قصتان

الجديد  وسام نبيل المدني [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(223)]

لوحة: سليمان منصور
عشر دقائق

هل لديك حقائب تتسع للجدران؟

يوم آخر تحت وطأة الحرب، لا شيء مختلف، توتر، وجوه مكفهرة تشتاق نوما، أطفال ممتنة لمعركة جمعتهم، هدوء حذر.

رنين الهاتف يمزق الصمت، يوقظ أطراف الحركة بنا، يقفز أقربنا ليرد.

- ماذا أنتظر

صرخ بوجه ممتقع ثم ألقى السماعة وأكمل

- أخلوا المنزل سيقصف بعد عشر دقائق هيااااااااااااااااا.

بات المكان أقرب لإناء ينضح ببذور الذرة المجنونة “الفشار” التي تتطاير بلا وعي، وحدي الثابت في مداري والأفكار كواكب تدور حولي تدوخني.

عشر دقائق سابقة، كنت أعدّ الشاي صامتة، أحتاج كمية كبيرة من الفناجين وخزانتي فارغة، الماء مقطوع وأغلب الأغراض متسخة، كم أحترم الكؤوس البلاستيكية في هذه اللحظة.

يتكتم الشاي على أنفاس شاربيه خشية أن يقضّ مضجع الترقب، غرفة محنية الظهر، تضج بكمية بشر أكبر من حجم خاصرتها الكهلة، نساء تتكئ على جدران متشققة الجبهة، أطفال صرعي الإرهاق في أحضانهن، رجال أحرقتهم السجائر وأعياهم ثقب السواد المشتعل بغبار دقائق مقتولة ، شيء من مخلفات الوقت.

- ميعاد الولادة قد اقترب ولا أعرف ماذا أسمي الطفل

محاولةً قتل الصمت.

- نسميه هدنة.

- بل نسميه حرب.

- دمار.

- بقعة ضوء.

- انتصار.

- وطن.

- كهرباء.

وهنا فقط قَدّت العتمة الضحكات، انقطعت الكهرباء مجدداً، تتضاءل البسمات حتى تختفي خلف ظلال الشمع، كاد كل شيء يعود إلى رتابته لولا تلك المكالمة، تباً لا بد أن نخلي في عشر دقائق.

ماذا سأفعل في عشر دقائق؟

ماذا سأحمل معي في عشر دقائق؟

لابد أن أحمل محفظة نقودي، سأحتاجها لتضيء بعض شحوب اللجوء، أوراقي الرسمية فهي مُعرفي الوحيد أمام قانون يكفر بما دون الورق، ملابس أحتاج ملابس فوحدها تزملني من حقد البعوض وفاشية الشمس، كُتبي لا بد أن أنقذها فطالما أنقذتني من ضيق الأفق، سريري ذاك المجاهد طالما احتمل تنكيلي غضبي وشخير النوم، وسادتي حضن الدموع الشجي، درج الأسرار، كما اعتدت أن أسميه يحوي كل هدية نلتها وكل حلم وأمنية لم تطلها روحي، غرفتي كم أعشق غرفتي تروي عني ما لا تعرفه أمي.

الجدران المزركشة بخطوط عمري، يا الله ماذا سأحمل وماذا سأترك للموت، لم أكن يوماً بضع أوراق تعريفية ومحفظة نقود وأنفاس، بل ذاكرة هي وحدها أنا، فإن خرجت دونها سأعيش عارية، أسيرة (الزهايمر) طيلة ما تبقّى من عمر.

- ماذا تنتظرِ هيا احملي في حقيبتك أي شيء وغادري لم يتبق وقت.

- هل لديك حقائب تتسع للجدران؟

- ماذااااااااااا هل جننتِ.

- لن أغادر.

دقت الساعة معلنة انتهاء المهلة.

البرتقالة في يدي

كانت أقصى أحلامي في هذه اللحظة، أخفيتها عن يدي اليسرى، عن عيون الصف الجائعة، عن هلوسات المَعِد الخاوية، والأَكُفّ المتصلبة، برتقالة خطفتها من شجرة أرضنا، وأنا أهرب من بين أنياب القصف، راحلاً صوب مدرسة الإيواء منفانا الجديد.

الجميع نائمون. حان وقت نيلها.

مد علي يده ليمسك البرتقالة لكنه فشل، قفزت مبتعدة، تعجّب وظن أنها سقطت منه، حاول أن يمسكها مرة أخرى لكنها ابتعدت مجدداً.

