أحلام هرقل

الجديد  مصطفى لغتيري [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(189)]

لوحة: إبراهيم الصلحي
على بعد خطوات من مغارة هرقل كانت أدخنة خرافية تتصاعد نحو السماء، وأحلام تتبرعم في غفلة من الزمن المتوجس خيفة من ذاته. بخطوات حالمة تقدمت امرأة في طريقها، ترتق فتقا شاسعا، يضارع فم تنين أتعبه سغب السنين العجفاء المتوالية. تمشي الهويني وكأنها تخشى أن تخدش وقار الصباح المتثائب في خيلاء.
متأبطة شوقا لا يزيده قربها من موعود اللقاء سوى اشتعالا. نظرت في كل الاتجاهات، قبل أن تعلن في سرّها أنها هنا لتنضو عن نفسها ثوبها البالي، وترتدي ثوبا يليق بها مصدقة أطياف أحلام رأتها لليال عدة في نومها، حتى أضحت حقيقة لا تملك منها فكاكا. حين خطت خطوتها الأولى داخل المغارة، ارتبك الضوء في بؤبؤي عينيها كطائر فاجأته شباك صياد محترف، أحست وكأنها انتقلت من وضع إلى وضع أو سافرت عبر الزمن والجة بوابة سحرية، لتجد نفسها قد عبرت أحقابا بلا حصر.

فإلى وقت قريب كانت تشعر بنفسها ترتع في حضن هذا الزمان، غير أنها الآن لا تكاد تشعر بشيء، وكأنها فقدت صلتها بالعالم من حولها، بدت لها المغارة ضربا من السحر، يخترق الذات بغتة فيحولها إلى ذات مختلفة، معلّقة في الفراغ، وليس في الأفق ما يمكنها التمسك به، كي يسعفها على التماسك أو التراجع والعودة من حيث أتت. دقات قلبها تكاثفت. في لحظة شعرت بكل فصول حياتها تنهال دفعة واحدة على الذاكرة، وكأنها سيل نهر جارف.. في عينيها تمدد شرود زئبقي. على ثغرها استلقت ابتسامة غير واثقة من نفسها. فكرت أن تنكص على عقبيها، لتيمّم وجهه قبل مستقرها البعيد. لم تملك القدرة على فعل ذلك. شعرت أن طيف هرقل يحاصرها، وكأنه بعث في تلك اللحظة تحديدا ويراقبها من بعيد، مغويا إياه بالسير قدما نحو عمق المغارة/عمقه.

في الزمن القديم الذي لا يذكره سوى قلة ممن تناقلوه سرا عن أجداد الأجداد، عشقت امرأة المكان، ولم تبرحه أبدا، حتى ارتبط ذكره بذكرها، يتداوله الناس كتميمة سرية، بيد أن لا أحد يستطيع الحديث عنها جهرا، فظلت أسطورتها مكتوبة فقط على صفحة الماء المتمدد إلى ما لا نهاية.

ماذا يحدث لي؟ قالت المرأة في نفسها، ومضت في طريقها مسرنمة، لا تملك من أمرها شيئا. نزلت عبر السلم الحجري المتدرج، رائحة العتاقة والعطونة زكمت أنفها، شعرت وكأنها تشتم رائحة أسطورية، لا وجود لها إلى في ذاكرتها، استمرّت في طريقها، وهي تتوجس خيفة من عيون هرقل المترصدة، كانت تشعر بنسيم خفيف يتسرب من نواحي متعددة، لكنها لا تكاد تحدد مصدره، غير أنه رافقها ككلب لطيف لا ينفك يتمسح برجليها.

بقوة حانية استحضرت لحظتها لمسة أبيها الحانية. كلما رافقها كان يمسكها من قفاها ويمضيان في مسارات بلا نهاية، كانت ترتبك من جاذبية تلك القبضة الآسرة، فكان يعجبها أن تتقمص شخصية قطيطية تنظر إلى العالم بدهشة متجددة وهي بين فكي أمها، التي تحملها من فروة قفاها وتنقلها بعيدا عن أعين الفضول.

