قصتان

الجديد  وافي بيرم [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(219)]

لوحة: فرح علي
أنا إنسان ماني حيوان

جالساً في غرفتي تحت رفّ عليه بعض الكتب، على أريكة تعتقت فيها رائحة بلدي، بجانبي مسجلة صغيرة على طاولة صغيرة مكسورة تظهر عليها آثار التعذيب والحروق بالسجائر، وبجانب المسجلة صحن السجائر قد امتلأ برماد ذلّ أربعين سنة، بدخان سيجارتي أرسم مستقبلي ويتبدد، نافذتي مغلقة منذ مجزرة، الستائر ملّت الوقوف وبدأت علامات الترهل تظهر في جسدها، أستمع للموسيقى بصوت يكاد يخرج من حنجرة جهاز الكاسيت، أصوات من بعيد تتجه نحو نافذتي، أنظر إليها وهي ترتجف فزعاً كلما اقتربت الأصوات، هدير أصوات وصرخات حطم زجاج النافذة وأظهر سوأتها وخجلها من أطرافها العارية مع نظرة فزع ودهشة، تقترب الأصوات حتى تسكن رأسي، وتضرب طبولاً تمزّق جدران داخلي، ثم كما جاءت تبتعد رويداً رويداً حتى تتبخر، وأنا غائب في ذهولي ونظرتي الجامدة، يوقظني سقوط رماد السيجارة من فمي على نفس الأريكة التي تطرزت بهذا الرماد.

وما هي ساعات حتى انفجر باب الغرفة كأن بركاناً بصقه، ودخلت عليّ غربان سوداء وبدأت بنهشي، واستعانت بالشتائم لتذكيري بأني حيوان أليف يعيش في كنف مزرعة، قذفوني أرضاً بركلاتهم، وانصرفوا.

هدوء آخر وسكينة عشعشت في جسدي، وأنا أفتح عيني ببطء لأنظر حولي خيالات الغرفة، سحبت يدي وتحسست دماء وجهي تنزف على أرضية الغرفة التي شهدت على تاريخ بلد مقاوم ممانع، يصنع أمجاده بضرب الحيوانات وترويضها، بصعوبة وقفت على قدميّ وخرجت من الغرفة وأنا أضحك، أصابني ضحك هستيري، فوجدت والدتي في مقابلتي فأجلستني في حجرها وضمتني ووالدي ينظر إليها نظرة العاجز، بوجه شهد على أرض مساماته حروباً ومجاعات ومجازر، نظرت إليهما وقلت لهم ضاحكاً (أنا إنسان ماني حيوان).

خرجت من المنزل، ووجهي تعلوه ابتسامة بلهاء، قابلت جاري وصديق طفولتي جالسا في زاوية الحارة، فقلت له (أنا إنسان ماني حيوان)، فربت على كتفي ولم ينبس ببنت شفة، أقبلت على حاجزٍ وبادرتهم فوراً (أنا إنسان مالي حيوان)، فصعد الدم إلى رؤوسهم وأقاموا لي حفلة راقصة باللكم والرفس، وطردوني وأنا أضحك وأصيح (أنا إنسان ماني حيوان)، نفس الغربان في مكان آخر شاهدوني من بعيد ففتحوا نيران رشاشاتهم، على جثتي وهي تضحك وتصيح (أنا إنسان ماني حيوان)، تابعت مسيرتي وسددت ثقوب جثتي بأعقاب السجائر.

قابلتني مجموعة من الشبان فسألوني، من أنت؟ ومن هو ربك؟ ومن هو نبيك؟ وهل تصلي أم لا؟

ظننت أنهم ملكا الموت أنكر ونكير! فقلت لهم: أنا إنسان ماني حيوان.

فرد أحدهم فوراً: أتسخر منا يا حيوان؟

وقادوني لعند شيخهم الجليل، كان شيخاً بلحية بيضاء، أسمر الوجه، في جبينه خاتم النبوة، نظراته حنونة وتشعُّ أملاً وحياة.

أجلسني بجانبه وهدّأ من روعي وربّت على كتفي وقال: من أنت؟

فقلت: أنا إنسان ماني حيوان.

فقال: خذوه واقطعوا رأسه وسيغفر الله له، قادني أنكر ونكير إلى ساحة عامة، يتجمهر بها الأطفال والرجال، وقرأوا الفرمان وقطعوا رأسي، تدحرج رأسي وهو يضحك بصوت عال ويصرخ: أنا إنسان ماني حيوان.

هجم الأطفال بسرعة باتجاه رأسي وانقسموا فريقين، ونصبوا الشباك، وبدأوا بمباراة قدم جمهورها رؤوس ملثمة بالسواد.

