صندل الصبي

الجديد  هند جعفر [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(207)]

تفصيل من تخطيط لـ كاظم حيدر
عملت لدى الحاج حودة صيفين متتابعين،كان واحدًا من أشهر باعة السمك في حلقة بحري، ورث دكانه عن أبيه حودة الكبير الذي سماه على اسمه كونه الولد الوحيد الذي قاتل ليأتي بعد إحدى عشرة بنتًا مات منهن أربع وتبقى سبع ينتظرن وليّ عهدهن مع الأم والأب الذي شارف على الخمسين ولم يأت وريثه بعد..

جاء حودة وأمه تودع عامها الرابع والأربعين، جاء الولد وذهبت أمه بعد ولادة متعثرة فأرضعته عمته مع أولادها، وحين بلغ الثالثة دخل في كنف أبيه وسط جوقة البنات اللاتي كن يستعدن للزواج واحدة تلو الأخرى، ولكنه لم ينقطع حتى السادسة عن الرضاعة فكان يذهب لعمته ويقف بجوارها قائلا: البِز ياما فلا تستطيع المرأة إلا تلبية رغبات وحيد أخيها حامل لقب العائلة. حكى لي المعلم في ساعة تجلّ نادرة أن مشرط مسعد حلاق الصحة لم يمسه إلا عند بلوغه العاشرة عندما ألحت عمته وأخواته على أبيه قائلات إن عشرة أعوام من الدلع والترف تكفى وأنه قد حان الوقت ليبلغ الولد مبلغ الرجال ولو شكليًا، ولم ينسها حودة لهن أبدًا كيف تخلين عنه في هذه المحنة وتركنه أمام مسعد وطحش آخر من الجيران -حسب وصفه- وجهًا لوجه وسط غياب أبيه الذي لم يتحمل رؤية وريثه يتلوى في أول تجربة ألم يخوضها. ضحك لي قائلا: كانوا ضلالية ما ينفعش تدخل عركة راجلين لراجل واحد وتاخده على خوانة وتقول غلبناه..

تزوج مرتين وأنجب ثلاث بنات ولم يكرر ما فعله أبوه وبرر ذلك أن الزمن غير الزمن وإنه لا يريد لولد أو بنت أن يتزفر على حد تعبيره كفاية زفارة جيلين يا بنى..

كان قصيرًا ونحيفًا لا تظهر على جسده كميات الدهن التي كان يعب منها يومًا بعد الآخر.. شاركته في مرات كثيرة الغذاء فكان ينفرد بالدهن وأغلب اللحم يحادثني ويده اليمنى في طبق الفلفل الأسود والملح تغمس قطعة من الدهن فيتلقفها فمه ويلحقها بالأخرى في سرعة ومهارة وقتما كان ينهش في رغيف بلدي يلفه في يده اليسرى.. كانت مهمتي تنحصر في حراسة الدكانة وقت غيابه أو نزوله الميناء والتوصية على الشاي والقهوة بالإضافة إلى حمل الثلج ورص طاولات السمك، كان حمل الثلج أصعبها أعود منه منهك القوى تمخر قدماي في عباب الكزلك الأبيض.. مخدر الخد والرقبة بالكامل وهدومي تفيض بمائها تتلقفني أيدي الحاج حودة ليتناول اللوح وراء الآخر، ثم أقوم بتكسيره بعدما أشرب كوباية الشاي التي تعيد لي قليلا من الدفء بعد الخدر الذي شل نصفي العلوي بأكمله.. كانت إحدى مهامي السرية الذهاب يوميًا إلى مخبز العيش البلدي للحصول على مئة رغيف نصف سوا نبيعه للصيادين كعليقه للسمك مقابل أن يأتوا لنا بما يصطادونه بعد ذلك ليوزع الحاج فيما بعد السمك بين محله وبين محلات أخرى في الحلقة.. لم يسمح لي حودة يومًا ببيع سمكة واحدة ماعدا السردين المملح الذي اشتهر بمهارته غير العادية في تمليحه لدرجة أن هناك إشاعة خبيثة ظهرت في الحلقة أن حودة يقوم بوضع قطعة من روث صعيدي في الصفيحة وهو ما يعطي السردين نكهته.. وكان الصيادون يتضاحكون معه بهذا فيرد قائلاً: وهجيبه كل يوم منين يا خرونج منك له؟! طب وليه ما يكونش واحد فلاح يعني اشمعنى الصعيدي.. كان السر كله يكمن في قليل من الخردل وكثير من الشطة بالإضافة إلى الملح والكركم… كان حودة يضيف الخردل على عكس بقية التجار وكان الخردل كفيلاً بنكهة مميزة.. بخيلاً كان الرجل لم أظفر منه بإكرامية واحدة طوال ستة شهور قضيتها معه..كان الراتب فقط لا غير هو ما أستطيع اقتناصه منه وأحيانا ساندوتشات سيردين كنت أفطر بها وقت دخوله للميناء جالسًا أمام المحل متقمصًا دور المعلم بلا منافس طالبًا من بائعات محلات الملابس المجاورة كوباية شاي كن يتسابقن لتقديمها لديك برابر دكان الحاج حودة.. أحيانا كنت أتلقى عشرات القروش وأرباع الجنيهات من بعض الصيادين عند مساعدتي لهم وكان المعلم وقتها ينظر لي شزرًا فأسلمه صاغرًا الفضة مجمعة كما تكومت في جيبي لم أحصها بعد.. ليعقب بعد ذلك بصوت متذمر: من الساعة 8 للساعة 4 إنت تبع الدكان وشغلك كله عشان الدكان. كان ينفحني أسبوعيًا 25 جنيهًا وفي منتصف التسعينات كان هذا مبلغا لا يُستهان به أبدًا.. عندما توظفت في المؤسسة العريقة رأيته بالصدفة، أتي يومًا مع حفيده ليقدم له في النشاط الصيفي الذي تقيمه المؤسسة للأطفال.. لفت نظري صندل الصبي الأبيض وتخيلتني في كزلكي أحمل ألواح الثلج من السوق لمحل المعلم ولم أدر بنفسي إلا وأنا واقف أمامهم أعرض خدماتي قائلاً: من الساعة 8 للساعة 4 المحروس الصغير تبعنا هنا يا حاج حودة.


كاتبة من مصر