القمامة الكائن من أسفل الفيلا تبادلا النظرات دون أن يتكلما حين انتهى من عمله أوقد سيجارة أخرى، ورمى عود الثقاب في برميل القمامة الفارغ. ومضى يدفع عربته ليكمل عمله في الفيلات المجاورة والمنتشرة على مد البصر.

بعد لحظات، تصاعد دخان خفيف من برميل القمامة لم ير الشاب المشلول ذلك الحين أزاح الستائر الوردية التي كانت تحجب رؤيته فيما اختفى منظف القمامة في الشارع. حدق بالفناء الممتد أمامه فلم ير سوى برميل القمامة. أدرك بأن عمود الدخان يجذبه إلى محرقة هيأها له منظف القمامة الزنجي اقترب بخطوات متعثرة، انزلقت العصا التي كان يتكئ عليها، فقد توازنه انفتحت النافذة إلى الأسفل وما إن تدارك المشهد المذهل أمامه حتى سقط في برميل القمامة الذي تصاعدت منه تغطي واجهة الفيلا الأمامية. صعد اللون الرمادي وتآلف مع لون السماء الذي انتشر على كافة أركان الفيلا المحترقة.

باريس 1985

يقظة بغل

بدأت أسراب الجنود تزحف ببطء على سفوح الجبال المكسوة بالأشجار الضخمة تنقل المؤونة والآليات الخفيفة إلى أعلى القمم تهيؤا للهجوم، كانت القمم الجليدية ناصعة البياض تبدو من بعيد كزبد البحر الفائض. ورغم البرد القارس، كان الجنود يتهيبون من إيقاد النار كي لا يصبحوا في دائرة قنص الأعداء.

كانت الأكواخ تبدو مثل علب الكبريت من خلال منظار الضابط الذي ابتسم. ثم ألقى المنظار جانباً وراح يفرك عينيه، بيده اليمنى المغطاة بقفاز الفرو. وقد أطرق رأسه مفكراً بالطرق التي يستخدمها الأعداء في استنفاد ذخيرة الجنود وذلك عن طريق إرسال حمير تعلّق في أعناقها فوانيس نفطية الأمر الذي يجعل الجنود يفتحون نيران البنادق عبثاً في الهواء!

ما تزال أجساد الجنود تترنح ثملة من الإنهاك، في حين يواصل الصف الأمامي التسلق إذ ينهال جنوده يضربون بالسياط البغال المحملة بالعتاد من أجل نصب آليات المدافع الخفيفة على قمم الجبال، يبدو أن البغال أصبحت في وضع لا تتحمل الأعتدة البرونزية مدببة الرؤوس وهي تخترق الأكياس الرمادية وتوخز أجسادها. بينما يسعى الجنود إلى دفع البغال المنهوكة للتسلق.

يمتد الفناء واسعاً، بينما تتكدس ألواح الثلج على الأكواخ. ولا يتناهى إلى الأسماع سوى حفيف أشجار ممتزجة بخرير شلالات. لم يكن يمزّق ذلك الإيقاع الصامت سوى دوي انفجارات متقطعة. مما يجعل الأرانب والغزلان البرية تفر من جحورها مرتعدة، راكضة صوب تجاويف جذوع الأشجار.

لم يصل الجنود بعد إلى قمة “كرد مند” وما يزال الصف الأمامي يفكر بجندي مات أثناء التسلق كما توجبت الأوامر العسكرية أن يقطع الحبل الذي يربطه بالسلسلة التي تربط الصف الأمامي، وأن يدفن في ألواح الثلج أو يقذف في الوادي!

كان على الفرقة العسكرية أن تتسلق قمم الجبال، تتقدمها مجموعة من البغال التي بدأت تدرك تعباً لاهثاً إذ لم تهدأ حينما أفرغ الجنود قطع العتاد والآليات الخفيفة من ظهورها. كانت السماء وقمم الجبال قريبتين من عيون الجنود.

في تلك اللحظات، راحت البغال تحرك قوائمها لتقذف الثلج المتكدس ما بين السروج الجلدية وظهورها حتى اقتربت متلهفة من كومة أعشاب مرئية برؤوسها من تحت مستنقع ثلجي يبدو كواجهة زجاجية. فقد حركت بعض البغال أبوازها، ضاربة الواجهة الثلجية، لتستأصل الأعشاب وتلتهمها. لكن ثمة ظل مسمراً في مكانه لم يقترب من البغال الأخرى التي راحت تعلف. هز ذيله معبراً عن غضبه، وأطلق حشرجة عميقة، وهو يحاول تحريك الكتل الثلجية التي استقرت ما بين السرج ورقبته. بعد حركات سريعة، انساب الثلج ذائباً من تحت السرج مبللا جسده، وراح يحدق بأطراف عينيه الواسعتين بالجنود المنهمكين باستخراج الصحون المتجمدة وتنظيف فوهات البنادق. ثم راح يتحرك حول الجنود أكثر من مرة.

آنذاك أغرقت الشمس قمة الجبل بفيض من الشعاع. وبدأت الثلوج المتجمعة في الشقوق التي أحدثتها السياط في رقبة البغل تذوب. عندها بدأ يتلوى ويكمش جسده بحركات عنيفة، محاولا التخلص من المياه الذائبة في جروح رقبته ثم ألقى بحركة مرنة، السرج الجلدي المثقل بسلسلة حديدية أرضاً، واستنشق هواء طلقاً أحس بخفقة جسده.

لم يكن البغل يشعر، كما يبدو، طيلة فترة التسلق بالسياط المنهالة على ظهره إلا بعد اختراق أشعة الشمس وذوبان الثلج المتكدس على جسده. تدفقت الدماء في عروقه من جديد باعثة التراخي، وهي تؤجج الألم الذي يخزه كالإبر.

لم يكن يراقب ذلك البغل سوى جندي واحد بينما انشغل الآخرون بالأكل. وما إن ارتسمت حالة الذهول على وجهه حتى اقترب البغل الغاضب من حافة الوادي مادا رقبته إلى الفراغ كمن يتفحص المكان. وبحافة بوزه دفع حجرة تدحرجت نحو أسفل الوادي. التفت الجندي الذي كان يراقبه بينما بدأ البغل يحدق بالوادي المشتعل بالأعشاب الخضراء. بعد لحظات رفع بوزه نحو السماء بدت في عينيه الواسعتين ضئيلة، منكمشة، تكاد تنطبق عليه فيما ازداد ألم السياط.. استدار نحو الجندي. بدأت مناخيره تنفتح وتنغلق باتساع. والوغف الأبيض فاض من بوزه. أغمض عينيه الواسعتين وازداد ألم السياط . استدر نحو الجندي . بدأت مناخره تنفتح وتنغلق باتساع. والوغف الأبيض فاض من بوزه. أغمض عينيه الواسعتين. وازداد سريان الدم في عروق وجهه الغليظة. أخذ يحرك قوائمه بخشونة وهو ينظر إلى الجندي المنذهل تارة وإلى الوادي تارة أخرى سرعان ما ارتج جسده بقوة مطلقا حشرجة قوية وهو يلقي بنفسه في بطن الوادي ارتبك الجنود نهضوا مذعورين يحدقون في الوادي حيث شاهدوا البغل يغوص بين ألواح الثلج والأعشاب الخضراء.

أطلق الضابط قهقهة وتبعه الجنود بقهقهات مدوية في الفراغ بينما انهمرت الدموع من عيني الجندي الذي كان يراقبه لأنه كان الوحيد الذي عرف بأن البغل قد انتحر!

باريس 1972

خاتم من حجر الألماس

لا أدري كيف يمكن لي أن أروي حكاية تتطابق مع الحقيقة أو في الأقل تلامس حدودها لأنها تخنق أنفاس المخيلة بيد متصلبة، لتحولها إلى واقعة جامدة كعروق خالية من الدماء، لكن الحدث ما يزال يخز ذهني كالإبر رغم أنه يعود لأعوام طويلة مضت، ويلح أن يخرج من إطاره الواقعي رغما عن أنفي!

في تلك الليلة، أقبل أبي إلى المنزل مصطحبا فتاة شابة، عرفت فيما بعد أن اسمها “سحابة” كان ذلك أول وآخر لقاء لي بها، فحتى لو قدر لي أن ألتقيها مرة أخرى، فإنه من الصعب عليّ إعادة رسم صورتها: وجهها المدور، عيناها المتألقتين، وخصلات شعرها المنسرح على جسدها النحيل.

