في المنتصف

الجديد  ممدوح عبدالستار [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(184)]

تفصيل من تخطيط: كاظم حيدر
ظلّ يرتشف قطرات حياته، التي تكونتْ علي جسده المنكمش، الذي لبّى رغبته المُلحّة في التذّكُر. كان تذوقه ممزوجاً بلحظة ماضية، مغموسة في قلب الحاضر الذي يحتضر. وفي وسط الطريق، جلس القرفصاء، ووضع رأسه الثقيلة على -ماضٍ خفيف كما كان يقول قديماً- ركبتيه. كان ينظر للأرض الموحلة، ثم أجهش بالبكاء الممزوج بسر غامض. كان يبكى كأنه يضحك، ثم يضحك كأنه يبكي. بعدها؛ أطلق آهة موجعة. كانت الآهة بلا دعوة أو نداء أو تواصل. آهة مفردة، وبلا صوت. آهة من الألم الصافي.

في اللحظة التّي ثقلت فيها رأسه المركونة علي ركبتيه؛ أدرك أنه لا يملك ما يملكه البشر، وأن طريقه دائري، وأن ليس للوقوف معنى التوقف، وليس للمسير معنى السير. فقط؛ هو في دائرة الحركة -حركته هو- وليس له بدء، وليس له انتهاء. الاتجاه الوحيد الذي يودّ أن يملكه: هو رغبته في أن يري حركته مع حركة الناس. هو مع الناس، وليس منهم. وحيد بنفسه، وهم بغيّره ناقصون. ذلك هو مفهومه الذي تعلمه منذ اللحظة الأولي الذي أدرك فيها انتصاره؛ حين أيّده الجسد اللعين للمثول أمام أفكاره التي تسكنه.

كان جسده جسد الفكرة، ليس إلا. الاختيار والجبر مفهومان ناقصان، أيدته تجربته القصيرة. كان قديما يقول: (الموت في الحياة، والحياة في الموت. والموت والحياة دون الجسد نقص، وسوء نيّة) كان جسده يعتنق ذلك الفهم الذي وطّن نفسه عليه، وأخرج له الجسد مفهوماً خاصا له عن معنى القسوة، والعذاب، واللهفة، والفراق. وكان يعلن: (من يريد الاتصال عليه بقوة الأفكار. ومن يريد الانفصال عليه بقوة الجسد، والامتثال له) وحين همّ بالقيام؛ أدرك أن لا شيء ثابتا في حياته. غير أنه متيقّن أن حيّز وجوده هذا الجسد الملقى في الفراغ. لا قمر لديه، لا مدّ، ولا جزر. هو وحده الموجود بلا وجود فعلي. كان ذلك الإحساس يدور حوله، وهو سكران بنشوة لا يعرف مصدرها.

التف الخفراء حوله، وتمنوا أن يكونوا مثله، لكن الزمن لا يرجع بالنسبة إليهم، ثم سدوا عليه كل الطرق، ما عدا طريق المقابر. هذا هو الطريق المفتوح لكل البشر دائماً وأبداً. لكن الحقيقة أنهم لم يفكروا، ولم يدركوا ذلك فقط، حاولوا بتجمعهم طرد مخاوفهم التي عصفت بهم. هل كان كل مخاوفهم، وهل صنع تلك المخاوف لهم بإرادة منه؟ لا أحد يعرف! المهم أنهم صنعوا عدواً، وعليهم أن يبعدوا هذا العدو. لم يفكر الخفراء -مثل كل الناس- من الذي يصنع العدو، أو تلك المخاوف التي تجعلهم في تلك القسوة والعناد، علي الرغم أنه لم يقاومهم أبداً. المهم أن غالبية الخفراء الذين عاصروا مجده؛ كانوا يحاولون التقرب منه -قديماً– ولو بإلقاء التحية، وزاد غضبهم لما أدركوا ضآلتهم أمامه، وبإشارة من كبير الخفراء؛ خبط واحد منهم رأسه بكعب البندقية. استفاق مرغماً، ونظر لتلك العيون التي تبرق في الظلمة، واستجمع ملامحهم التي كانت غائبة عنه، وأدرك أنه لا يستطيع المقاومة الآن، ولم يجد أمامه غير طريق المقابر الذي هرول فيه مضطراً.

نهبت قدمه المتصارعة نصف الطريق الترابي بلا رحمة، ولم يشاهد معالم الطريق. كان صوت قلبه يخمش السكون. توقف، ونظر للخلف؛ فلم ير شيئاً غير الظلام. كان يودّ أن يرى البيوت الطينية ليعود إليها، لكنه قرر أن يقطع باقي الطريق.

خطواته الثقيلة مثل ورطته الآن، لا يأنس بشيء غير ضفادع الحقول، وصرير الحشرات الليلية. نظر للسماء؛ فوجد نجمات قليلة، وبعيدة جداً. تنهد، وقال لنفسه: (أكلتك الظلمة!) امتعض قليلاً من الفكرة، لكنه ابتسم مرغماً، وقال بصوت جهوري: (النور بداخلي)، وخبط رأسه التي يعرف مكانها بالتعود؛ فاهتزت محاجر عينيه، التي تبحث عن ضوء شحيح، وعاتب نفسه، وتساءل: (هل يوجد نور بداخلنا فعلاً، وهل نور الداخل يُنير لنا الخارج؟)، وزلف لسانه: (لا أعرف! نحن ننطق كلمات واسعة المعاني، والخيال).

توقف فجأة، حينما انغرست قدمه في بركة طين لزجة. بصعوبة، أخرج قدمه اليمنى، وأخذ ينظّفها، وأدرك أنه فقد حذاءه، فخلع الفردة الأخرى، وألقاها في بركة الطين، وسمع صوتاً: (أقدامنا مغروسة دائماً في الطين، وحينما ننزعها، تنغرس في الطين مرة أخرى) قال: (الطين للطين يا غبي).

كان لا يستطيع أن يري جسده في الظلمة الحالكة، فلا شيء يُثبت وجوده غير صوته، وغالباً ما كان ينسى الجسد والظلمة، ويتقمّص أكثر من شخص. كانت الأفكار والحوارات هي التي تنهض بالجسد المتهالك، وتقطع وحشة الظلام، وسار خطوات كثيرة، حتى ظن أن الطريق الذي يسلكه ليس هو طريق المقابر.

جلس خاوياً من كل شيء، لم يشعر بفقد، أو بحنين لأيّ شيء، حتى أحبابه الذين لم يعرفهم إلا من صورهم. وهل كان له أحبة في يوم ما؟ لا أحد يعرف ما يدور في نفسه الآن. فقط، هو في منتصف الطريق، بين العمار الذي يلفظه، وبين المقابر التي يود الوصول إليها.


كاتب من مصر

مقالات أخرى للكاتب:

  • حوافز‭ ‬التواجد