أحد الأطفال ومن فرط الحماس سدد رمية عالية ودخلت من نافذة مكسورة، استقر رأسي عند قدمي والدي الذي ما زال ينظر إلى أمي بنفس النظرة وعلى خده دمعة مُرة، وأمي ما زالت تحتضن برواز صورتي وتبكي فراق ولدها منذ مجزرة.

أنفاس طفلة

الساعة العاشرة صباحاً. كالعادة، أبو محمد لم يذهب إلى العمل بسبب اشتداد المعارك وانقطاع الطرقات المؤدية إلى عمله الذي يقتات بواسطته هو وأولاده، جلس أمام باب المنزل هو وصغيرته حنين يلاعبها، يأخذ منها لعبتها، وهي بدورها تمثل دور الحزينة لفراق حبيبتها اللعبة، ثم تقوم بالهجوم على والدها لاسترداد لعبتها، في الداخل أولاده يتشاجرون مع أمهم، هي تريد إطعامهم عروسة الزعتر، وهم يعترضون ويطالبون بالجبنة التي نسوا طعمتها، أصوات أطفال يلعبون في الساحة الخلفية للمنزل، بينما المارون من أمام أبي محمد يرمون السلام ويداعبون بأيديهم شعر الصغيرة حنين، خاطبه جاره سائلاً: إن شاء الله اليوم الأوضاع هادئة؟ فردّ أبو محمد ممتعضاً: لسا بكير هلئ بتجي الحنونة وبتزتلنا هدايا..

وما هي إلا دقائق حتى سُمع هديرها في الأجواء، تركض الطفلة وترتمي بحضن والدها لتستشعر القليل من الأمان، تصرخ الأم من الداخل: ادخلوا حالاً فهي قريبة جداً. يدفع أبو محمد بطفلته عبر الباب فتركض مسرعة لتصل إلى أمها، ويركض الأب إلا أن القذيفة أسرع منهم جميعاً، يعج الغبار عالياً ليشكل بأرواح الأطفال صورهم، ويتخذ هيئاتهم البريئة، يقف الأب مذهولاً، لا يرى شيئاً من وسط الغبار، قدماه ترتجفان، يصارع الغبار ويحاول نفضه عن عينيه، يتلمس بين الركام ويحاول أن يمسك بأحد أطفاله أو زوجته، تقع يده على شيء ملمسه طري، يسحبه بهدوء من تحت الأحجار، ويضمه إلى صدره فيحس بنبض ورائحة حنين، يسمعها تهمس له: أخرجنا من هنا، يشقّ طريقه من بين الغبار ويتعثر بالأشلاء والأنقاض، وتصله أصوات التكبير والحوقلة، يمسك بيده أحد جيرانه ليوصله إلى برّ الأمان، الأمان المفقود من هذه البلاد منذ أربع سنوات، يهيم أبو محمد في الطرقات لا يرى شيئاً أمامه، أصوات مشوشة تخترق سمعه، ينزوي في بيت مقصوف سابقاً خلا من البشر عدا أرواح أصحابه التي تحاول أن تنبت أزهاراً أو عشباً، يحاول أن يخرج من صدمته، التي ذهبت ببصره فأصبح لا يرى شيئاً وكل ما يسمعه مجرد تشويش، يخترقه صوت ابنته التي يحضنها تقول: بحبك بابا، يمشي والناس تنظر إليه وتصفق الكف بالكف وتحوقل، ذهب إلى مدينة أخرى هائماً لا يشعر بتعب ولا جوع، يقتات مما يرميه بعض الناس بحجره أثناء استراحاته، ظناً منهم أنه مجنون، يناجي صاحب أحد السيارات بأن يوصله إلى حدود البلد فهو يريد النجاة بطفلته والخروج من بلد الموت، بلد الخراب، يصل الحدود ويترجل من السيارة، ويتجه باتجاه الأسلاك الشائكة، يقطعها دون أن يشعر بألم خدشها لجلده كل ما فعله هو ضم طفلته ليحميها من أن تخدش. يمر ويتجه إلى اللا مكان، في قرية صغيرة نائية، أمسك بيده أحد أبناء القرية وأخذه إلى بيته ليستحم ويرتاح، لكنه اكتفى بأن يسد رمقه وطلب منه أن يوصله إلى أقرب مدرسة، استغرب الرجل ولبّى له طلبه. دخل المدرسة، ووصل إلى غرفة المدير.

دخل وسلم على المدير وشرح له وضعه وطلب منه أن يسجل صغيرته في المدرسة، فهي تحب الدراسة، فسأله المدير: وأين طفلتك؟

فأبعدها عن صدره وقال له: ها هي أمامك.. ها هي. انظر ما أجملها، وهي وديعة وهادئة لا تشكو ولا تزعج أحداً.

(استلم المدير دمية من أبي محمد، ولم يستطع أن يتكلم ليعده بأن ابنته ستكون من الأوائل في مدرسته).


كاتب من سوريا