ثلاث قصص

الجديد  مزن مرشد [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(187)]

لوحة: فاتح المدرس
الوســادة

قصصت ضفيرتيّ الطويلتين.

تناثرت قصاصات الشعر في كل مكان من الغرفة، انحنيت ألملمها، وأودعها كيس وسادته.

قررت أن أصنع له وسادة من شعري الذي لا يزال عابقاً برائحة صدره، شعري الذي فقد معناه، منذ أن غاب حبيبه.

خبأت الشعر جيداً في كيس الوسادة الأبيض، عطرته برائحتي التي يفضلها، رفوتها بخيوط حمراء وأودعتها الخزانة.

أصبح سريري بوسادة واحدة بعد أن كان بوسادتين ورجل يحمل داخله حب الدنيا ويعشق شعري الذي تعود أن ينثره فوق صدره، ليداعبه ويحضنه ويقبله ويغمر رأسه فيه ليبكي طويلا إذا أراد البكاء كان يقول إنه مثل صدر الأم – ملجأه حين يضعف- وفي مساءاتنا الصيفية يجعلني أفرده ليغطي ظهري ونمشي معاً متباهياً بألقه.

انتهيت من تحضير الوسادة وقررت أن أعطيها له عندما يسمحون بزيارته.

انتظرت طويلا ولم تأت تلك الزيارة المنتظرة عقابا له على ما اقترفه فهو أخطر من السارقين والقاتلين ومصاصي الدماء.

أخيرا، سمحت الزيارة وحدد الموعد، غدا سأراه، غدا سنتحدث طويلا سأقول له إنني لن أطبخ ورق العنب إلا عند عودته، وسأخبره أن الوردة الجورية التي زرعها قد أزهرت والقطة البيضاء أنجبت خمسة صغار وأن ابن الجيران الذي ساعده باللغة العربية لم يذهب للامتحان.

سأقول له إن الإجازة التي طلبها من عمله كي نزور والدته قد وافق مديره عليها ثالث يوم من غيابه لكنني لن أخبره أن والدته عندما أخبروها باعتقاله، صمتت إلى الأبد.

سأقول له إنني أفتقده، أفتقد الأماكن معه، أفتقد رائحته وبرد الشتاء بجانبه، سأخبره كم اشتقت إليه وأن السماء تمطر كل يوم دون أن أشعر بطعم المطر ولم أشتم رائحته.

في الصباح ذهبت مع اخوته لرؤيته، كل واحد كان يحمل معه بعض الأغراض إلا أنا فلم أحمل له إلا الوسادة البيضاء المطرزة بوردة جورية حمراء وحيدة.

التقيته.. أستطيع الآن النظر في عينيه.. أستطيع الآن الحديث معه.. سماع صوته.. أستطيع الوصول إلى وجنتيه وشعره أستطيع أن أضمه، أن أنشج باكية حتى أموت بين ذراعيه وارتاح من الانتظار.. لكنني لم أفعل توقفت فجأة عن التفكير بأيّ بشيء نظرت إليه لوهلة لم أعرفه.. من هذا الغريب النحيف الذي أتوا به وقالوا لنا هذا هو.. عانقه إخوته أشبعوه قبلا وحضنا.

أنا لازلت واجمة أنظر إليه، أنظر لعينيه المكسورتين أحسسته غريبا، إلى أن نظر إلى عيني مباشرة، توقف قلبي، تجمدت عيناي لم أفعل شيئا مما هيأت.. فقط حضنته لبرهة، قبلت خده الذي أصبح هزيلا أعطيته الوسادة وذهبت، شعرت أن لا مكان للكلام.

علمت فيما بعد أن وسادتي صنعت حالة فرح، فقد كانت تدور على جميع رفاقه ليلة بعد ليلة ويخصصونها للقادم الجديد ليستطيع النوم فقد كان لها فعل السحر في استبعاد القلق.

وبقيت الوسادة ذات الوردة الحمراء حديث الخارجين ولم أستطع إلى الآن أن أفهم سر تعلقهم بهذه الوسادة أهي المرأة الغائبة أم عطر المطر المفقود.

