قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(160)]

وقف الأب، في مناسبة اجتماعية جرت مؤخرا، فألقى قصيدة عن الحب والغزل‭.‬ تجاوب الأصدقاء من الحضور بشكل ملحوظ وعمّ التصفيق المكان‭.‬

وقف الابن، فأذّن في الناس أوّلا ثم ألقى خطبة دينية تصلح بالتأكيد لمنبر جامع ولكن ليس لعرس‭.‬ كانت مشاعر الحضور مختلطة بين التجاوب مع ما هو محسوب على الدين وما ألفوه من احتفال وبهجة يصاحبان مثل هذه المناسبات‭.‬

المشهد المتناقض بين قصيدة الغزل الجميلة للأب وخطبة الابن ربما يلخّص الأزمة الكبيرة التي نعيشها اليوم‭.‬ جيل من الآباء عاش عصرا جميلا كان للشعر فيه مكانته وروحه‭.‬ وجيل من الأبناء صار لا ينظر إلى الحياة إلى من خلال الموشور الديني المتزمت‭.‬

لعل ما يزيد تعقيد المشهد أنه حدث ويحدث في عاصمة غربية‭.‬ المشهد أكثر سوداوية في الكثير من عواصمنا العربية‭.‬

هذه إشكالية كبيرة‭.‬ كيف يمكن التوفيق بين جيلين يفترض نظريا أن الأول أقلّ تقدما ومعاصرة وينتمي إلى عصر المسلّمات المطلقة وما قبل تكنولوجيا المعلومات والإعلام الحر، والثاني أكثر حداثة افتراضا؟ جيل أول متسامح وأكثر انفتاحا ومرونة، وجيل لاحق منغلق وصارم ومنفصل عن الواقع؟ جيل الأحلام والرقيّ، وجيل الكوابيس؟

ما الذي يجعل الآباء أفضل من الأبناء؟

إنها ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الآخرة‭.‬ الحياة حق والآخرة حق‭.‬ ولكن لسبب ما قرر البعض تقديم حق الثانية على الأولى‭.‬

انسحبت ثقافة الحياة من حياتنا خلال العقود الثلاثة الأخيرة‭.‬ في السابق كان كثيرون يذهبون إلى المكتبات أو معارض الكتب لشراء ديوان شعر، لبدر شاكر السياب مثلا‭.‬ كان الشباب في ذلك الزمن يقرأون الشعر، شعرهم أو شعر الآخرين لبعضهم البعض‭.‬ شباب اليوم لا يشترون الكتب أصلا أو يقبلون بنهم على كتب الغيبيات والأدعية والإفتاء‭.‬ حلّت حلقات الدروس الدينية بدلا من حلقات الشعر‭.‬ حلّ الإفتاء في كل شيء بدلا من كتابة بيت شعر في كل شيء‭.‬

الشعر متنفس فكري‭.‬ هو أقرب شيء للموسيقى التي لا تحتاج إلى لغة لكي تنتقل من دون تحفظ بين الثقافات‭.‬ سيبقى فهمك محدودا عن ثقافة شعب طالما تعسّر عليك فهم قصائد شعرائه‭.‬ القدرة الوصفية لشعراء البلد هي التجسيد لمدى رقيّ الشعب في عصر ما‭.‬ إنه بارومتر صحّة المجتمعات‭.‬

ما كان بوسع القارئ العادي في الستينات والسبعينات أن يقدّر نقديا إنْ كان شعر نزار قباني مثلا شعرا رفيعا أم لا‭.‬ هذا لا يهمّه‭.‬ ولكنه بالتأكيد كان يحس عند قراءته بأنه يمثل روحا عصرية تتحدث عن تغيرات اجتماعية كبرى في المنطقة‭.‬

تربعت المرأة في قلب شعر نزار فانتقلت حمّى معرفة ما يجول في صدور النساء إلى الجميع‭.‬ ارتقى فهم الناس لأحاسيس المرأة لأن عربة نقل هذه الأحاسيس التي صنعها نزار كانت محمّلة بالتفاصيل والأوصاف‭.‬ انتبه المجتمع إلى كثرة هذه التفاصيل فغيرت أفكاره وتوجهاته وصار للمرأة حضور أكبر وأهمّ‭.‬ نزار، كما تقول نساء عصره، قال عنهن ما لم يقلن عن أنفسهن‭.‬

حركة الشعر كانت حركة المجتمع‭.‬ الانفتاح وتأسيس الطبقة الوسطى وازدهار الإنتاج الثقافي والتعليم كلها انعكست على لغة الشعر وذائقة الناس الشعرية‭.‬ حتى القصائد “الوطنية” كانت تتغزل بالأوطان، بنهضتها وإخفاقاتها وهزائمها‭.‬

لغة الحياة هذه لم تكن لتروق لأصحاب المشاريع الدينية‭.‬ أول من كُفّر كان الشعراء‭.‬ زحف الخطاب الديني ليستأصل الشعر من حياتنا ويستبدله بالوعظ والإفتاء، ثم بالترويع والقتل‭.‬ الحداثة في العالم العربي صار لها مفهوم آخر يمسك بناصية التقنية الحديثة ويتحدث بلسان قرون سابقة‭.‬ تويتر، الحاملة التكنولوجية التي تبدو وكأنها صنعت للشعر بقصر جملتها وتكثيفها، صارت منبرا لفتاوى الحلال والحرام وإلى التكفير وترويج الكراهية‭.‬

هل كان ثمة شاعر في الخمسينات قادرا على أن يكتب قصيدة حقد واحدة؟ أنظر اليوم كم هي كثيرة “تغريدات” الأحقاد!

أزاحت “الحداثة” السلفية والإخوانية والخمينية الشعر من مفردات الحياة‭.‬ الشعر فيه ما يفرح القلب وهذا على الضدّ من مشروع الحزن التاريخي الذي يروّج له الأفراد وتعتاش عليه الجماعات الإسلامية‭.‬

الغزل فُسوق‭.‬ الموسيقى كُفر بواح‭.‬ الغناء خطيئة‭.‬ الفن فعل شيطاني‭.‬ المرأة عورة‭.‬ على هذه المفردات يعيش الشعر ولهذا فهو العدو‭.‬

المسموح هو الإمعان في الغرائز‭.‬ طعام وتكاثر من خلف الحجب‭.‬

احتضرت ثقافة الحياة في عالمنا مع احتضار الحركة الشعرية وشيخوخة الشعراء‭.‬ ما تبقّى من شعراء صار يكتب عن “القضية” في إعلان عن هزيمة اجتماعية كبرى مهّدت لحمامات الدم الحالية‭.‬ ذوت زهرات نزار وصمت أنين السيّاب‭.‬

الحداثة في العالم شيء آخر يتربّع فيه الشعر في مكانة خاصة بين نبض حياتي أخلاقي وفكري واجتماعي وثقافي‭.‬ حداثتنا قتلت الشعر وتريد أن تقتلنا معه.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس: من 7 إلى 77
  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة