أربع قصص

الجديد  هند جودات جودة [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(208)]

لوحة: سعدي الكعبي
يتنفسها دمع

تتنفس الدمع وهي تبحث عن ثانية تفهم أنها لا تستطيع العبور دون يديه، ثم يتنفسها الدمع كأنه الوحيد الذي استطاع أن يفهم، لازالت تحاول القفز عن إحساسها بوجوده رغم أن كل شيء يؤكد أنه رحل رحيل اللاعودة، ذلك الرحيل الأخير ذو الخط الشعاعي الذي له نقطة بداية تعني النهاية.

تحاول أن تقتنع بأنها لن تصحو ذات إغماضةٍ لتناديه ويجيب، وأن صوتها سيظل حين يلفظ حروفه يخرج ليعانق فقط الفراغ والصمت.

هو الذي اكتشف مناطق الفرح والحمّى! والذي جعل من الليل نهاراتٍ بنجوم عينيه، وجعل من النهار أمنيات تتقن الحلم، وتحفل بالورود الجورية واقتناص الضحكات، تسمع صداها وتتلفّت بحثا عنه وهي تدرك أن ذلك البحث عبث، وتترك الغصة تتكوّر في حلقها

آه، لو تنطقها وتعرف أن الآه لا تجدي في رفع كاهل التعب ثانية عن الصدر وأن تلك الـ”لو” لا تقدر على إعادتها لرحم الضباب قبل أن تصطدم بوجوده وهي مغمضةٌ وترى جيدا أنها تلتصق به نخاعا لنخاع!

وتكرّر لذاتها ما قالته طويلا وانتظرته طويلا لو أنه منحها طفلا يعشش في قلبها قبل رحمها لتشير إلى صورته حين يكبر وتقول هذا الذي جعلك تتكون قبل غيابه الأخير.

تحاول أن تكفّ عن تجرّع فقده، تحاول الاستمرار في حمل الحلم، تحاول أن تصدّق، أن تتوهم بأنه سيطرق الباب بعد قليل حاملا قلبه وابتسامته وغمازتين تصنعان واديا تودّ لو تنغرس فيهما وينتهي الأمر، لتصبح جزءا من ابتسامةٍ ملتئمةٍ فيه!

يرهقها غيابه الذي لم يأت به بعد!

غادر دون وداع، كانت تنساب كل يوم وليلة في بحيرة روعته الوادعة، لم يترك لها هذه المرة علامات على الطريق لتلحق به، لم يترك لها وقتا للتلويح له وهو يركب قطار الراحلين، بكل عفويّة ككل شيء فيه، جاء الغياب عفوياً.

لم يترك لها طفلا ينمو داخلها ويتحرك ليحرك قلبها، أو يرفس لترفس حزنها المقيت، لو أنك زرعت في أرضي غرسا يحمل ملامحك وصوتك وغمازتيك، وشعرك الليل الذي لا مدى لعتمته.

تترنّح في كأس عينيها دمعة، تتركها لمجرى حُفِرَ في وادي الخدين، وتعود لإرهاق الذاكرة..

جاءوا لي بخبر موتك الحيّ، وأنا أعدّ لك قهوة المساء، لِمَ لم تشرب قهوتي في الساعة السابعة، ساعة عودتك ووعدك قربي بأن تأتي؟

لا زالت قهوة السابعة تعدّ ويشربها صبّار نبت في فناء المنزل الخلفي بين البرتقالة والزيتونة في تلك المساحة التي تركتها فارغة وكأنك عقدت معها عهدا سريّا لم أعرفه أبدا إلا صباح رحيلك حين شقّ الرمل نبتةُ صبارٌ أخضرٌ يحمل شوكه!

عرفت أنك ترى وتعرف بقلبك، ربما بحدس ما، أنها ستشرب قهوتك لذا تركتها دون جورية بيضاء طالما طلبتها منك هناك.. وكما شربت الأرض ملامحك ، يشرب ملامحي غيابك.

بارودتك لا زالت تعلق إصبعي على زنادها كلما فاض بي الشوق للمس أصابعك!

هل يكفي أن أشتاق لك حدّ الاحتراق كي تأتي؟

كانت الطلقة وهي تقصد قلبك لا تتوه عن قلبي وكان عرقك في كل ليلة يركض بين احتشاد أصابعي فوق جبينك فيم ثورتك تركض داخل قلبك تجاه سوادهم…

هل لا زلت تمارس الركض، وتشحذ البارود بالرصاص ويعرق جسدك؟

قل لي من يمسح عن جبينك عرقه الآن؟

دقّت السابعة يا سيدي وها أنا أسكب فنجان قهوتك إلى جذور خلف فناء المنزل تشبه غيابك وذكراك.. أشواكها كثيرة، ولا تبخل بثمرٍ حلو.

