مدار الرؤيا

الجديد  هشام البستاني [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(204)]

تخطيط لـ فيصل لعيبي
شيء ما بيننا.لا، إنه ليس الكاميرا المعلّقة في زاوية الجدار، تمتصّنا بعينها وتبثّنا إلى شاشةٍ بعيدة.

أمدُّ أصابعي في المسافة التي تفصلني عنكِ.. تمرُّ بشكلٍ عاديٍّ لكنها لا تصلكِ، لا تلمسكِ، كأنّكِ دائماً أبعدُ قليلاً من مكان الصورة التي يرسمها دماغي. كأنكِ خلف ستارةٍ من الماء. لعلّكِ في هواءٍ آخر أشدّ كثافة من هوائي. هواءٌ ثقيلٌ مثل ذاك الذي غرق فيه رفاقي في ساحة المعركة. ماتوا كلّهم وبقيت أنا -مثل قلائل آخرين- محشوراً في بضعة أبيات من الشعر لا أموت “في ليلةٍ، إن قُيّضَ لكَ أن تستلقي في غرفة المرضى هذه، تخاف الظلام لكنّك لا تجرؤ على الضوء، أَنْصِتْ؛ فإن صوتي قد يمنحك الطمأنينة”.

صاروا ذكرى بينما ظللت أنا أعبر الحقب وتعجنني التحوّلات.

لكنكِ تظهرين مرتاحةً، لا تبدو عليكِ حشرجات الموت ونقص الأوكسجين. وجهكِ ورديٌّ تنزُّ منه ابتسامةٌ واثقة. عيناكِ مطمئنتان، ولولا آثار جمر الموقَدِ فيهما لظننتكِ نائمةً بعيونٍ مفتوحة.

ها أنت تُغمضين. نامي، إذن، نامي.

****

يتحرّكُ كثيراً في الليل. يظنُّ نفسه قادراً على الولوج إلى عالمي. على الوصول إليّ. يعتقد أن طائرته قادرةٌ على أن تحطّ على مدرجي، لكن ثمّة مطارات كثيرة فيّ، تطير منها وإليها رغبات كثيرة، طائراتها لا تكفّ عن التحليق.

حين أضع رأسي على المخدّة، يظهر. لا أرى شيئاً في البداية، أسمعُ فقط. أسمع نَفَساً وحركةً خفيفين، ثم يدٌ تربّت على كتفي بلطف: مرّةً، مرّتين ثم تنسحب. لا أرى شيئاً بعد. أحاول أن أُقنع جفنيَّ بأن يظلّا مُنطبقين، وأحاول أن أقنع عقلي بأنه يحلم، يحلم فقط. لكن لا فائدة.

أراه الآن. طويلاً. هادئاً. يلبس لباس الجنود وخوذتهم. وجهه معلّقٌ بهالةٍ بيضاء وسط السواد المطبق للغرفة ولا عينين له. تفترق شفتاه لوهلةٍ، يريد أن يقول شيئاً فأغمض عينيّ، وحين أفتحهما يكون غادرَ، وأنا أبتسم. ليست ابتسامة سعادة، بل ابتسامة اطمئنان أنه سيعود، وأن الليل لن يبتلعني بوحدته هكذا.

في الصباح أركع على الأرض مدقّقة إن تركت خطواته آثاراً على خشب الأرضية. ألحق مسار حركته المرسوم في عقلي لأستكشف إن كان أيٌّ من أشياء الغرفة انزاحَ ولو قليلاً من مكانه، وحين أتعرّى لأستحمّ، أركّز كثيراً على استدارة كتفي لعلّ أصابعه تركت بعضاً منها هناك.

****

لا أحبّ الكلام. حياتي الطويلة علّمتني الجَلَد والصّبر والصّمت. ماذا تقول لرصاصة تزنّ بجانب أذنك وتستقرّ في فخذ صديقك الذي لم يقفز بعد في الخندق؟ ماذا تقول لضابط يسألك عن اسمكَ ثم يصفعك قبل أن تُتَمْتِمَ بالإجابة؟ ماذا تقول لطائرةٍ تلقي بالقنابل من فوق مئات الأمتار، قائدها لا يمكنه أن يتفرّس تقاطيع وجهك ولا أنت وجهه؟ علّمتني الحرب أن الصمت كثيراً ما يُنقذ حياتك، وأن الكلام غالباً ما يُنهيها. وربّما لأنني صموتٌ مُدّد وجودي هنا أكثر من الآخرين.

لها فقط كنت أريد أن أقول شيئاً. لكنّها عجولة، لا تريد أن تنتظر اكتمال قمري. تغمض عينيها فتُنهي المشاهدة ولا يعود لي بقاء.

