ثلاث حالات

الجديد  محمود الوهب [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(182)]

لوحة: فرح علي
أحلام القهــوة

كئيب وجه المدينة. وجه حلب كئيب، اليوم، وحزين. مزاجُ الحاكم معكَّرٌ. عصا الطغيان مطلقة غاضبة، تجوب النواحي والأحياء، تضرب في الأرض ومن السماء.

فنجان القهوة وأحلامها يراودان أفق الأستاذ عبدالمعين، يحثه حنين إلى المقهى وحكاياه والأصحاب. يَحْمِلُ نفسه ورغبات مزاجه، وينهض، يصمّ أذنيه وعينيه عن صوت زوجه، ووجهي ابنتيه ويمضي.

جنود وأشباه جنود، جنود يحطّون أحمالهم وأوزارهم في تقاطعات الشوارع وعند المنعطفات، حواجز تتبعها حواجز، براميل وحاويات، تلال من مخلفات الأبنية والنفايات تقطَّع جسد المدينة إلى أشلاء وأوصال. أبنية الفتنة والفساد تتلمس الأمن بأسوار متراصة من العسكر والحديد والأسمنت.

أف، ما هذا القرف؟ شيء يسد النّفْسَ فعلاً. يتحسس عبدالمعين صدره المائل نحو العتمة والضيق، يتمتم:

فاسد، هواء الشارع اليوم فاسد، غبار وبارود. ينكمش، يتباطأ خطوه، يكاد ينعطف عائداً. ولكن لا. يتلمس خطوات حذرة عند جدران الأبنية، ويستمر.

رصاص، رصاص! رصاص عابث غادر! رصاص أحمق، يعكِّر وجه الصباح، ومزاج العصافير.. لا يمام اليوم يرفرف فوق الأرصفة، ولا فراشات تحمل البشرى إلى النوافذ والشرفات، رصاص نحاسي يولول في الأسماع، يخلّف ندوباً في الأذهان والأرواح.

أحلام الجنرال

رصاص، رصاص. رصاص يفحُّ في فراغ مديد، رصاص لا يسمَعُ دويَّه غيرُ جَلْجَلَة صداه. لا ردودَ أفعال، ولا نأمةً تصدر عن كائن ما. وحده الجنرال الذي يطلق، يستنشق الهواء الملوَّث بروائح البارود، والجثث، وغبار الخرائب.

يمدُّ الجنرال أذنيه وعينيه في الجهات، لا شيء غير الصمت. سكون مطلق، يطبق على الأرض، وفي الفضاء.

ينفث الجنرال آخر موجات غضبه. تتفتح بوجهه علامات القوة والنصر. تنفرج شفتاه الجافتان علامة الارتياح والرضا، ومن خلف زجاج عينيه الأغبش تعبر آلاف الجثث والأشلاء.

نشوة غامرة تسري في كيانه وأوصاله، تعبِّر عن نفسها بقفزات عشوائية، تكسر زجاج الفراغ من حوله. الحذاء الأسود المتمكن من قدميه، والمشدود جيداً إلى ساقيه، يعاود صفع وجه الأرض بضربات تتالى. تحتدم نفسه بالنشوة. قهقهاته تخترق المدى. تدوِّم في فضاء السكون.. تزيد من سطوته على الفراغ، فيجلس منصتاً لرهبته. يتحسس دبيب الراحة في جسده.. تسرق الغفوةُ منه لحظات فرحه ونشوه. تأتيه بأحلامها، بكوابيسها. تئنُّ الأرض من تحته. يتفتح أديمها. تستيقظ الجثث مثقلة بأحزان الدم. تنهض.. تسأل عمَّن كدَّر صفوها، ومثلها تفعل الأشلاء.. بهدوء تام تتقدم من السيِّد المنتصر. تهفو أذنا الجنرال إلى خشخشة أقدام وصدى أنفاس. رؤوس ورقاب، أقدام وسيقان، أكف وسواعد، عيون وآذان ولسن، حتى الأعضاء التي لا ترى في العادة تظهر أمامه عريانة. كلها عيون تمعن النظر إلى الجنرال..

من خشية يرتعد الجنرال. ترتعش روحه، يميل نحو سلاحه. يحاول التصويب. وفجأة يتوقف، يهفو إلى صوت مجهول يأتيه من جهة ما، صوت تتلوه ضحكة، تليها ضحكات وقهقهات:

«كأنما السيِّد يجهل أن الميت لا يموت غير مرة واحدة».

ترتدُّ يد الجنرال، كأنما تشلُّ.. تستمر القهقهات في أذنيه والمكان..!

تنكفئ الجثث والأشلاء، تتشكل في جدار يعلو ويرتفع، يسد الأفق أمام عيني الجنرال. بعض الجثث تنزع ما تبقى عليها من ثياب. ثياب معفرة بالدم والتراب. تقذفها إلى وجه الجنرال الذي كان. تتراكم الأسمال على رأسه، وكامل هيكله. تبتعد الجثث، تختفي، وكأنما تتماهى بضياء فجري يأخذ في النهوض والارتفاع.

أحلام الشهيد

زخات من رصاص كثيف تتالى.. تخترق بحدة وزخم شديدين طبقات الهواء. تصدر صراخاً غريباً، هو إلى العواء أقرب. ما إن تنتهي الزخة الواحدة حتى تتلوها أخريات أشدَّ قسوة على السمع، وتأثيراً في الروح. تمتد رؤوس البشر من النوافذ والشرفات. أصحاب المحلات التجارية يخرجون إلى الشارع، يقفون أمام محلاتهم، أنوفهم تغوص في عمق الأمكنة، تستطلع أخباراً يقينية. أناس من هنا هناك، يهرولون إلى حيث يقدّرون مصدر الصوت. فضول غريزي يدفع الجميع لمعرفة أسباب إطلاق الرصاص ومكانه. وحين يبرز لهم النعش من إحدى الزوايا مرفوعاً على الأكف والأكتاف، تطرق الأعين الزائغة، وتتابع الأقدام سيرها الهادئ خلف الجنازة. بعضهم يسرع نحو حَمَلة النعش طالباً الأجر والثواب، ومعظمهم ينضمون إلى جمهور المشيعين. عيونهم على مطلقي الرصاص أكثر منها إلى النعش. فالخوف من طائشة زائغة، أو مرتدَّة عمياء، يفرض عليهم الحيطة والحذر. واحد من حاملي النعش الأماميين يحاول، وصوت الرصاص لا يزال يلعلع، أن يهمس لزميله الذي يجانبه بأمر ما. يتباطأ الاثنان في سيرهما. ثقل شديد يضغط على كتفيهما. لم يعد بإمكانهما الاحتمال أو متابعة المسير. ينظران إلى بعضهما والناس. سر غامض لا يجرؤ أحد على البوح به. حدث ما خفي. النعش الذي يأخذ في الضغط والاهتزاز يكشف المخبوء. ترتعش، من هول ما ترى، القلوب، وترتجف الأجساد، ثم تجمد في أمكنتها. أصوات تأخذ في الهمس أولاً، ثم تعلو وترتفع:

الله أكبر، لطفك، يا لطيف، يسكن الرصاص، ينهض الجثمان من نعشه. يخيم صمت تام على المكان والناس والجند. يلتفت الشهيد إلى الجنود الذين توقفوا عن الإطلاق، وقد تسمروا في ارتعاش وذهول! يقول بحزن هادئ:

رصاصكم يقتلني!


كاتب من سوريا