ألوان

يراقب شفاههم ، يعرف أن شيئا يخرج من تلك الحركات التي تتأرجح بها وتتشكّل، تتكوّر مرة ، تنفتح، تنغلق، أو تنضغط فيما بينها الأسنان التي ربما تضغط على اللسان في أخرى!

هو أمام المرآة يجرّب أن يفعلها دون أن يعي كنه ما تعنيه!

الصمت لديه خارجٌ عن إرادته، هو فمه الذي يسكنه لسانٌ عاجز، يقع خلفه واد سمعٍ لا يجري فيه صوتٌ ولا صدى!

قبل عدة أيام أخذه والده في زيارةٍ لطبيب مختص، ذلك كان ضمن سلسلة محاولاتٍ متعددة امتدّت عبر وعيه، لإيجاد رواق واحد يمكن أن يمرّ فيه خيط صوت، دون جدوى!

يحاول بهمهماته الخروج من قمقم قهره تجاه كل ما لا يسمعه! بالسبابة يشير إلى ما يريد، بملامح وجهه يحاول رسم رغباته، بغضب مفتوح على شرفات صوت عصبيٍّ بدائيّ النبرة، كوحشٍ يُذبح!

يضيق أحياناً، يثور على نفسه، يرى في كل شيء حوله ما قد يثير الغضب، يمسك بأقرب شيء ويطيح به أرضاً، يهشمه، يلاحظ حركات أيديهم تجاه آذانهم ، تحديدا هذه الفتحات، هو لا يشعر بها، ما الذي يحاولون فعله حين يضعون بطون أكفهم هناك؟ ولا يجد عقله الإجابة؟

يدفع بالمزيد من الأشياء تجاه الأرض، أمّه تواصل إغلاق أذنيها ووالده يقترب منه، بسبابته المحذرة، المترنّحة ذات اليمين وذات اليسار..

هذه الإشارة تخفق في وجهه كلما فعل ما يستدعي انعقاد حاجبي والده! يحني رأسه ويعيد الطبق إلى رفّه الذي بدوره يراقب أيضا ولكن ببلادةٍ دائماً وبخرس أيضا كل ما يحدث هنا!

“ليس بالكلام وحده تعلن عن الإنسان فيك”، وليس الصوت وحده يشكّل إعلاناً عن الإبداع في الطبيعة، فالشمس تسقط في قاع البحر دون صوتٍ وتخرج من رحم الليل دونه..

هو وجد في المركز التأهيلي الذي التحق به مؤخراً شيئا يجذب حواسه كمغناطيس!

اكتشف الريشة والألوان واستفزاز البياض، وحمله على العدو بالريشة فوق مساحات بيضاء لجعلها مخلوقة غير عاجزة عن السمع والكلام وربما البكاء والحلم!

لديه الآن أن يبصر، يلمس، يتنفّس، يتذوّق، فلسانه له فوائد أخرى سوى الثرثرة..

يترك للذاكرة أن تقذفه تجاه غضبه العتيق، تواصل ابتسامته اتساعها، أصابعه صارت تتقن فن الكلام الذي يجهله فمه وذاكرته، بخطوطه وألوانه صار يرصّع الفراغ بمعانٍ لا تستطيع اللغة أن تعبّر عنها، فقط، وفقط ريشته ما تفعل!

إحساسه المفقود بالصوت، جعل صرخة روحه على الورق كحدّة البرق في كشف اللون الرماديّ للغيوم أو اسودادها، ورغم غياب الرعد عن حواسه، لم تغب ألوان المطر ولا أقواسه الملونة.

يبتسم لنفسه من جديد، ينطلق تجاه مرآة مرسمه الخاص الذي جهزه له أبوه، ينظر بثقة تجاه معالمه، يخرج لسانه مداعبا، يكوّر شفتيه من جديد، يفتحهما، يضغط على اللسان، يحركه به بين شفتيه ويضحك، يضحك ، يضحك.

سقفٌ منْ عتمة

تُرصِّعُ صدره الأسود الكبير كعادةٍ عتيقة بضعُ نجمات، قمرٌ يزهد في ظهورٍ كاملٍ يبدي نصف زينةٍ ويخفي نصفها، نسماتٌ باردة تضفي على المكان صحواً يُرغمُ على الإحساس بارتعاشة انتعاشٍ محبَّبة، صوتُ الليل يأتي مزدحما بتفاصيل كائنات تحبّذ أن تبدأ يومها تحت سقفٍ من عتمةٍ وبرودة.

