المصعد

الجديد  فتحي الضمور [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(144)]

تفصيل من تخطيط: إسماعيل فتاح الترك
هكذا أبدو دائما، عندما أتواجد في بناية شاهقة، أو حتى عادية، حريصا على معرفة عدد الدرج فيها، وعتباتها، لون أبوابها، إنارتها. أشعر بشيء من الجنون عندما أهتمّ بتفاصيل التفاصيل فيها، لكنّي أمتلك حاسة أشدّ غرابة ممّا أفعله، وهي عندما أكون في المصعد، أعرف الشخص الأخير الذي استخدمه، من خلال رائحة عطره، وأحدّده ذكراً أم أنثى.

مؤخراً عملتُ في شركة كبيرة، مكونة من سبعة طوابق في كلّ طابق شقتان منفصلتان، مارستُ هوسي، حتى عرفتُ عدد البلاط فيها.

أكثر ما كان يعنيني، ذلك المصعد الجميل، الذي به يبدأ صباحي في العمل. فما إنْ أصل إلى الشركة حتى أفتح باب المصعد وأدخله، فأعرف آخر واحد خرج منه. حتى أنّي دخلت في ذلك مرحلة الهوس بالرائحة والعطور، إلى حدّ أنْ أذهب إلى الشخص في مكتبه، لأخبره بأنّه كان في المصعد قبل قليل، وأكثر من أذهب إليهم، هم الفتيات، فلا أكترث كثيراً بالرجال في هذا الجانب.

المصعد كان سبباً قوياً في إقامة علاقات مع الجنس اللطيف، ذلك أنّني عندما كنت أقترب من أيّ فتاة، أشتمها، فتعشق روحي رائحة عطرها، فلا أنساها أبداً، وعندما تكون في المصعد، وتخرج يبقى عطرها في زواياه، فأشتمه لتذوب روحي فيه، فأصل إلى ذروة الإثارة وكأني بأحسن حالات الانتشاء.

أنفي لعين لحدّ أنّه يعرف النساء، أكثر من ألبتشيتو في فيلمه “عطر امرأة”. فكدت من وراء ذلك أنْ أدخل مع الشيطان في مقامرة على كل النساء العاملات، الفتيات منهنّ، والعوانس، والمطلقات، والمتزوجات، والجميلات والقبيحات، وفي كلّ مرّة أكسب الرّهان!

أنفي هذا أصبح معرّضا للتكسير، ومستهدفا من الشباب العاملين في الشركة. أصبح الجميع يعلم بأمري، وبقدرتي على تمييز وتحديد الأشخاص من خلال عطرهم. ماذا عليّ أنْ أفعل الآن حتى أتجنب غيرتهم اللعينة؟

التزمت مكتبي وحيداً، أطول وقت ممكن، إلا أنّني بين الحين والآخر، أذهب إلى المصعد لأستنشق أنوثتهنّ، ومن ثمّة الإيقاع بواحدة ممّن يغسلُ العطر جسدها المخبوء عن أعين الأغبياء.

العطر وحده يكشف عن جسد الجميلات وأرواحهنّ، حتى الرجال عرضة لذلك، فالجسد تنبعث منه رائحته الطبيعيّة، حتى إذا ما استخدم أحدهم عطراً ما، وكان لا يتناسب مع رائحة الجسد، لينتج عن ذلك رائحة غير مستحبة، ينفر منها كلّ من يشتمها. أمّا إذا كان العطر منسجما مع رائحة الجسد، ليبدأ فصل الإثارة والجنون.

هذا ما كان يحدث معي في المصعد، ألملم العطر القابع في زواياه، فيتشكل لي على هيئة امرأة على السرير.

كان أكثر ما يعجبني عطر امرأة في الأربعين من عمرها، وكانت كلما تدخل المصعد، تخرج منه وتبقى أنوثتها جاثمة على مرآة المصعد، فأعرف رائحتها، وأبقى أقبّل أنوثتها على المرآة، حتى يزول آخر رذاذ عليها، فتبدو كنهر لم يشرب منه أحد. هذه المرأة كانت تستخدم Nina Ricci الذي كان يأكل جسدها كلّه. كنت أذوب عندما أقترب منها، أو عندما أتنفسه في المصعد، فأذهب بخبث إليها وأخبرها بأنّها كانت قبل قليل فيه. كانت تتعجب من أمري، وكيف أنّني أعرف ذلك، حتى استقام لي الأمر معها، وامتدت علاقتي بها لأكثر من خمس سنين، وأنا أعرف نوع العطر الذي تضعه كلّ يوم على جسدها.

كلّ ذلك تغيّر فجأة، ولم أعد قادراً على تمييز أيّ رائحة حتى عطرها المثير. كلّ شيء تغيّر حتى أنفي لم أعد أرغب به في المرآة، كلّ شيء تغير عندما تزوجت.


كاتب من الأردن