تخطيط: فيصل لعيبي

هرقل يتلذذ بارتباكها، وهي تعدّ درجات السلم.. كان يبتسم في لطف الجبابرة، فيما ينفث من أنفه بخارا شكلته برودة المكان ورطوبته، جالسا كان على صخرة مستوية، مرفقه على ركبته فيما يستريح ذقنه على راحته الضخمة، وهو يمسك باليد الثانية سيفا عملاقا يغرس ذؤابته في وحل الطين، الذي لا يجفّ أبدا.

حين أعشت الظلمة عيني المرأة، امتدت يداها لا إراديا إلى الأمام كي تتفادى الاصطدام بأيّ صخرة متمردة، في طريقها مضت تلوك في أعماق أعماقها بعض العبارات الغامضة، وكأنها تعاويذ تمررها ساحرة إفريقية على لسانها، تبتهل لآلهة غامضين كي تشق طريقها نحو النهاية المفترضة دون تعقيدات مربكة.

حين أقامت الساحرة في المغارة خلال الزمن القديم، كانت النسوة يتوجهن إليها خلسة لتيسر لهن أشياء كثيرة، متعلقة أساسا بعلاقاتهن المعقدة ببعولتهن، لكنهن كن يموهن بذلك بكونهن يقصدنها لاستدرار السماء مطرا غزيرا، يحيي الأرض الميتة ويغسل قلوب البشر من ضغائنهن.

أمام الارتباك الذي أظهرته وهي داخل المغارة، لم يكن بد من أن يتزعزع هرقل من مكانه، مدفوعا بنوايا لا يمكن وصفها بأنها خبيثة. فقط كان في نيته أن يمازحها. تململت أرضية المغارة فاكتسح المرأة رعب لا قبل لها بتحمله. مرتبكة بالهلع اقتعدت الأرض، وقد جحظت عيناها التي لا تكادان تريان مما حولهما شيئا. فابتسم هرقل منتشيا، وقد أسعدته مزحته الثقيلة.

توقفت الأرض فجأة كما اهتزت. بحدس غريزي واصلت المرأة طريقها، في أعماقها تشعر أنها تدنو حثيثا من تحقيق الوعد الذي لم يعدها به أحد سوى حلم متواتر، أصرّت أن تؤوله حسب هواها. تجاوزت أرضا علق بها قليل من الوحل، أحست بلزوجته وهي تعبره، قاومت دمعة منفلتة. استجمعت بعض أنفاسها المنفلتة ومضت. في أعماقها أحست بإصرار لا يلين يقودها نحو المجهول.

بعد أن قضت الساحرة ردحا من الزمن داخل المغارة، وقضت للنسوة مآرب شتى اختفت فجأة وكأنها تبخرت في الهواء. هناك من يدعي أنها امتزجت بروح المغارة، وأن هرقل اتخذها لنفسه عشيقة، تسرّي عنه في اللحظات الحرجة، وتتنبأ له بمصير البشرية الغامض.

هاجس ما أسرّ لها بأن تتخلص من الحذاء الذي تنتعله قدماه، لا تدري كيف شعرت بأنها ملزمة بذلك، وكأن في الأمر قداسة ما. لم تتردد كثيرا. بسرعة تخلّصت من فردتي الحذاء. لم تحتفظ بهما في يدها بل تخلّصت منها بشكل آني. رمتهما بعيدا واستأنفت سيرها.. بعد أن شعرت بأن احتفاظها بهما يدنّس لحظتها المقدسة.

أثبتت قدميها على الأرض، استمرت في طريقها. بعض الضوء انزلق نحو عينيها.. تملّكها بعض من أمل في الخلاص. استمرت في مشيتها. كوة الضوء تتسع، تتضح الرؤيا تدريجيا، تعتلي المرأة صخرة، تتجاوز منحدرا، ترتقي إلى أعلى، ثم تمضي في نفق طويل، تنعرج، تطل، فإذا بها تعانق زرقة البحر بامتدادها اللانهائي، فترى هرقلا قد أعد لها سريرا خرافيا على صفحة الامتداد الأزرق اللامتناهي، فتغيب عن الوعي بشكل كلي، ولا يعثر لها أحد بعد ذلك على أثر.

كاتب من المغرب

مقالات أخرى للكاتب:

  • الجسر
  • الفرح الجديد