لهذا العملاق خطواتٌ مباغتة حين يبدأ بالانتقال عبر شرفاتٍ هادئة، تثير زوبعةً صغيرة بحفنات ريحٍ تترك ذراتها كنسماتٍ مباغتة لوجه الوقت الذي ينتظرُ بلا سأم.

وقفت تثير همسا على نافذة قلبها الذي يباغت نفسه ويباغتها بأمر اشتياقٍ حاولت ألاّ تعطيه بالًا، ظنّت أنها استطاعت أن تحتجز النسيان وتقحمه في قفص قلبها، لتكتشف أنه أدهى من أن يُخدع وأنها أكثر سذاجةً من أن تحصل عليه بسهولة، ذلك الرجل مرّة أخرى في حارة الجفن يعبر طيفاً غير مرحّبٍ في وجوده، لكنه يسيطر على حواسها كلها لتتنفّس ذاكرةً حفلت به دهراً.

بحركةٍ تمثيلية، تثاءبت، أرادت أن تخادع النوم ليأتي طوعا بدَلَ حالات اعتصارٍ داخليّة لا ترغب أن تقضيها، كانت تلك توقّعاتها لحالة الطقس الروحيّ لديها والتي كونتها بناءً على تجربتها العصيبة مع الذاكرة، والآن وبعد زيارةٍ لم تتمناها أتتْ الذاكرة ضيفا ثقيلاً وبكل القسوة الممكنة على قلبها الذي يتمناها سرّا أرادت التخلص منها. هي التي تدرك حاجتها لها وتتصنَّعُ اللامبالاة، حتى أمام نفسها!

غجريةُ شعرها تحفلُ بهواءٍ بدأ يتوارد على النافذة حيث تقف، تأرجح على ظهرها، داعب تفتُّح وجهٍ ناصع البياض، راق له أن يمرَّ على وجنتيها بعبثية أثارت حنقها، ردَّتهُ إلى الخلف بحركةٍ عصبيةٍ من يدها، ما لبث برهةً حتى عادت أنامله تتلصص وتثيرها من جديد، لملمته بيديها وأرسلته بين فكّي مشبكٍ يعرف كيف يحاصر ثورته، قفلت تحاول ترتيب خيوط قلبٍ رأتها تناثرت أيضا.

مشاعرها تتشح بحضوره، تتلبّسها الوقائع كلها، تحتشد على مرأى من غيظٍ ضاحكٍ يتلو أمامها التفاصيل ويهزُّها برضا يدغدغ حواس ألِفَتْ بعد كل غرقٍ مشابه نوبات بكاءٍ حادة تقصم ظهر قسوة الذاكرة عليها، تتنهدْ وتستسلم لقلبها تماما!

تعرف حماقاتها كلها، تحصيها حين تتكالب عليها، تغترف جرعة صبرٍ من بئرٍ لا تصلها، تراوغ الأمس، تغالب وجهه، وجهه الفاتن بغمازتيه وسمرته المحببة بطوله، رائحة عطره، ابتسامته القاسية! استحضرت كل تفاصيله تلك التي لم تتآكل داخل قلبها بفعل صدأ الانتظار ولا كيماء أي عوامل يمكن أن تعدّ وتُحصى رغم أنها كانت كافية لمحوه تماماً، لكنها لم تجد رغبة لذلك يوماً رغم كل ما تبديه من مكابرة!

تمتدُّ يدها إلى درجٍ في روحها، وتسحبه!

لم يكن ذلك الرجل صادقا بما يكفي لتستمر الأمور بيننا ضمن نصاب الحب، بعد أن تمكّن من حواسي بدأ يصادر قدرتي على الفرح بوجوده قربي، لا يفعل سوى الانتقاد، اللوم، بضع عاداتٍ حاولت أن أسلبها منه دون أن أنجح.

كان لا يعنيه أن يضعني أو يضع الآخرين في موقف حرج، اعتبر ذلك أمرا عاديا، ظننته سيتغير بمرور الوقت والتنبيه المستمر، بدأ معي بشموع، موسيقى، وعطرٍ لا يترك مسامه، يبدو أنه سأم التفاصيل، حتى اعتاد أن يدعك جلده بي، ثم يغادر لنومٍ متقلّب يجعلني أهرب إلى الصالون لأهنأ بأريكةٍ هادئة.

القسوة بدأت تطفو على بحيرة روحه، عرفت أن هناك امرأة، عرفت ذلك بحدس أنثويّ لم يكن مجرّد شكّ، أكده لي ذات أمسية ماطرة بما في جعبة غيماتنا، وأكد لي أنني السبب، “برودك قاتل أنت لا تهتمين بي أبداً”. وكم كان كاذبا.