لم تكن تلك الليلة كالليالي الأخرى. فقد ظلت مصابيح منزلنا مضاءة حتى الفجر، نأكل ونحتسي أقداح الشاي ونلتهم قطع الحلوى كأننا نحتفل بمولود جديد!

قال لي أبي بالحرف الواحد:

- يا بني. تزوج “سحابة” إنها فتاة يتيمة عثرت عليها أثناء سفرتي في القطار.

- رفعت أمي رأسها، تنظر إليه بعينين زائغتين دون أن تنبس بكلمة.

- ثم أردف قائلا، موزعا نظراته الحائرة بيني وبين أمي:

- – إذا تزوجتها تصبح سعيدا طوال حياتك.

- وبعد توقف قصير قال:

- المرأة التي لا تعرفها خير من المرأة التي تعرفها.

- حدجته أمي بنظرة خبيثة.

- كنا في العمر نفسه. ومن الغريب أننا ولدنا في اليوم ذاته.

انفجرت أمي فجأة ببكاء حاد كما لو أن “سحابة” ستسرقني منها وإلى الأبد في تلك الليلة بكت أمي بكاء لا مثيل له. وحين أردت إسكاتها من البكاء، قالت لي:

- أبوك لا يريدك أن تتزوج منها!

- كيف؟

- إنه يريدها لنفسه!

لم أصدق ذلك. لكن غيرة أمي طفحت إلى السطح لدرجة أن نحيبها ظل يرن في أذني طوال تلك الليلة.

لا أدري لماذا أحتفظ بصورة “سحابة” إلى حد الآن؟ ربما أن ما يشدني إليها هو غموض ملامح وجهها. لم تنطق بكلمة.. لذا لا أتذكر أي صوت انبعث منها. فقد بقيت أسير صورة أشرقت كالبرق في السماء. هكذا أصبح صوتها المكتوم مصدرا لخيالي. صوت يشبه خرير نهر أو احتراق أعشاب غابة أو خبب أحصنة هاربة! ربما أن خجلها هو الذي رسخ ملامح وجهها في ذهني لا أدري!

أتذكر جيدا كيف دخلت عتبة الباب تسير خلف أبي كأنها أسيرة. كنت أنظر إليها من خلال النافذة. يداها تتشابكان إلى الأمام. أما رأسها فكان منحنيا نحو الأرض.. لم تنظر في وجوهنا. ولم تجلس إلا عندما أمرها أبي. وهذا ما أدخل الشك في أعماق أمي. كانت جائعة. أكلت قليلا ثم أجهشت بالبكاء.

أمضت “سحابة” الليلة في منزلنا. وبالأحرى فرشوا لها في طرق غرفتي الواسعة بعيدا عن فراشي. لكن نظراتي لم تكن تفارق خفقات صدرها البارز من تحت الغطاء الصوفي.

في تلك الليلة لمحتها تخرج صندوقا صغيرا بحجم أنملة الأصبع، ذي غطاء زجاجي أبيض. فتحته وأخرجت منه خاتما التمع بضوء يدها اليسرى، فتشكل على هيئة ثعبان ملتو حالما أحدث حزا أزرق في عروق أصبعها. تحركت من سريري، منجذبا بألق الخاتم. قربت شفاهي إلى فمها الصغير وقبلتها. وفتحت عينيها الواسعتين وابتسمت.

قلت لها بصوت خافت:

- من أين لك هذا الخاتم؟

ردت علي بصوت شبه الهمس:

إنه خاتم أمي التي..

سكتت قليلا وأردفت:

خاتم أمي التي ماتت.

عدت إلى سريري وما يزال في فمي طعم شفتيها المالحتين. في ظلام الغرفة لم أكن أسمع سوى أنينها المتدفق من تحت الغطاء الصوفي الذي كان يشبه صوتا مخنوقا. جذبني ذلك الصوت لأعود إليها ثانية وسط أنفاس أبي وأمي. أدركت بأن السيف قد اختفى من بين جسدينا، ولم نعد نمتلك أثوابا، فقد هبت ريح عاتية من النافذة وأقلعت الأغطية الصوفية المسدلة على جسدينا العاريين. ثم أدركت بأن الليل يسيل كحبيبات الرمل. وأن رعدا يضيء رقعة السماء الظاهرة من النافذة. في تلك اللحظة استجمعت كل قواي. اتقدت عيناها ولم تكن خائفة مني. مسكتني بقوة فشعرت كأني أهوي من بناية شاهقة. كان البرق المتقطع يحثني على أن أمضي بعيدا. ويبعث بي شجاعة لا مثيل لها. في تلك الأثناء لم أكن أر سوى عينيها المتقدتين وخاتمها المتألق في إصبعها.

