هدير الصمت

الجديد  شريف عبدالمجيد [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(109)]

لوحة: فاتح المدرس
الممر

خطواتها المتسارعة كأنها خطوات مارش عسكري منتظم تتلفت حولها في ترقب وهلع سيمفونية كامل مقاطعها من وشيش النخيل وهسيس أعواد القصب ونقيق الضفادع وصوت الصرصور الشهير الموجود في ليل كل قرية. هذه الأصداء تعلو تارة وتنخفض تارة أخرى تبعث في نفسها خوف لم يعرفه بشر وكأن العالم كله أدرك ما رأته لتوها، تنظر للمكان نظرة أخيرة تختلس لفتات سريعة علي جنبات الترعة الوحيدة المؤدية إلى مدخل قرية أدندان بتهجير النوبة. الممر تختار الطريق الوعر البعيد عن موقف العربات التي تنقل الناس من وإلى القرية الصغيرة عبر الكوبري الوحيد همزة الوصل بين القرية والعالم .

وصلت أخيراً لدارها تغير ملابسها وتلبس فستانها الأحمر الجميل وفوقه الجرجار الأسود المشغول تلقي نظرة أخيرة على الدار من الداخل ثم تغلق الباب بالمفتاح وها هي الآن في شارع سبعة وأربعين تمشي وحدها في ظل الإضاءة الخافتة الصادرة من بعض أعمدة الإنارة التي لازالت تعمل متحدية عوامل الزمن وانعدام الصيانة.

أشا فخري

أصوات الدفوف تعلو وتتصاعد وسط فرحة الجميع إلا أن الدنيا كلها لا تسع فرحة (أشا فخري) لم لا إنه فرح ابنها البكري سالم جاشو. أشا مات زوجها ورغم جمالها لم تتزوج ربت أولادها الأربعة وها هي الآن تحصد أول زرعها .

تدفقت الجموع وسط حلبة الرقص فالكل يريد أن يشارك في الأراجيد (3) وصلت الممر لمكان الفرح ولما سألوها عن سبب غيابها، أشارت بيدها بما يعني إنها نامت ولما أشاروا لها بأنهم طرقوا على الباب أشارت لهم بأنها لم تسمع شيئا فضحكوا، انهمكت الممر في حلبة الرقص وعلى صوت الدفوف غني الجميع (القمر بوبا) و(كدودا) وغيرها من أغاني الأفراح، جاملت الممر أشا فخري كما لم يفعل أحد وكأنها تعلن عن وجودها وفرحتها الطاغية، اندمج الرجال في ذلك التقليد المعروف وهو العشاء أمام أبواب البيوت في شارع بيت العريس أما النساء فدخلن في البيوت ليقمن بتجهيز الأطباق وكذلك الفشار فوق الكردج(4) وهكذا صينية أمام كل دار فيها ما لذّ وطاب، الرجال والأطفال جالسون على الأرض في جلاليبهم البيضاء في دوائر لا تنتهي والنساء يزغردن (صلاة النبي عليك يا محمد عاشق النبي يصلي عليه) أما الشباب فيمرحون وضحكاتهم تملأ المكان يعطون نصائحهم الأخيرة لسالم الذي سيصبح رجلا كامل الرجولة وصاحب بيت.

بتــول

الجثة الطافية لطفلة عمرها 8 سنوات كانت حديث أدندان كلها وتأكد للجميع أنها جثة بتول بنت حامد علي التي اختفت ليلة الفرح .

انتشر رجال المباحث والمخبرون بين أهل القرية وأغلقت الحوانيت أبوابها بعد العشاء والمقاهي صارت خاوية وأهل البنت كان عزاؤهم ثلاثة أيام بلياليهم .

سالم يبكي بكاء الرجال العزيز الغالي وحده بعدما يغلق على نفسه الباب وطاهرة لا تعرف ماذا تفعل أو تقول .

تفكر كيف ستبوح بسرها جبال من الهموم فوق كتفك يا طاهرة وأنت بنت الناس وسالم زينة شباب أدندان وأكثرهم وسامة ولكن ما العلة. هل لم يكن يحبها؟ ماذا ستفعلين يا طاهرة؟

انتشر الخبر في كل مكان سالم ابن أشا لم يفض الظرف المصائب لا تأتي فرادى بالأمس غرقت بتول واليوم حكاية سالم، والممر في كل بيت تشير بيدها وتقرأ حركة الشفايف ودارت بالحكاية في كل بيت حتى قال سالم وسط جماعة من أصدقائه في سهراية يحاول فيها اكتساب الشجاعة الممر ثعبان لا تستطيع أن تتوقع لدغتها الحمد لله أنها لا تتكلم لكانت أشعلت فتنا لا قبل لأحد بها وضحكوا وساعدوه بالحكايات والأعشاب المجربة.

في المعبد العتيق بكوم أمبو تعرفت أشا على ما يجب عليها أن تفعله ليعود سالم سالماً كما كان أخفوا الخبر عن الممر والتي غابت لأسباب خارجة عن إرادتها وقد حققت معها الحكومة لأنها آخر من رأت البنت قبل غرقها وبعد أربعة أيام خرجت الممر للقرية بينما سالم أصبح أكثر جرأة بعدما ساعده في ذلك الشيخ حسان العارف بالله والذي نصحه بالرفق في الدخول وأعطاه الأعشاب المجربة لكنه ذهب سرًا للطبيب في كوم أمبو وظنت أمه أنها نجحت فيما فعلت وبكت الممر بعدما انكشف سرها عند تفتيش الحكومة لبيتها الذي وجدوا فيه مئات التمائم باسم كل عريس من أهل القرية. كانت سيارة الشرطة واقفة أمام بيت الممر بأضوائها المعتادة التي صارت تضوي ليل أدندان… يتحلق حولها الأطفال والنساء العجائز يقلن كلمتهن الشهيرة
بيو – بيو (5) والعساكر يجمعون التمائم والأحجبة داخل السيارة كدليل إدانة للممر وكتب الضابط في محضره أن الممر لم تقم بقتل بتول حامد علي التي غرقت دون أن يخنقها أحد كما ظن الجميع بينما كانت الممر تسير وحدها في الطريق المؤدي للترعة ودموعها تنساب على وجنيتها دون أن يصدر عنها صوت مسموع بينما سالم أشا يبحث كالمجنون وسط تلال الأحجبة عن الحجاب الذي صنعته له الممر.

1- الممر: الخرساء.

2- أشا فخري: عائشة فخري.

3- الأراجيد: رقصة خاصة بالأفراح.

4- الكردج: أطباق خاصة يوضع فيها الفشار والحلويات مصنوعة من سعف النخيل.

5- بيو.. بيو: كلمة تقال عند المصائب تشبه كلمة يا لهوي باللغة العربية.


كاتب من مصر