لسان مرّ

الجديد  طالب الرفاعي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(116)]

لوحة: حسين جمعان
تعوّدت أن أصحو باكراً أنا والظلمة، أتركه نائماً في بحر شخيره وغيابه. أتفقد غرفة أبنائي. بعدها أقف نصف نائمة لأجهّز فنجان قهوتي. الأبحاث العلمية تقول: “فنجان قهوة الصباح ضروري لتنشيط الذهن والذاكرة”. أنا أحتسي قهوتي كي أستطيع نسيان ما يدور من حولي. أتناول الفنجان الحار، أرتشف المذاق الذي أحب.. من خلف زجاج النافذة أعاين الظلمة في الخارج. ربما الخامسة.. أترك الفنجان على رخام المطبخ الصغير، وأنحدر أجرّ خطوتي على درجات السلم، أذهب إلى صندوق الجريدة.

لا أدري لماذا، أشعر أن مزاجي معكر، تقفز الفكرة إليَّ: لا شيء جديدا، سيكون اليوم صورةً عن الأمس.

أبلع ريقي وطعم مرارة القهوة. أفتح الباب فأرى الجريدة مرمية في الخارج.. أمرٌ مزعج، يصرّ موزع الجريدة على تركها خارجاً خلف الباب الزجاجي، مراراً طلبت منه:

“أرجوك ادفع الباب الزجاجي وضع الجريدة في الداخل”.

في كل مرة يهزّ رأسه، يعتذر مبتسماً ويعدني:

“إن شاء الله”.

يبقى يضع الجريدة في الخارج.

لحظة فتحتُ الباب، لفحت وجهي نسمة هواء باردة، فمسحت بعضاً من تعكر مزاجي.

في الكويت يمرّ الشتاء عابراً، لذا أشعر وكأن المطر يبلل خاطري.

حين جاءت عيناي على يوم وتاريخ الجريدة. دار ببالي: يوم الاثنين ليس لديّ محاضرات في الجامعة. صرتُ أستثقل الذهاب إلى الجامعة، أنفر من تحيات المجاملة الكاذبة، والوجوه المقنّعة، وأحاديث النميمة. أهنأ بمحاضراتي مع طلبتي، وبعدها أنعم بوحدتي في مكتبي وقراءاتي وأبحاثي، ريثما أعود إلى بيتي! أحياناً أتساءل: ” لماذا تغيّرتُ أنا؟ قبل سنوات لم أكن كذلك، ولم يكن زملائي!”.

أصعد درجات السلم عائدة إلى الصالة، فتنبّهني برودة الرخام إلى أنني حافية. طعم المرارة في فمي والبرودة في قدمي. أتناول فنجاني وأقصد مكاني المعتاد في ركن الكنبة.

أخبار الجرائد ما عادت تحمل سوى صور العنف الأسود والقتل والحروب. أقرأ الجريدة من الصفحة الأخيرة. أكره أخبار الموت، وأبداً لا أنظر إلى عمود أسماء الوفيات.

أمضّي لحظات الصباح وحدي. يصلني صوت شخيره من غرفة نومنا.. أنا وفنجان قهوتي وصفحات الجريدة. خبرٌ صغير يستوقفني، يستثير انتباهي وشيء من تعجّبي! أرتشف القهوة المرة. الظلمة تحتلُ الخارج. أنا والصمت والقهوة والخبر الصغير. يرتفع بي السؤال: معقول؟ أعود لقراءة كلمات الخبر الصغير. خلال الأسبوع الماضي مرَّ عليَّ وبعض صديقاتي ما يشبه تفاؤلاً. تصوّرنا إمكانية أن يتغير شيءٌ، وتأملنا مجيء جديدٍ مختلف.

الظلمة والصمت لا يزالان في الخارج وبرد ديسمبر. أعيد قراءة كلمات الخبر الصغير، يتأكد المعنى لي، فيتراكم طين الضيق فوق قلبي.

أرمي الجريدة. أسند ظهري إلى المقعد. تفلت مني عبارتي: “أخبار السوء!”.

يُنشب الخبر الصغير أنيابه في رأسي.

وحدي وطعم القهوة المرّ في روحي.. كأني لا أستطيع الجلوس في مكاني.

الظلمة في الخارج خلف الزجاج.

فجأة تهتزّ الجريدة، تتحرك كلمات الخبر، تنتزع نفسها من الورقة، تتقافز خارجة من مكانها بصراخها وأصواتها المزعجة. تتطاير منتشرة من حولي لتملأ الصالة. تحوم فوق رأسي، تنظر إليَّ بشماتة تزعجني، تخرج إليَّ لسانها الدبق.

أهمس لنفسي: اليوم الاثنين، ليس لديّ محاضرات في الجامعة، لكني لن أبقى في البيت.

الكويت 11 ديسمبر 2014


قاص من الكويت