أمسكت بكتفي كغريق يتشبث بقشة طافية. أطلقت صرخة وشعرت بأن ثمة سهما ينطلق من ظهري باحثا عن شيء يعلق به. لم أكن أصدق حين رأيت الدم يتسرب على فخذيها النحيلتين.. ذلك الدفق الأحمر.. الدم الإلهي..

كان الرعد قد هدأ. وخيوط الفجر لاحت عبر النافذة. كانت تلك هي لحظة القرار.. بين أن أبقى في منزلنا أو أغادره. امتدت يدي إلى معطفي الصوفي، هربت وأنا أفكر بالقطار. ربما في القطار الذي عثر فيه أبي على”سحابة” وبعد ذلك الحين لم أر أبي وأمي..اللذين ماتا وكذلك”سحابة”!

لكن شعاع خاتمها ظل يوقظني من نومي ويقض مضجعي، لأحدق في المرآة بوجهي الذي أخذت الشيخوخة تنخره يوما بعد آخر وكأن الزمن قرر أن يسرع خطواته ويرمي بي في مستنقع الخطيئة الأولى- غشاء البكارة وتفاحة مقضومة بأسنان شرسة!

باريس 1985

كوابيس الماء

استلقى على سريره المعتاد يفكر بالنوم مثل كل ليلة. أطفأ المصباح المعلق في السقف، فغمر غرفته ظلام لم يكن يتبين له أي قبس من الضوء سوى بريق عقارب الساعة التي تنبعث من الساعة المنضدية المتربصة. أما الدقات المخزونة في جوفها فقد ازدادت حدة وتحولت إلى ضربات مطرقة حديدية تنهال على رأسه وتستقر في دهاليز أذنه لدرجه لم تعط أيّ هدنة لجفنيه.

نهض غاضبا وبأيد مرتجفة أراد أن يقذف الساعة المنضدية من النافذة، لكنه كان يخشى أن تحدث دويا مزعجا إثر ارتطامها بالأرض. لذا لفها ببطانية خفيفة في محاولة لخنق أنفاسها وإسكات دقاتها الجهنمية!

استلقى على السرير ثانية. أرخى جفنيه لكن الدقات لم تختف نهائيا تذكر أنه لا يمكن للأصوات أن تختفي أبدا! ربما خزنتها الجدران وراحت تبعث صداها من جيد. آنذاك أدرك أن النوم غادره في تلك الليلة.

رغم ذلك، حاول أن ينام تراءى له في ظلال محجريه سرداب عميق، تنتشر بداخله غرف صغيرة شاهقة السقف. وجد نفسه يجلس على كرسي تطوقه أذرع حديدية وقطرات ماء تنهال على رأسه من السقف الشاهق لم يكن قادرا على رفع رأسه لرؤية مصدر الماء الساقط كانت القطرات المائية تلتمع قبل أن تسقط على رأسه الحليق كأنها قطرات من الزيت المغلي!

تناهت إلى سمعه طرقات حادة على الباب. اختطلت بقايا دقات الساعة المنضدية، وأصوات الماء الساقطة من السقف بطرقات الباب..

هكذا امتزجت وتحولت إلى كرات نارية.. وراحت تتوغل في متاهة رأسه الآن بدأ يتذكر أن طرقات الباب تلك كانت تأتي من بعيد تذكره بأعوام الدراسة الجامعية التي أمضاها في شبابه. في تلك اللحظة اختفى صخب العالم لينتقل إلى رأسه، يلامس جلده، ويدخل مساماته.

أرهف السمع بنباهة، فاتحا دهاليز أذنيه:

طرقة

طرقتان..

طرقتان…

ها هي يد حبيبته تطرق الباب هكذا: طرقة. طرقتان. ثلاث طرقات. يمتزج الخوف مع الطرقات وعيناها تفيضان كآبة موحشة. احتضنها عند عتبة الباب وأغلق باب غرفته، بأنفاس لاهثة متقطعة، مترقبا الزقاق. لم يرها أحد. آه اللعنة!

