الرجل الحافي

الجديد  عيسى جاد الكريم [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(133)]

لوحة: إبراهيم الصلحي
مرض غريب. إصابة الألم مُبرّحَة تُصيب قدميه. يشعر بمسامير من نار تدق في أقدامه فيسمع صداها في رأسه. تشق كيانه. فشلت كل محاولات الأطباء في علاجه من الآلام. ذهب إلى كل الأطباء المشهورين في بلاد الدنيا التي طاف بها؛ في باريس، لندن ونيويورك. في سويسرا حيث كان يقضي أيام مصيفه.. في موسكو حيث كان يستمتع بجمال الحدائق.. في ألمانيا حيث الآلات العملاقة والصناعات الدقيقة. عرضوا حالته على أكبر الأطباء. أجروا له كل الفحوصات والأشعة. كيف لم يلتفت إلى أن هناك في هذا الشارع تقع هذه المستشفى الشهيرة، وهو الذي كان يسهر كل ليلة في حانات تلك الشوارع؛ يراقص هذه ويُضحك تلك. يعقد الصفقات بين كؤوس الخمر. يجني المال ولا يعرف عدده ولا يعرف كيف صرف منه. كلما صرف ماله؛ ازداد، ياااااه!

لا يعرف كم جَمَعَ من المال؟ في كل دولة كان له حساب بنكي. أصبحت لديه حافظة خاصة لكروت الفيزا. جَعَلَ للجميع رقماً سرياً واحداً حتى لا ينسى من كثرة عددها!

يجلس مُحَدِّثاً نفسه “جمعت من المال الكثير، والآن أصرفه”.

أصبح لديه ـ في عقله ـ خريطة لأهم أطباء الدنيا.

لم يعد الأطباء يجدون نفعاً.

طرق أبواب العرَّافين والدجَّالين. كان يعرف أنهم يسرقونه، ولكنه كان يصطبر على عذابات الآلام بأوهام الأمل. كان يتشبث بخيوط العنكبوت حتى لا يهوي في قرار الانتحار.

لم يعد يستطيع تحمل الألم. حتى المسكنات التي حذَّره الأطباء بأن الإكثار منها سيجعله مدمناَ لها؛ لم تعد تُجدي نفعاً. أصبح قعيداً في منزله. يجلس بالساعات واضعاً قدميه في ماء بارد وأعشاب تُخَدِّر الأعصاب ولكنها لا تُزيل الألم!

لم يعد يستطيع أن يضع الحذاء في قدميه.

أخذوه عند ذلك الطبيب. كان يعلم بينه وبين نفسه أنه ليس هناك أمل، وأنه لا يوجد لحالته علاج، ولكنه كان لا يُمَانع أن يذهب إلى أيّ أمل حتى لو كان في أطراف الدنيا.

أخبره الطبيب بعد أن سَمِعَ حالته وقَصَّ عليه تاريخ حياته – “عليك أن تخلع الحذاء.. عليك أن تسير حافياً في الشارع″.

- نعم.. ولكن كيف أسير حافياً في الشارع؟ ماذا سيقول الناس عني.. سيتهموننى بالجنون.. قد يعطونني مالاً؛ ظناً منهم أني شحاذ؟

- تَصَدَّق ـ بعد أن تنزل من هنا ـ بحذائك لأول عابر سبيل يقابلك، وقل له خُذْ هذا واذهب لبيتك.. واشكر الله!

- أتصدق بحذائي.. ذلك الحذاء الذي اشتريته من إيطاليا؛ صنعوه لي بمواصفات خاصة: جلد قويّ ونعل خفيف كَلَفَّني الآلاف من الدولارات.. حتى أقرب الأقربين مني كانوا لا يصدقون أنه بأكثر من ألفي دولار!

نزل الشارع.

خلع حذاءه. تَصَدَّق به لشحاذ يجلس أمام العمارة.

مشى. شَعرَ براحة.

الآلام تنسحب رويداً.. رويداً، من قدميه. يشعر ببرودة الإسفلت، ويشعر بحنين التراب على جلد قدميه. مشى من العيادة حتى منزله. يستمتع بخطواته. لم يعد يضايقه الغبار أو يقشعر بدنه من التربة. كل يوم صار يذهب إلى مقر شركته، حافي القدمين.. يمشي في الشوارع حافي القدمين. يجلس في المطاعم حافي القدمين. كانت تؤلمه نظرات الناس.. ضحكاتهم.. وهم يرونه يرتدي أغلى الثياب، ولكنه حافي القدمين. لم يعد مهتماً بنظراتهم، أو أن يشرح لهم لماذا يمشي حافي القدمين. كان اتساخ أقدامه، وحبات الطين والرمال التي تعلق بين أصابعه، تضايقه. وعندما تتراكم حباتُ الطينِ والغبارِ على جلد أقدامه؛ تُعَاوِدَه الآلام مرةً أخرى.

المساجد كثيرة طوال الطريق. يذهب إلى أيّ مسجد يُصَادِفَه. يغتسل.. يتوضأ.. يصلّي. اعتاد على الصلاة. أصبح الوضوء العلاج الشافي له؛ البلسم الذي يُداوي ألمه. عندما تنتصب قامته مُتوجهاً إلى القبلة، يشعر بلذةِ الوقوف أمام الله. كم كان مُقصراً.. يا إلهي. كم تركت طريقك.. كم قصرت في الصلاة!

اعتاد على الصلاة.. على الجلوس في معية الله.

عرف طريق الصدقات.

وفي يوم وهو خارج من المسجد، وجد أحدهم يقدم له حذاءه، ويقول له خذ هذا واذهب لبيتك.. واشكر الله!

هل هو شخص جديد؟

لبس الحذاء. لم يعد يشعر بالألم. مشى به لساعات. وصل بيته.


كاتب من مصر