مسمار القيلولة

الجديد  محمود الرحبي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(178)]

لوحة: تيسير بركات
منكبا وهو يرقن وينقل الحروف من مكانها الأول في الأوراق إلى مسكنها الجديد في قلب شاشة الماكنتوش. الحروف وليس المعاني، يرفع الكلمات بعينيه من مكانها في الدفتر حيث تكون مرسومة بخطوط أقلام اليد، إلى مكان أعلى في قلب الآلة.

غالبا ما ينهي عمله عند الثالثة بعد الظهر، وقد أتى على معظم الرزم التي يرسلها المدير إليه عن طريق المراسل، يحفظ ما رقنه ويغلق الجهاز ثم يرفع جسده من كرسي العمل إلى كرسي السيارة وينطلق…

أكثر المسامير شهرة هو مسمار جحا. وذهابا في المعنى خروجا عن غلاف اللفظ، نقول بأن هذا المسمار يمكن أن يكون أي شيء: غرفة، كلمة، أمانة، أو حتى وطنا. كل شيء إلا أن يكون مسمارا كالذي نحشره في بطون جدراننا وأخشابنا، بجسمه القصير ورأسه المسطح المستدق، وذيله العاري كإبرة النحلة.

سالم يعمل في مطبعة بروي، ويسكن في شقة بالسيب، وهو بذلك ينتقل بين المكانين مسافة سفر تربو على الستين كيلو مترا. وحين يصل إلى شقته الصغيرة، يكون أكثر ما يحتاجه النوم؛ أن يدفن جسده لمدة ساعة كاملة. وهو وإن لم يفعل ذلك سيعيش طيلة ما تبقى من يومه طافي الرأس سرحانا ينوس الكسل في عينيه.

هذه القيلولة كان يزن لحظاتها بميزان الذهب. فبعد أن يتوقف في مطعم ويطلب صحنا من أرز ومرق، ويشعر بانتفاخ بطنه وتتخدر حواسه، فلا يرى أمامه بعد ذلك سوى سرير القيلولة.

لكن مؤخرا افتتح معرض للسيارات تحت شقته. تخرج أجسامها المعدنية من قلب المحل، وتتمدد إلى جادة الشارع من العاشرة صباحا وحتى العاشرة ليلا. نافذة من نوافذ الجحيم شرعت تحت أذنيه. يفتح عينيه بغتة على صوت أشبه بصياح مبحوح لسيارة خربة تجر إلى المعرض، أو على فحيح طارد العوادم لسيارة قديمة. وهناك كذلك اصطفاق الأبواب ورفع أغطية المحركات وإغلاقها بالقوة.

كل ذلك جعل من انتظار غفوة النوم مقرونا بانتظار ضربة مفاجئة.

وقف على رجليه وأطل من نافدته بيأس. أدخل نُواتي تمر إلى فتحتي أذنيه.

ثم جاءته فكرة تغليف الأصوات القبيحة بأصوات جميلة، فاقتنى مسجلة. لكن كل ذلك لم يصمد أمام أنياب المعرض التي تنغرز أصواته في رأسه كلما هجع للقيلولة. وقد ظل صوت أم كلثوم يتهادى ويسيل في الأذنين ويحوم على الجفنين إلى أن تثب ضربة من الأسفل، وتنفض كل شيء وتعيد الصبر إلى خط انطلاقه الأول.

ورغم تلك الفوضى، فإن الصوت الجميل يستمر في الغناء: ما تصبرنيش ما خلاص.. أنا فاض بيّ وملّيت.

وفي لحظة رفع جسده وفتح النافدة ثم اتجه ناحية الحمام، وملأ جردل ماء حتى حافته، ثم قذف بكتلة الماء في الهواء. ارتفعت وتشكلت لحظة على هيئة حيوان غاضب ينشب مخالبه قبل أن ترتطم الهالة المائية بالأرض.