قالوا لي: إن وسادتي أزهرت شجرة ورد أحمر.

دمشـق- 22 /4/2002

ســجن

ضاق صدرها بضيق المكان، وأزعجها الصوت الرتيب، تعبت من العتمة القاتلة وتمنت بصيصا “صغيرا” من نور.

تململت في كل الاتجاهات لكنها لم تستطع تحريك ساقيها لأكثر من سنتيمترات، فقد كانت تصطدم بالجدران، دون أن تعلم ماهيتها بالضبط، كانت تحيط بها في كل مكان ذات ملمس ناعم ولينة، استطاعت ثنيها إلا أنها لم تستطع تمزيقها، حاولت مرارا الضغط بشدة علها تمزقها وتنتهي من هذه الحالة الرهيبة من السجن المميت، عبثا، فقد كانت أضعف من قوة الجدران.

أحست أنها ستنفجر.

ضيق شديد اعتصرها، وروحها الحرة أبت الخضوع.

ازدادت تململا وتحركاً وفي كل مرة تتخبط بالحواجز ذاتها.

أرادت أن تعلم متى ينتهي هذا السجن القاتل دون جدوى فلم تجد أحدا لتسأله أو ليجيب.

كان الصمت شديدا والظلمة أشد والرهبة تسكن قلبها وتشل أوصالها، وفجأة سمعت شيئا ما، دقات رتيبة لم تفهمها ولم تستطع معرفة مصدرها.

رفعت يديها قدر ما استطاعت، فركت عينيها، فتحتهما ما زال الظلام حالكا، لم تر شيئا.

صارت تسمع أصواتا بعيدة كأنها آتية من قاع بئر، أصوات غير مفهومة مجرد أصوات لا معنى لها.

ازداد ضيق المكان وازدادت رغبة بالانطلاق، كلما ضاق المكان كلما ألحّت الحاجة للحرية.

ازداد تململها أكثر فأكثر، حاولت مد يديها ساقيها لكن المكان أضيق من محاولاتها، كلما تحركت اصطدمت بالجدران الطرية التي أصبحت كابوس حياتها.

استسلمت لهذا القدر.

قررت أن تراهن على لعبة الوقت، وأن تتسلى بالأحلام، إلا أنها لم تستطع نسج حلم واحد فمن أين سيأتي الحلم في هذا السواد.

قررت أن تتسلى بالتذكر بعد فشل الأحلام، لتفرح بالذكريات، لكنها اكتشفت أنها لا تملك ذكريات جميلة، كل ذكرياتها تعود لشهور فقط، وتختصر في جدران تعتصرها وعتمة تخنقها.

تراجعت عن هاتين اللعبتين وقررت أن تفكر بالمستقبل وترسم له خططا تسعدها، استجمعت أفكارها وأرهقت نفسها بالتفكير، حاولت قدر المستطاع أن تحد من حركاتها حتى لا تصطدم بالجدران اللينة من جديد فتسيطر على تفكيرها وتخنقها مرة أخرى، وعادت تحاول أن تنظر للمستقبل بتفاؤل فرحٍ.

خيم العتم على مخيلتها، فهي لا تدري ما هو المستقبل، ولا تعلم أيّ مستقبل سيكون.

تساءلت: هل هناك حياة خارج هذا السجن؟

لم تجد إجابة، لم تجد أحلاما، لم تجد ذكريات، ولم تعرف معنى كلمة مستقبل أو حياة.

بعد عدة أيام، فجأة جاءت لحظة الخلاص، انعصرت عليها كل الجدران دفعة واحدة وقذفت بها خارجا.

مَن كنَّ ينتظرنها.. نظرن اليها تهامسن خشية أن تسمع والدتها “إنها طفلة ميته، حبلها السري خنقها”.

أرادت أن تقول لهم “ليس حبلي السري، إنه مشنقتي”.

لكنها لم تستطع الكلام.

12/8/2004

الجحر

-1-

متقوقعا على ذاته.

دفن رأسه بين ركبتيه وانحنى على نفسه أكثر فأكثر.