ما إن استسلم إلى نومه حتى أرهف السمع ثانية:

طرقتان.

طرقتان.

طرقتان..

هاهم رفاقه. وجوه صارمة. وقفوا أمام باب غرفته. وآثار القلق ترتسم على وجوههم. ها هم دخلوا غرفته وبدأوا يقرأون أوراقا سرية. لم يرهم أحد. آه اللعنة!

الآن لم يبق من نومه سوى القليل، وهو يصغي لطرقات أخرى على الباب:

طرقتان.

طرقة..

طرقتان…

خرج جميع النزلاء من غرفهم. لم تعد الطرقات سرية. عباءة سوداء تلف جسد امرأة نصف عارية. اعتادت أن تمر على غرف النزلاء. في ذلك اليوم غرق في حمّى جسدها لأنها اختارت أن تطرق بابه!

اختفت دقات الساعة المنضدية.. ثم تلاشت طرقات الباب.. لكن أصوات قطرات الماء النازلة من السقف عادت ترن في أذنه، وتلتمع كقطرات الزيت! إنه الآن غارق في ظلام عميق. وقد تسرب الخدر إلى رأسه تراءى له السرداب..

أطلق صرخة. وما إن أفاق من نومه حتى ملأ الضوء غرفته العلوية في الطابق السادس من المبنى الذي يعود معماره إلى القرن التاسع عشر. ألقى نظرة على المغسلة الكائنة في زاوية الغرفة، رأى قطرات الماء تنزل في المغسلة.أغلق الحنفية.. حدق في وجهه بالمرآة، وجده شاحبا تبدو عليه آثار جروح قديمة تحولت من اللون الأزرق إلى اللون الأسود كالوشم. ثم ألقى نظرة عبر النافذة فاتسعت عيناه لرؤية ألواح الثلج المكدسة على الزجاج. امتلأت عيناه بدموع دافئة عندما نظر إلى تلاميذ المدرسة الصغار وهم يتقاذفون بكرات الثلج. آنذاك تيقن بأنه بعيد عن كوابيس الماء. فقد غسلت الثلوج ذلك النهار وطهرت روحه، ارتدى ثيابه وهبط ستة طوابق ليتناول قهوة الصباح في مقهى مطلة على نهر السين!

باريس 1977

جنائن دجلة

كانت الخمرة اللاهثة قد صعدت إلى رأسي مثل دبيب نمل بطيء الحركة إثر خروجي من الحانة في تلك الليلة. لم تكن لديّ أيّ رغبة في الذهاب إلى منزلي. والليل أصبح صديقا أليفا في تلك اللحظة. أثناء تجولي جذبني منظر رؤية نهر دجلة الذي لم يكن بعيدا عن مكان الحانة أو هكذا خيل إليّ.

حدقت من الكوة المحفورة في الجدار المعمل من الشارع، فظهر لي النهر كبحر هائج يحثني على السير نحوه. توغلت بخطى وجلة لكنني حالما شعرت بالاطمئنان عندما رأيت الأضوية الخافتة تنعكس على صفحة النهر وتحدث أشكالا هندسية ممتعة للنظر حيث بدأ سرب من النوارس يخفق بأجنحته ملامسا صفحة المياه الساكنة، محدثا كجسد واحد، أمواجا خافتة بطيئة.

في ظهر المباني المطلة على النهر، ثمة شرفات منخفضة تقطعها حديدة صدئة محدثة تجويفا بمحاذاة الشاطئ، تستندها أعمدة كونكريتية ضخمة من الأسفل، تكونت الشرفة على شكل غرفة مطلقة. من ذلك التجويف، خرج فجأة رجل كث اللحية، جاحظ العينين، منحني الظهر، واضعا ذراعيه خلف ظهره في محاولة لإسناد هامته المعوجة نوعا ما، وقف برهة يرسل نظره صوب النهر. تقدمت نحوه بحذر، حابسا أنفاسي لا تطلع إلى تجاعيد وجهه الغامضة. آنذاك رفع رأسه ورمقني بنظرات عدائية، فتبينت من ملامح وجهه بأنه شيخ طاعن في السن، له ملامح مزيج من الهندي والآسيوي. لم ينبس بكلمة، فتراجعت إلى الوراء قليلا، تخيلته أصما لذا لوحت له بيدي معبرا عن التحية لكنه سرعان ما استدار نحو غرفته معبرا عن قرفه.