ساد الصمت الشارع لحظة. وسالم الذي نفّس عن غيضه، استعاد رشده وبدأ بالاقتراب بحذر من النافدة ليرى عاملا هنديا مبللا جسده بالماء، وهو يمسح سطح سيارة نيسان بترول جديدة. كما رأى الوجه الأنيق لصاحب المعرض، يرتدي نظارة سوداء تغطي وجهه كقناع، رافعا رأسه ناحية النافدة وهو يبتسم ويهز رأسه ببطء. رمشه سالم لحظة قبل أن يغلق النافدة، ويدور على عقبيه ويمد ظهره على السرير منتظرا رجال الشرطة، أو صاحب المعرض كما أوحى له عقله المتعب.

فتح الباب لصاحب المعرض، رفع له إحدى يديه أن يقف مكانه ولا يدخل. حبس غيظه. ولكي لا يصطدم بوجهه، حوّل نظرتيه وسرحهما على البلاط العاري حيث حامتا متماوجتان يصعب – بسبب التعب- تركيزهما في مكان واحد.

- طبعا جئت لتشتكي؟

- بل جئت لأعوضك عن هذا الإزعاج الذي أسببه لك كل يوم.

- هل تعلم بأني أصحو منذ الخامسة وعليّ أن أشق طريقي ساعتين في الزحمة حتى أصل إلى عملي، وحين أعود بعد الظهيرة وأتغدى، لا أحتاج من هذه الدنيا سوى ساعة هادئة وأنت تحرمني منها.

- سأسدد عنك جميع فواتير الكهرباء طيلة إقامتك.

- طبعا مقابل أن أصبر على إزعاجكم.

-لا.لا.

- أطلق الحرفين الأخيرين مفعمين بالضحك وهو يحرك كلتا يديه.

- إزعاجنا قانوني تماما، ولن تستطيع أن تفعل لنا شيئا.

-إذن مقابل ماذا؟

- مقابل أن تسمح لنا بأن نعلّق خارج جدار شقتك لافتة إعلانية مضيئة.

- لست صاحب الشقة.

- أعرف. وقد استأذنت من صاحبها وليس لديه مانع شريطة موافقة الساكن.

- ولماذا يوافق الساكن طالما أن اللوحة ستنصب في الخارج؟

- بل إننا سنضطر لزيارتك في بعض الأوقات، كما أننا سنوصل أسلاك اللوحة من شقتك.

- مسمار جحا إذن؟

- مسمار حجا! يمكننا أن نعلّق اللوحة في الشقة العليا في حالة رفضك. فكر في الأمر ورد عليّ في بداية الأسبوع المقبل. اذهب إلى قريتك ورد عليّ بعد العطلة.

أطلق صاحب المعرض عبارته الأخيرة وأدار جسده وهام أن يتبعد.

- كنت أود أن أسألك عن سيارات النيسان بترول الجديدة التي بدأت أراها في معرضك بأكياسها وكأنك تجلبها من المصنع.

- هي جديدة فعلا وأنا فتحت المعرض لهذا الغرض، أجمعها من البدو الفائزين في مسابقات الهجن، ومن عطايا الديوان لشيوخ القبائل، فالجميع يرغب في أن يرى هذه السيارات أموالا وليس حديدا، فيبيعونها لي بأسعار جيدة.

ذهب سالم إلى قريه مطي، حيث عائلته التي يعمل من أجلها. فيترك كل شهر عند زوجته مبلغا تستقبله وتفرح به كراتب شهري، تماما كما يستقبل ويفرح زوجها براتبه كل شهر. وهو ما يتبقى له بعد أن يقطع قسط سيارته وإيجار شقته وما يقتاته من أكل في الشوارع. كان يعيش مع أمه وأبيه وزوجته وابنة سمياها ريا تيمنا بوالدة أبيه التي رحلت أثناء الحمل بها فأورثت اسمها لحفيدتها.


كاتب من سلطنة عُمان