لم يكن الانفصال سهلا، كما لم يكن ارتباطهما كذلك، حاربت لتحصل على الفراق بأكثر مما قاومت رفض أهلها له بادئ الأمر، ومن أين لها أن تعرف؟ من أين لأحدٍ معرفة ما ينتظره؟ حصلت على خلاصها منه في النهاية، يثير حنقها أنه لم يتمسّك بها، لم يحاول العودة، والأوجع بعد أقل من شهرٍ أرسل لها دعوة لحضور حفلة عرسه.

بسخرية مُرّة جذبتْ الدمع من خاصرته، أسكنته جفنا لم يفعل سوى أن أحسن الاستقبال، ما لبثت أن طردته بإرادة مباغتة، خدرٌ سرى في قدميها دفعها إلى التململ، حرّكت قدميها في مكانهما، اتكأت برأسها على كتف النافذة لاحظت فرشاة الغسق تُعمل ألوانها في لوحة الليل، تذكرت النوم، وجدت نفسها تنسلّ من ألمٍ حاصرها، وبسهولة خشيت ألاّ تقدر عليها غادرت النافذة بعد جرعة هواءٍ مثلجة أدخلتها رئتيها بعمق من يريد أن يوصل البرودة إلى أقصى مكان ممكن، نفثتْ حرارةً انطبعت على زجاجٍ أحكمت إغلاقه، نحو سريرٍ باردٍ اتجهت، أحكمت غطاء فوق ارتجافٍ سكن جلدها، تركت رأسها لفخذ وسادةٍ يعطّرها عبق “تمر حنة” كانت قد وضعته ظهر اليوم، أناخت رحلَ حواسها، وجدت دمعا يتأرجح على وجنتيها، أسلمته لكفها ثمّ اختبأت تحت ليلٍ جديد صنعه الغطاء.

ببطءٍ بدأ يكتشف

حاول فتح عينيه، تأرجحت صورٌ حوله وتداخلت، ضبابٌ احتشد في طريق الرؤية، تكاثف ليعدمها تماماً، صخبٌ كان يفرض وجوده على أذنيه أكثر، حالةٌ من اللاتصديق تسكن حواسه العاقلة!

كانا معا لحظة انطفأت رصاصةٌ في قلبه، رأى أنها امتصت منه الحياة، جنّت أطرافه، ضغط على الزناد بقوة من يريد أن يطلق النار من روحه، القصف كان ممتلئا بذاته يعبئ الفراغ بلغته الوحشية وقسوته وكان مصرّاً على أن يترك للموت حصة.

عادت اللحظة ببركانها لتقذف به في طاحونة قهرٍ لاكت ضلوع روحه دون أن يقدر على الخروج من دوامة تسحب رجل ذاكرته لكل ما هو موجع.

هذه المرة بإرادة بحتة فتح نافذةً على قلبه، قفز عبرها ثمّ أغلقها خلفه.

كانت صبيةً فراشية القسمات يمررها طريقٌ ماكرٌ يدري بما يفعل تماما، حين يهسهس لروحيهما بحفيف مرورها، لم يكن يعرف أن قلب صديقه نسج حولها يرقة حلمٍ، ألبسها الأبيض وصار بها أباً لأبناء لم يأتوا بعد.

حين أخبره، ابتسم، أخفى شحوبا داخل صندوقٍ سرّيٍّ بعيدٍ في قلبه والآن هي ظلّت بغصة الفقد مثله، تتحسّسُ خاتماً في الإصبع، وتنتحب.

عيناهُ ألحّت لتستعيد مشهدا حوله غصّ بالذي لم يره، ببطءٍ بدأ يكتشف المكان حوله، وكلما أوغل النور داخل غابة عينيه صنع الألم كشفاً جديدا في حواسه، وجهٌ دافئٌ كان يجلس جوراه وكان فيما يبدو ينتظر تلك المواربة من باب جفنيه ليبتسم مباشرةً، رغم ذلك استطاع ملاحظة احمرارٍ في عينين يعرف كيف تبدوان بعد حفنات بكاءٍ كانت دائماً تعتصرها وهي ترتجيه ليرحم وحدتها دونه، هي التي لم تعرف أمومتها سوى من خلاله وحيداً ضمّت طفولته وشبابه وتريده الآن ليربّت على بياض شعرها. وكانَ هو يصرُّ على أن الله لها وأنه لا يجب أن يكون إلا للوطن، شعر بحنين جارف ليلمس أصابعها، هتف بشفتي قلبه: أمي، ثمّ مدّ لها يداً لم يجدها!


كاتبة من فلسطين تعيش في غزة