كنتُ أريد أن أقول لها إن الاطمئنان ليس شعوراً عابراً، إنه التراكم البطيء لندوبٍ تتجمّع على مهل، وتُخلّف هدوءاً وبُروداً وقُدرة. الاطمئنان هو أن تصير مثل العلّاقات الكبيرة لمفاتيح غرف الفنادق القديمة، هرّأتها لمساتٌ عابرةٌ أكثر من أن تُعدّ، لكنّها تظلّ وستبقى قويّة تشجّ الرأس.

****

شيء ما بيننا.

لا، إنه ليس الكاميرا المعلّقة في زاوية الجدار، وضعتُها هناك لتحاول اصطيادك. ولا هو كتاب الشّعر الذي يذكّرني بكَ كلّما أتيتُ على تلك القصيدة.

الخندق عميقٌ لكن ليس بما يكفي ليحمي الجنود من يد الموت القادم. أشاهده من مكاني فوق الصفحات، وأشاهد أسراب الطائرات التي تأتي مع الريح الباردة كحدّ سكين. لماذا كل هذه القسوة؟ هل كانت القصائد قرباناً لذكرى من احترقوا؟ هل كان الشاعر يريد أن يُهدهد أجساد من بقي على قيد الحياة ليناموا مثل ذاك الملقى على طرف الوادي وجهه متعفّن وشعره مختلطٌ بالأعشاب: لكنه رغم ذلك لا يرتجف، لا يشعر بالبرد والألم والتعب والخوف مثل أولئك الذين ينظرون إليه؟

هل كان يقرأ عليكم قصائده في الليالي التي عصفت فيها الثلوج؟ هل أنقذت أحدكم من الموت تجمّداً؟

لم تحترق القصائد في الحرب، لم تخترقها الشظايا ولم تدرزها الطلقات. هرَّب أحدهم الأوراق بكل حمولتها، وها هم يتسلّلون منها كلّ يوم يبحثون عمّا بقي من حيواتهم.

أعرف أنك أحد أولئك الجنود. أعرف أنك مِتّ ميتةً شنيعة. أعرف أنك تخرج لي من بين كل تلك البشاعة المحشورة بين غلافين لتقول لي شيئاً. أما أنا، فيكفيني ما قرأت.

****

تغمض عينيها دائماً حين أهمّ بالكلام.

أريد أن أعبر إليها، أن أسكن جسدها، لكنها تُغمض في اللحظة الحاسمة قبل أن أفتح فمي. يقولون إن الروح تخرج من الأنف، لا أدري، قد يكون هذا كلاماً فارغاً، لكنّي أعلم أن كلامي قادرٌ على الولوج إليها من أحداق العيون. هكذا أستريح، كل هذه العواصف المتشقلبة في داخلي ستجد نفقها نحو شخصٍ آخر وتستمرّ.

لم تسمعني، وأنا أبتلع جُملتي دائماً. ما الجدوى إن عرفت سِرّي ولم ينتقل لها كنهه، أساسه، التجربة كلّها؟ ما الجدوى؟ قد تعتقد أن رائحة الكتاب تكفي، لحمه المحروق، جثّته المخضرّة التي أكلها التحلّل، كل هذا جيّد، لكن إن لم تشاهد عينين مكان الثقبين السّوداوين، فلن يكون لها ظلٌّ على الأرض أو انعكاس في المرآة، ستظلّ هائمة في عالمنا الملتبس، بلا حولٍ ولا قوّة. ستظلّ لا تدري.

لن تعلم أنني أنا من كتب ذاك الكتاب الذي تقرأ فيه كلّ ليلة. أنا الذي تستحضرني ثانية كلّ قراءةٍ وكلُّ إلقاءٍ وكلّ استشهادٍ وكلّ ذكرى. وما تزال عندي قصائد لم أقلها، رفاق سقطوا لم أبح بعذابهم وموتهم، كنت وعدتهم بذلك، كان ذلك دَينهم في رقبتي، العالم دَينٌ في رقبة الشاعر، وأنا أريد أن أسدّد دَيني وأرتاح.

لو تفتحي عينيكِ فقط، لو تسمعي ما سأقول..

****

في ليلةٍ، إن قُيّض لك أن تستلقي في غرفة المرضى هذه… إلى آخر الاقتباس هو من قصيدة: “عن قصائدي” لولفرد أوين، شاعر كان مجنّداً في أثناء الحرب العالمية الأولى، قتل قبل أسبوع واحد فقط من إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني عام 1918. الترجمة عن الانجليزية للمؤلف.

الجنود الموتى الذين لم يخرجوا للفتاة النائمة هم من قصيدة “الأشباح العطوفة”. وحده الشاعر خرج.


كاتب من الأردن