أجننت يا علي، هل رأيت بعمرك برتقالة تهرب؟

تمتم متعجباً وصرعته الدهشة حين أجابته البرتقالة:

- لن تأكلني، إلا بعد أن تعيدني لأمي الشجرة، لأودعها.

فرك عينيه ليتأكد، مما يرى فاستطردت:

- لم أسمع رداً؟

- تباً، كيف نذهب وحارتنا منطقة مغلقة تحت القصف.

قالها باضطراب.

-أغمض عينيك.

ما كاد يفعل حتى تعالى صوت القصف من حوله، فتح عينيه إنها حارتهم كما لم يرها من قبل، شاحبة رثة، القصف الغوغائي يشعل سماءها، صبحاً زائفاً، يقلع استكانة أرضها، وهو لم يعد هو، يخترق الحلكة بثاقب نظره، يدرك ما وراء الجمود.

البرتقالة برشاقة تقفز أمامه، يتبعها بخطوات تائهة، وعيناه تغرق في بهمة المكان، يمنةً ويسرةً تخطفها الأطياف المتساقطة، رأى ظلاً من بعيد ظنّه مبتغاه، اقترب ورفيقته يتفحصانه.

مشهد عجيب!

تجدل شعرها أمام مرآة السواد، تشذّب كحلها، الليل يبدو أكثر غواية وهي تطالع الحبيب شامخاً بجوارها، تتسلل خيوط الغبطة بين ضفاف جذعها، لجة النشوة تدوخها، تسرق استكانة هدبها، في ليل ظنته لن ينام، مخموران بالنظر، يتجاذبان دفوف اللهفة.

لطمة طائرة مزقت ملامح العرس، التفت نحوها، عروس قسم البارود خصرها، نخلة مبتورة الروح، ملقاة في حضن التراب عارية، خلع الحبيب سعف جسده وغطى عرجونها، خاضت صرخة في هيئة طفلة ذات رداء أحمر ممزق وجورب، اختبأت من أنياب القصف خلف رفات أمها النخلة.

دمعة خدشت وجه علي، بأقدام متثاقلة يلاحق رفيقته.

شبح يتابعه، توقف علي يلملم رعشته ويطالع المجهول، طلل ضبابي الكينونة، ربما حجرٌ تقيحت حوافّه، حذاء مزقته ذكريات الأرصفة، أو زهرة فولاذ صاغتها مقصلة البارود، مجرد انعكاس حالك، يسير نحو مدينة كان يعرفها، منكّس الحلم، يبحث عن بعضه المفقود في شبكة أجرام زائفة تصطاد الأبنية.

ولا يزال علي ماضٍ وعيونه تقفز بين صور نازفة.

يعبر عاموداً إسمنتياً بنصف ساق، يداه المبتورة تعانق قهقهات الأطفال، دموع الرصاص تحرق دهشته، يكمل علي مسيرته الموجعة، يقف محني القلب، أمام أنينٍ حامض، لسريرٍ عار الأضلع، يهدهد أكماماً مشظّاةً طالما نامت بين ذراعيه.

يتمتم بقهر ألا يموت هذا الليل البغيّ، يسرع خلف رفيقته والمشاهد تزداد نزفاً، المدرسة ممزقة، أرجوحة أخيه مقتولة، تبدو من بعيد، جسدها مسجّى لطخ الدم جبينها، تلك الشجرة.

أخيراً انتهى القصف، يستطيع الآن أن يسرع بعيداً عن رهبته.

وما كاد يلمحها، حتى سبقته الصرخة ذات الجورب، وهي تحمل قارورةً فارغةً، تجمع رائحة الخوف عن صدر الأعمدة والجدران، تزجّ خرز الذاكرة في خيوط الوقت، لتصنع عقداً يغوي ضيوف المقبرة الطازجين على الانبعاث، علها توقظ أمها.

كبائع روبابكيا يجمع مخلفات الدهشة المميتة، في جعبته صرخات، أطلال، أطراف دون تتمة، قطن سحابي متخثر، بنادق صدئة، وسلم متهتك، ضمت الشجرة لجعبتها، وراحت تنقل عبر سلمها البضائع نحو السماء، عقب القصف دون أن تنتظر أجراً.

راح يلحقها ويصرخ:

انتظري، أحتاج تلك الشجرة..

البرتقالة تختفي رويداً رويدا!

ما كاد يصل حتى تلاشى كل شيء.

تباً، إنه لا يزال في الفصل على الفراش الأرضي، تحسس جيبه، أخرجها وضحك:

- البرتقالة في يدي.

ثم عاد للنوم.


كاتبة من فلسطين مقيمة في غزة