فكرت بمغادرة الفناء لكني انتظرت محدقا بالنهر الساكن والمصابيح الخافتة المتألقة مندفعا بحالة حب الفضول السيئة. ولكي أصحو من تعاويذ الخمرة اللعينة، نزلت إلى النهر، وضربت وجهي برشقات من الماء البارد. كان الصمت يغطي الفناء فيما عدا صوت تبول بعض السكارى محدثا صوتا يشبه جريان المزاريب وقت هطول المطر.

غمرتني الفرحة فجأة حين رأيته يخرج من جحره مرة ثانية حاملا صحنا يريد أن يغسله في النهر كما يبدو. بعد أن قام بذلك انحنى يجمع بعض القناني الطافية. ألقيت نظرة على مخبأه غاصا بالقناني والأسمال والأدوات المهملة. كنت أعتقد بأني سببت له بعض الآلام من خلال مراقبتي له، تمنيت لو أكون قادرا على استئجار غرفة له.

تساءلت في نفسي:

- ماذا يحصل لو تقذف الأمواج المعتوهة غرفته وقت الفيضان؟

ازداد فضولي لمعرفته. قصدت مخبأه وقلت له دون تردد:

- يا حاج.. ألا تخاف أن يأتي الفيضان ويحتاج غرفتك؟

- رفع رأسه، ونظر إليّ باستغراب. بعدها أخفى رأسه وانهمك يغلي الشاي في إبريق صدئ.

وقال بنبرة ساخرة:

- الفيضان؟!

قلت له:

- أجل.. الفيضان. دجلة تفيض ثلاث مرات في العام.

لكني استدركت الأمر وقلت في نفسي:

- ربما يعرف الحاج مواعيد فيضان دجلة، ويهجر غرفته.

تمتم بكلمات مبهمة كمن يتحدث مع نفسه:

- دجلة لم يفض سوى مرة واحدة!

- مرة واحدة!

- أجل

- متى؟

هز رأسه ضاحكا.

ثم تمتم بكلمات مبهمة:

- تسألني متى؟

- ………

- حين سبح فيه المغول!

ثم نظر إليّ بتحد قائلا:

- جدي مات في ذلك الفيضان!

شعرت بشيء من ركاكة في لغته العربية تدل على أنه تعلمها في عمر متأخر.

قلت له:

- ومن هو جدك؟

قهقه..

- الحاج القوقازي.. ألا تعرفه؟!

ثم انطلق كمن يهذي خالطا التواريخ والأرقام ومتنقلا من عصر إلى آخر..

كان ذلك في العشرينات. لا أدري من هذا القرن أو من القرن الماضي. حاج من القوقاز. أزرق العينين، أشعث الشعر، جاء إلى بغداد وعاش مع عائلته الثرية.

كان نوعا من الحارس الذي يتنكب بندقيته ويهتم بتنظيم حديقة البلاط الملكي التي تطل على ضفاف دجلة.

صمت قليلا.. ثم أضاف:

ذات ظهيرة، وقت القيلولة. تراخت أجفانه على ضفاف دجلة يتخيل جنائنها. وما بين الحلم واليقظة، لمح شخصا يركب سلة من القش. نظر إلى السماء لحظة.

شعر بأن ثمة خطرا يحدق به. قد يأتي ذلك الشخص ليقتله. لم يكن له سوى عدو واحد يتربص به وهو حاج هندي. وأصدقاؤه هم أبناؤه.. يأتون لزيارته مرة في العام.. يفترشون الأرض أياما وليالي الزيارة في الأماكن المقدسة.

تناول سيجارة، وواصل الحديث وأنا أصغي إليه بشغف:

- أتعلم أنه كان محصّنا من كل الأخطار. فقد قطع بأصابعه قطعة من الحجر الأسود من الكعبة لتدفع عنه كل أذى لكن صاحب سلة القش.. أي الحاج الهندي كان يتقدم. وحين شعر بالخطر، صوب بندقيته نحوه. عندما انطلقت الطلقة كانت فوهة بندقيته تلامس صفحة الماء. مد يده إلى صدره، شعر بدم يخرج منه بينما راح الماء الهادر يجذبه إلى القاع وهو يرسل نظراته إلى السماء الزرقاء.. والنوارس البيضاء.. هل أصابت الطلقة قلبه؟! لا أحد يدري!