من النافذة الوحيدة التي في الباب أطلوا عليه، رأوا وحدته، رأوا عذاباته، رأوا الرائحة تنبع من الجدران، لكنهم لم يشعروا بشيء.

لم يعنهم الشعور، لعل الكلمة كانت جديدة تماما عليهم، حقيقة جديتها ليست باللفظ أبدا بل بوجودها في دواخلهم.

نهض مسرعا، استهوته رائحة العشب الندي، رائحة الأرض المبللة اخترقته كالنهر.

ركض، تدحرج على العشب، عاد صغيرا.

أمسك يد أمه تمرغ بفستانها الأزرق- طالما عشق لونه-اشتم رائحتها من جديد، حملته بين ذراعيها رفعته عاليا في الهواء، من فوق، رأى عينيها الباسمتين وثغرها الضاحك، أسنانها البيضاء، من فوق لمح قطة بيضاء أراد أن تنزله والدته سريعا ليلحق بها.

-2-

في الزاوية المعتمة، أكثر الزوايا إضاءة، أراد أن يكون مكانه، مدركا أنه ربما لا يكون قد اختار هذه الزاوية بالذات أصلا، لكنه أقنع نفسه بأنه صاحب القرار، فللمكان طاقته أيضا، لأول مرة يدرك أن للرائحة لونا ووجها.

افترش الرمل في ورشة البناء ونام، استبدلت رائحة العشب في منخريه، عبق المكان برائحة البيتون والرمل، خشنت يداه، ثخنت أصابعه، ازداد ألم ظهره، استقام من رقدته، حمل تنكة مليئة بالبيتون المجبول الطري، رائحته تهيمن على كل شيء حوله، حملها وصعد بها الطوابق الثلاثة.

-3-

شعر بعينه الوارمة تخرج من وجهه، أمرها بالعودة إلى محجرها، منعتها ركبته من الخروج فقد ضغط عليها من جديد، كان خائفا أن تهجره هي الأخرى.

عفراء هجرته للمرة الثالثة، وللمرة الثالثة لم يفهم لماذا تهجره ولماذا تعود ولماذا يبقى على حبها، الثالثة ثابتة قالها في سره واستراح، لن يحزن، فكّر، على الأقل سيكون لديه الوقت لينشغل بإتمام مشروع، على الأقل سيكون لديه الوقت كل الوقت نعم الوقت، الوقت، الوقت، ماذا يفعل العاقل بالوقت.

رائحة الموت تنبعث من الجدران، أوراق الصحف تفترش الأرض، ممزقة، تتمازج الرائحة بين الورق والغائط والنشادر المكثف، جرائد بلا كلمات، لا أثر للكلمات عليها، يلوح في رأس إحدى الصفحات لون باهت، قد يكون كان أحمر يوما ما.

من النافذة الوحيدة أطلت عينان سوداوان، سوط انطلق منهما باتجاه جسده.

-4-

برد جميل، يلبس معطفه، المعطف الأجنبي الذي أهداه له بديع قال له “هاد بيقبر البرد”.

فعلا القبر شيء رائع، دافئ، أمين، رحيم، فيه كل شروط الراحة اللامشروطة.

تقلب في تكوره، برد لسعه مثل حرق طازج.

عاد لسباته الليلي.

أراد أن يصرخ، أن يتدحرج على العشب الندي، أن يشتم رائحة أمه، أن يرفع تنكة البيتون، أن يلبس المعطف الأجنبي، أراد أن تعود عفراء أو سواها، أيّ امرأة في هذا الصقيع فلا معنى للوقت هنا، لكن أكثر شيء رغبه على الإطلاق كان القبر.

القبر الذي أصبح هنا حلما.

سائل دافئ انساب بين قدميه، تنفس الصعداء، تململ قليلا، أدرك أنه حي.

الجدران البنية أصبحت تنبض، نبضها يضغط على رأسه، ضغط رائحة تؤكل غزا أنفه، فأران اثنان يشاركانه جحرا.

ابتسم، لأول مرة يشعر بالسرور، الفئران تشعر، لن يكون وحيدا.

2/1/2008


كاتبة من سوريا