احتفاء على تخوم الحشرجة

الجديد  طاهر الزارعي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(117)]

لوحة: صدرالدين أمين
نهضت من سفرة الطعام كالمفزوع، تتخبط قدماي بثوبي، صعدت بخفة غزال متجها نحو السطح. رأيت حماماتي تتطاير في القفص الكبير والخوف يحتضن أعينها. تلك القطط الشاردة طالما تتلذذ بحمامة أو حمامتين كل أسبوع فقد كانت ترتكب خطيئة كبيرة بحق هذه الحمامات! أمي تقول لي: انتبه لا تموت القطط راح تسكن في نارها. هذا التحذير جعلني خائفا جدا، وحينما أجد القطط تعتلي السطح لشن هجوم مباغت على الحمام أكتفي بردعها وطردها.

كنت أطعمها جيدا، وأبلل ريشها بالماء، بل أحرص جيدًا على تنظيف منقارها، وأختار منها الأجود كالحمام الحساوي والقلابي حتى أتمكن من بيعها بثمن جيد في “سوق الخميس″ الذي يمثل لي خروجًا عن روتين القرية الممل حينما أنطلق إليه صباحًا، حتى إذا ما وصلت هناك فسأجد المنافسة الكبيرة مع نخبة من مربّي الحمام يمتلئ بهم السوق كل واحد منهم يزعق بصوته المألوف: الزين عندنا والشين حولينا.

كثيرًا ما تطلب مني والدتي أن أقرأ على “حماماتي” القرآن حتى يحفظها الله من القطط والحسد، وكنت أجتهد في قراءة سورة “الفلق” بجانب القفص وأكررها أكثر من مرة، وأنفث في ماء الحمامات المعد للشرب. بعد أيام تأتي إليّ أمي تبشرني بأن إحدى معارفها قد طلبت منها شراء حمامتين لتذبحهما على ابنتها التي تشتكي من آلام رأسها المتواصل، وكنت أرضخ لهذا الطلب بصعوبة بالغة فمظهر الدم يثير خوفي واشمئزازي فكيف إذا كان يسيل من حماماتي التي أرهقت نفسي في تربيتها، لكن يبقى هذا قدرها اللعين، قدرها القادم نحو الموت والفناء.

القرية هذا اليوم تنقش الفرح على كل شبر فيها،على ترابها وجدرانها ونخيلها، وتسيل من فمي ضحكات كثيرة كنت أفتقدها منذ مدة، وعريس القرية صديق لي سأكافئه كما كافأت كل العرسان من قبله، سأهدي له خمس حمامات وثلاثة أكياس صغيرة من الشعير، وسأحرص كعادتي على أن أفرج عن كل حماماتي في صباح زواجه، وأطيرها لتحتفل في السماء حتى إذا ما قرب المساء أفتح لها قفصها الكبير لتدخل مطمئنة تلملم ما تبقى من حريتها.

كلما أنظر إلى وجه أمي أختلس منها دمعة هاربة من عينيها، كانت أمي تحرص على أن أكون تاجرًا كبيرًا في سوق الحمام حتى أمحو تلك الصورة التي لازمت أبي “الرقاص” حيث اشتهر بهذا اللقب بعدما كان يؤدي دور “الرقص” في زواجات القرية أثناء تأدية “العرضة”، ويكسب من ذلك رزقه.. لكن هذه التسمية لازمته، وأوقعتني في حرج دائم.

كان أبي ماهرًا جدًا في أداء الرقصة مع طبول العرضة التي تسخن على نار هادئة، رأيته بنفسي، كان يربط عجيزته الممتلئة بالشماغ المتهالك ويتمايل بها، وأحيانا يهزها هزًا كبيرًا حتى أن الناظر إليها يخمن بأن هذه ليست رقصة بل تيار كهربائي التمس بتلك العجيزة ونفضها. وبقدر جمال الرقص ومدته يحصل على رزقه من فئة الريالات والعشرات التي غالبا ما يتم وضعها في فمه أو تتناثر عليه من فوق.

أصعد إلى سطح البيت مع بداية كل يوم، وأقف هناك مثل فزاعة لا أتحرك، أتذكر أبي وأجهش ببكاء يهتك هدوء الصباح، وحينما أصحو من هذه النوبة -نوبة البكاء- أتأمل ذكور الحمام وهي تلاحق إناثها حينما تقوم بمزاحمتها وتنظيفها من بقايا ريش متسخ، وتشرع بعد ذلك “تفسدها” بهيجان كبير.