- لمعت الدموع في عينيه.

- قلت في نفسي:

- أيأتون من القوقاز إلى بغداد ليصبحوا حجاجا..

ونبقى نحن سكان هذه المدينة جاحدون؟!

ثم صرخت حين صعدت الخمرة إلى رأسي:

- اللعنة عليك يا بغداد.. صانعة المغول!

وحين خرجت إلى الشارع مخلفا ورائي فيضانا كاملا من الكلمات، دخلت إحدى الحانات القريبة، فوجدت صديقا لي. لم أحتمل أن أكتم في صدري ما رواه لي الحاج القوقازي عن مقتل جده أو ربما انتحاره.. وحين انتهيت من سردي ضحك مني قائلا:

- أما زلت تؤمن بجنائن دجلة؟!

قلت له:

- أنا لا أؤمن بشيء.. إنه الحاج القوقازي.

سألني بدهشة:

أما يزال الحاج القوقازي يعيش تحت الشرفة لحد الآن؟

- أجل .. قابلته قبل قليل.

وفجأة مسكني من ذراعي، وقال لي بجدية باردة.

- أنصحك بأن تتخلى عن شرب الخمرة لأن الحاج القوقازي عاش في القرن الماضي عندما كانت لدجلة جنائن.. وبغداد قبلة الحجاج!

بغداد 1972

خريف امرأة

من نافذة شقتي المطلة على بولفار “بيسيير” الدائري الذي يحيط بمدينة باريس في منطقة “بورت دي كليشي”، أرى دليلة، وهي تقف تحت مظلة موقف الباص المواجهة لنافذتي. وكلما تراجعت إلى الوراء في عمق المظلة تنير وجهها أضواء اللوحة الإعلانية المعلقة في واجهة الموقف.

الشقة حبلى بالدفء والبولفار يمتقع لونه من البرد ها أنذا أرى حبيبات الضباب المتكدسة على زجاج نافذتي ولكي أتأكد من وجود دليلة في تلك البقعة المضاءة في موقف الباص ينبغي أن أوقد المدفأة القريبة من نافذة شقتي بعد لحظات تتبدد حبيبات الضباب المتناثرة كالسكر وتنزل على شكل قطرات مائية على صفحة الزجاج الخارجي ها أنذا أرى المساحة الممتدة أمامي بشكل أوضح أرسل نظري لا أحد يقف فأعود لألقي نظرة على إبريق الشاي الساخن وأضع قدميّ العاريتين على حافة المدفأة فأشعر بخدر ناعم يتصاعد متسللاً عبر جسدي إلى رأسي.

في لحظات غيابها من تلك البقعة المضاءة ترتسم لي عيناها السوداوان الواسعتان وأتذكر حديثها الطري:

- يحدث لي أحياناً أن ألقي برجال غريبي الأطوار تخنق الرغبات أنفاسهم منهم من يطلب مني أن أسقيه من حليب ثديي كطفل وآخر يريدني أن أصفعه.

أنظر في عينيها:

- أولئك رجال لطفاء..

تصمت لبضعة لحظات:

- لكن بعضهم خبيث لذا تراني أحمل قنينة الغاز النافخة في حقيبتي إنها لو شئت سلاحي الوحيد في لحظات معينة لا أعرف ماذا ينوي الرجال وما تضمره نفوسهم! أتردد قبل أن أدخل في جوف سياراتهم الملتهبة بالرغبات أننا لا نعرف متى نشهر أسلحتنا في وجه الآخر.

تمد يدها وتلمس يدي:

- العشيق هو أخطر الأعداء.. أليس كذلك؟

- زجاج النافذة مضبب.. والسيارات تمضي بسرعة على البولفار كالأشباح المنطفئة ما زلت منشغلا بتناول قدح الشاي وبأصابعي أكتب اسم دليلة على زجاج نافذتي ومن بين الحروف التي أزاحت لي بعض الضباب يمكنني أن أراها وقد عادت إلى تلك البقعة المضاءة من جديد إنها تنتظر السيارات الجارية كعادتها استدارت الآن واختفت وراء واجهة المظلة الزجاجية ها هي تقف بإغراء شاحنة كبيرة حجبت المشهد لقد قالت لي دليلة ذات مرة إن إحدى زميلاتها قد تزوجت من سائق شاحنة تركي الأصل أخذها معه إلى إسطنبول وتزوجها هناك.

