الخالة اليابانية

الجديد  شريف صالح [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(108)]

لوحة: فاتح المدرس

عاد العم الطائش بعد غياب سنوات وهو يجر في يده زوجته اليابانية، فتندرت نساء العائلة على قصر قامتها، وحسدنها على نشاطها، فهي كانت نشيطة كالنحلة تستيقظ قبلهن وتنتهي من الواجبات المنزلية بسرعة وخفة ثم تجلس وتتزين. كانت لا تتكلم وهي تعمل ولا تتكلم وهي تتزين.. كأنها خرساء! فقط تأكل الأرز الأبيض والشيكولاتة وتنجب الأطفال لعمي.. وبعدما تتخفف من بطنها المكورة تدور في البيت مثل فراشة بملابسها الملونة.. فتثير هنا وهناك موجة عطرة.

رجال العائلة أيضاً استغربوا لأنها لم تذهب في يوم من الأيام إلى الطبيب، وقالت الجدة إنها امرأة ساحرة مسكونة بالشيطان. تعمل مثل الساعة لا تبكي ولا تتذمر ولا تتكلم! كانت الجدة تراقبها من بعيد بعين حذرة وكنا نحن أطفال العائلة نحب حركاتها الخفيفة وألوانها الزاهية كأنها طفلة مثلنا.

وبعد أذان المغرب سمعت امرأة عمي الأكبر تقول لجدتي إنها عرفت اسم الساحر الذي تذهب إليه الخالة اليابانية.. هكذا كنا نناديها.. لوت جدتي شفتيها وقالت إنها منذ مجيئها وهي سبب الشقاء في عائلتنا.. لم أصدق جدتي ولا امرأة عمي التي انتبهت إلى أنني سمعت كلامهما فتوددت إليّ وطلبت مني أن أسرق ثوب “الكيمونو” الذي جاءت به الخالة اليابانية من بلدها. فقد كان لديها “كيمونو” أبيض رائع.. ومحفور به تطريزات زهرية ووردية غائرة.

هل “الكيمونو” الذي احتفظ بجماله رغم مرور السنين له علاقة بشقاء عائلتنا كما قالت جدتي؟

في صباح اليوم التالي نادت عليّ عمتي:

“نفذت المطلوب؟”

“تريدين أن أسرقه؟”

هزت رأسها.

“لماذا أسرق “كيمونو” الخالة اليابانية وهي لم تضايقني في أي يوم؟

لكزتني امرأة عمي وهددتني بأنها سوف تكوي بلبلي بملعقة حامية إذا لم أفعل.

دخلت متلصصاً غرفة نوم الخالة اليابانية.. لا أدري أين كان عمي.. فمنذ أن جلبها إلى البيت، ونحن تقريباً لا نراه! شعرت بأقدام زوجة عمي الكبير، وجدتي، وهما تتسللان من خلفي وتشجعاني.

وقفنا نحن الثلاثة حول فراش الخالة اليابانية ورأيت “الكيمونو” مفروداً بعناية بطول السرير. حملته الجدة وامرأة العم بلهفة ثم أسرعتا بمغادرة الغرفة، ولم تمر سوى دقائق حتى سمع كل من في البيت صرخة مدوية وصوت ارتطام في الشارع، فهرولت العائلة كلها في اتجاه الصوت.

كانت الجدة أول من هبط إلى الشارع، اقتربت بعكازها وقالت في نبرة شامتة:

“ألم أقل لكم؟! ملعونة ومسكونة بالشيطان.. لم تصدقوا! الملعونة انتحرت!”.

تطلعتُ بصعوبة من بين سيقان وأرجل أفراد العائلة ورأيت الخالة اليابانية ممددة وسط الشارع وخيط دم رقيق يسيل على طرف فمها الصغير وقد زمت شفتيها القرمزيتين بقوة. ما لم أتوقعه أن جسدها المسجى كان ملفوفاً بكيمونو أبيض.


كاتب من مصر

مقالات أخرى للكاتب:

  • بيزنس النشر