-تبيني أخليك قحبة! هذه العبارة لازلت أتذكرها جيدا قالها أبي لأمي في حالة غضب عندما طلبت أمي منه أن يترك الرقص في الأعراس، ويبحث عن رزق آخر. لكن أبي أصر على أن يواصل مسيرته في الرقص. كنت أسمعه دائما يقول لها: الرقص يقوي العقل ويجيب الفلوس.

أعدل من هيأة البرميل الصغير، أصعد عليه وأتأمل بيوتات القرية -في الحقيقة كنت أترقب صعود ابنة الجيران في سطحهم- في كل صباح تقوم بنشر الغسيل على حبال ملونة، وأنا بدوري كنت ألتقط كل شيء فيها بدءًا من وجهها وصدرها اليافع حتى آخر فستانها. هذا اليوم لم تصعد،. بل بقيت مع أمها ربما لتغلف حلوى الناصفة لهذه الليلة التي تبيض الفرح في أكثر من بيت.

شباب القرية يجلسون منذ الصباح الباكر منذ شهر كامل يجتهدون في تزيين مداخل القرية وشوارعها الضيقة، حتى إذا ما جاءت الليلة المرتقبة فإنهم يذيعون فرحهم عبر مكبرات الصوت، وتغرق أفواههم بالكنافة وعصائر الفيمتو، وكان أشد ما عليهم من لحظات، حينما تأتي دوريات الشرطة ورجال المباحث وتمنعهم من مزاولة هذا الفرح.

أصر على والدتي بأن أوزع حلوى الناصفة والفصفص على البنات حتى أحظى بملامسة أياديهن الناعمة، وأعتقل هندسة شفاههن الفستقية.. أمي تنهاني عن هذا الأمر وتقول لي: أنت كبرت والبنات يستحون منك. أرد عليها: أنت اللي كبرت في السن والوقفة تتعبك، أقبل يدها وأنتظر أول دفعة لبنات القرية.

تأتي ابنة الجيران مع صديقاتها بعدما حصدن كثيرا من الحلويات، يقفن على البيت، أطلب منهن أن ينشدن أهزوجة الناصفة المعروفة، يتضاحكن والخجل يلامس وجناتهن جميعا.. كنت أتأمل ابنة الجيران وقلبي يخفق مثل بالون.. كانت أكبرهن سنا وألطفهن جمالا.. تبدأ هي ثم يتبعهن:

حجه ومدينه يا الله

لقمة وسمينة يا الله

عطونا من مالكم يا الله

يسلم أبو أعيالكم يا الله

بعدما انتهين من الأهزوجة قمت بإعطائهن الحلويات واحدة بعد أخرى وكل من أعطيها تضع حصادها في كيس كبير، وترحل إلى البيت الآخر، وهي تهزج:

عساكم من عواده.. ولا تقطعون العادة

جعلت ابنة الجيران في الأخير كجزء من خطتي، وحظيت بملامسة يدها وأنا أعطيها كل ما تبقى لديّ من حلويات كثيرة.. ضحكت لي وطارت مثل فراشة جميلة.

ثمة رجال ينطفئ الفرح على وجوههم، أراها من بعيد، كانوا ينادون على بعض الأشخاص، يسألون عن أسمائهم، ثم يحتجزون بطاقة الأحوال المدنية لديهم، ويأمرونهم بتخريب كل ما أبدعوه من زينة ومجسمات، كنت أقف بجانبهم وقلبي طوفان أحمر، وأدرك لحظتها أن ثمة فرحا سيؤجل!

بعد عدة أيام تتحول القرية إلى مقر للاعتقالات،عند كل حالة اعتقال أسرع ككلب صيد لأشاهد ذاك الشخص المعتقل، عندها تتهتك دمعتي، فكنت أعي تماما أن ثمة أناسا ستفوح منهم رائحة الفول والبصل قريبا، وأن ثمة أناس سيأتون إلينا يتشحون بوجوه مغايرة ورؤوس متهمة بالصلع.

أتجه إلى البيت مثل سلحفاة، أتناول “الدرج” بأقدام تتلو القهر والحزن، أصعد على البرميل الصغير، أستنشق هواء معفنًا، أفتح القفص الكبير، أبصق في الأعلى، وألتقط البصق بوجهي، كررت ذلك عدة مرات حتى امتلأ وجهي فأصبح مثل فاكهة لزجة، دخلت القفص وقمت بإخراج كل الطيور الكائنة فيه حتى التي كانت تتسول الطيران. قررت أن أنام هذه الليلة في هذا المكان رغم نداءات أمي المتكررة لي.. كنت أتضور قلقًا، ويكاد قلبي يتوقف.. فثمة أقنعة بجوار القفص تملأه بضحكات هستيرية.


كاتب من السعودية

مقالات أخرى للكاتب:

  • أقدر‭ ‬الفنون‭ ‬الأدبية