قلت في نفسي:

- ماذا أفعل لو ذهبت دليلة مع سائق شاحنة وتركتني؟!

- توقفت الشاحنة! اختفت دليلة من تلك البقعة المضاءة ركبت الشاحنة أعرف أن دليلة ستتأخر لأن الشاحنات لا تجد بسهولة أماكن الاختفاء مثل السيارات الصغيرة التي تتسلل إلى الأزقة الخلفية بسهولة.

في هذه الغيبة أتمكن من استعادة حديثها:

- يخيّل إليّ بأن أولئك الرجال لا يبحثون عن اللذة بقدر ما يبحثون عن الانتقام من زوجاتهم!

بدأ البرد يتسلل من الفراغات الكائنة بين حافات النافذة والضباب أخذ يكسو الزجاج بحيث لم أعد أبصر شيئاً يحصل هذا عندما تتوقف المدفأة عن العمل آنذاك أضطر لإيقادها من جديد حيث تتبدد حبيبات الضباب وتتلاشى من زجاج النافذة .

ها هي دليلة ظهرت فجأة في تلك البقعة المضاءة تبدو منهكة القوى حيث تنعكس أشعة اللوحة الإعلانية على وجهها فتبدو تجاعيد وجهها أكثر بروزاً تتوقف السيارات تزمّر دون أن تعبأ بهم لكنّي أعرف بأنها ستنهض بعد قليل وتقذف بنفسها في جوف السيارات من خلف الواجهة الزجاجية للمظلة تبدو دليلة وهي تعانق رجلا يظهران كأنهما شبحان يتموّجان على صفحة الزجاج غطى الضباب زجاج النافذة حيث بدأت أرى الرجل المجهول أخذ يطعن دليلة بسكينة أخذت معطفي ونزلت مسرعاً أركض في الزقاق الضيق عابراً البولفار لمحته يرحل بينما تخرج دليلة من خلف مظلة موقف الباص ابتسمت لي دون أن تصاب بأذى عدت إلى شقتي مسرعا كأن الحمّى صعدت إلى رأسي بدأت أقلّب أوراقي البيضاء دون أن أستطيع أن أدون كلمة واحدة عنها.

دورات قليلة، تأتي بعدها، دليلة، غائضة العينين عند الفجر. تجلس بمواجهتي دون أن تتكلم تنام النهار بأكمله بانتظار ليل آخر. تسبح في أضواء مصابيح السيارات وتمتص رحيق الليل المسموم وما زلت أرسل نظري على جسدها الهامد على الأريكة المفتوحة كسرير فتحت عيناها وقالت لي:

أما زلت تذكر قول ابن خلدون: من لم يتزوج مغربية لا يعرف طعم النساء!

ابتسمت لها وقلت:

ها أنا أعرف طعم النساء حين تعرفت عليك.

تحركت شفاهها الواهنة:

- غريب أنت لا تريد مضاجعتي!

- قالت ذلك وغطت في نوم عميق بينما أراها كأنها تتضاءل كل ليلة، كما لو كان الليل يمتص رحيقها. فلم يبق من ثدييها سوى جلد نازل ومن عينيها سوى المحاجر الزرقاء.

عدت إلى أوراقي البيضاء وكلما كتبت سطراً عنها سرعان ما يتبخر منه الحبر حين أبدأ بكتابة السطر الثاني. فالكلمات لم تعد تنفع كأنها لو كانت تنفخ بأنفاسها تلك الكلمات التي تتطاير كأوراق الخريف.

قلت في نفسي:

- إذن في الخريف يجف الحبر.

تركت الأوراق البيضاء العابثة بمصيرنا لا بد أن الحياة تختبئ في مكان ما لا نعرفه.

تساءلت:

هل يمكنني استبدال الأوراق والحبر بالضباب والمطر؟

عدت إلى زجاج نافذتي الناصع تارة والمضبب تارة أخرى محدقاً بالفنار المنير الذي لا يمكن أن تراه دليلة بل أراه لوحدي لأنه يمتد على مرمى البصر!

قلت في نفسي:

- ربما سأوقظها في الصباح وأعلن لها عن حبي أحضرت لها الفطور وحين أيقظتها كانت جثة هامدة لا تتحرك.

باريس 1984


كاتب من العراق