ذنوب‭ ‬قديمة

الجديد  وليد تليلي [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(90)]

لوحة: بسام ناصر
كتبتُ ولم أكتب

رمادًا‭ ‬كان‭ ‬الفحم

والمحبرةُ‭ ‬شقّقها‭ ‬الجفاف

لكنّني‭ ‬كتبتُ

كتبتُ‭ ‬لمن‭ ‬يجلسُ‭ ‬هناك

منسجمًا‭ ‬مع‭ ‬اللّحظة‭ ‬المناسبة‭ ‬لانقضاض‭ ‬النّوارس

واكتمال‭ ‬نموّ‭ ‬الذّكرى‭ ‬على‭ ‬فروة‭ ‬القلب،

بإصبعه‭ ‬يدير‭ ‬مفتاح‭ ‬الرّدهة‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬اليقظة‭ ‬والنّوم

وما‭ ‬ادّخراه‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬أحلام‭ ‬الملوك‭ ‬المتهوّرين

ونزوات‭ ‬المخذولين‭ ‬في‭ ‬الحبّ

وأهواء‭ ‬المقامرين‭...‬

كتبتُ‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬أسواقنا‭ ‬المكتظّة‭ ‬بالنّساء

عن‭ ‬حكاياتهنّ‭ ‬اليابسة‭ ‬في‭ ‬الأغاني

عن‭ ‬رائحة‭ ‬الصّندل‭ ‬في‭ ‬دموعهنّ

وعن‭ ‬دموعهنّ‭ ‬الكبريت‭ ‬كيف‭ ‬تحفر‭ ‬على‭ ‬خدودهنّ

وكيف‭ ‬تغلي‭ ‬الحليب‭ ‬في‭ ‬الأثداء

فيسيل‭ ‬عرقًا‭...‬

كتبتُ‭ ‬عن‭ ‬حليمة‭ ‬وهناء‭ ‬وجيهان‭ ‬وفاطمة‭ ‬والبقيّة‭..‬

ولم‭ ‬أكتب‭ ‬إسمَ‭ ‬حبيبتي‭..‬

كتبتُ‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬الغرباء

عن‭ ‬أسمائهم‭ ‬الفضّة‭ ‬حين‭ ‬ترنّ‭ ‬في‭ ‬دعاء‭ ‬الأمّهات‭ ‬البعيدات

فتحرجُ‭ ‬اللّه

وتُنهّدُ‭ ‬الجبلَ

دون‭ ‬أن‭ ‬يُسمعَ‭ ‬لصداها‭ ‬بكاءُ‭ ‬طفلٍ

أو‭ ‬تأوّه‭ ‬بنفسجةٍ‭...‬

كتبتُ‭ ‬عن‭ ‬غيابها‭ ‬في‭ ‬مواويل‭ ‬الرّيح‭ ‬على‭ ‬شبابيك‭ ‬الصّبايا

أوفي‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬صباحًا‭ ‬مبعثرةً‭ ‬على‭ ‬الأرصفة

ولو‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬الوفايّات‭....‬

كتبتُ‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يحظر‭ ‬الغريبُ‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬الغيابِ؟

كتبتُ‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬الإسفلتِ

فوق‭ ‬تصاوير‭ ‬الأطفال‭ ‬وآثار‭ ‬أقدامهم‭..‬

كانوا‭ ‬صغارًا‭ ‬مزهويّن‭ ‬بثياب‭ ‬العيد،

يركضون‭ ‬على‭ ‬الطّريق‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبالوا

أنّه‭ ‬المؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬اللّه‭..‬

كتبتُ‭: ‬أنا‭ ‬أيضًا‭ ‬مررتُ‭ ‬من‭ ‬هنا‭.‬

كتبتُ‭ ‬له‭.. ‬ولم‭ ‬أكتبْ

لم‭ ‬يكن‭ ‬لي‭ ‬طبشورٌ

ولا‭ ‬حبر

ولا‭ ‬فحم

لكن‭ ‬ما‭ ‬فائدتهم‭..‬وهو‭ ‬أعمى

ذلك‭ ‬الموت‭!‬

الحبيبات السّابقات

بهرام هاجو

الحبيباتُ‭ ‬السّابقات‭ ‬يعُدْنَ‭ ‬أوّلَ‭ ‬اللّيلِ‭ ‬عَادةً

ليقرأنَ‭ ‬قصائدَنا‭ ‬الحَزينة‭..‬

يأتينَ‭ ‬مع‭ ‬سَأم‭ ‬المسَاءات‭ ‬في‭ ‬القهْوة‭ ‬بلا‭ ‬سكّرٍ

مَع‭ ‬المُزاح‭ ‬الثّقيل‭ ‬لرفاقٍ‭ ‬لا‭ ‬نعرفهُم

مع‭ ‬المَطرِ‭ ‬في‭ ‬موّالٍ‭ ‬قديمٍ

مع‭ ‬أيّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬يأتينَ‭!‬

يأتين‭ ‬بالأعناق‭ ‬مدهونةً‭ ‬بالعطور‭ ‬التي‭ ‬اختلسْنا‭ ‬أثمانَها

بالألوان‭ ‬مُرتّبةً‭ ‬على‭ ‬أجْسادِهنّ‭ ‬كيْفما‭ ‬اتّفقنَا

بالابْتسَامات‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُدوّخنا‭..‬

أمّا‭ ‬الهَدايا،‭ ‬تلْك‭ ‬التي‭ ‬ذهبْنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نأخذها

يأتينَ‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬النّوْم‭ ‬المُتأخّرِ‭ ‬دائِمًا

ليفتحنَها‭ ‬في‭ ‬مَناماتنا‭!‬

الحبيباتُ‭ ‬السّابقات‭:‬

بناتُ‭ ‬المعْهدِ‭ ‬وبناتُ‭ ‬الجيران،

مَن‭ ‬قرَأن‭ ‬في‭ ‬العتْمة‭ ‬رسَائِلنا

وبقينَ‭ ‬سَاهِرات‭ ‬حتّى‭ ‬الفجْر

ليحرُسْن‭ ‬نومنا‭..‬

الحبيباتُ‭ ‬السّابقات‭:‬

بناتُ‭ ‬الجامِعات‭ ‬وبناتُ‭ ‬المقاهي،

أو‭ ‬أيديهنّ‭ ‬الممْدودة‭ ‬دُون‭ ‬خجلٍ‭ ‬تحت‭ ‬ثِيابنا

لترتُق‭ ‬سُمرَتنا‭ ‬بعدَ‭ ‬كلّ‭ ‬شتاءٍ

أو‭ ‬وهي‭ ‬تفكّ‭ -‬مثل‭ ‬خبيرة‭ ‬ألغامٍ‭- ‬حبالَ‭ ‬السُّرة

وكلّ‭ ‬تلك‭ ‬الأشْياء‭ ‬التي‭ ‬رَبطتها‭ ‬أمّهاتنا‭.‬

الحبيباتُ‭ ‬السّابقات‭:‬

الجالساتُ‭ ‬عن‭ ‬غيرِ‭ ‬درايةٍ‭ ‬بالمكانِ‭ ‬والوقت

يُمسّدن‭ ‬بالأغنيات‭ ‬زغبَ‭ ‬المواعيدِ‭ ‬القديمة

حتّى‭ ‬تبْقى‭ ‬أملاً‭..‬

الحبيباتُ‭ ‬السّابقات‭:‬

الواقفاتُ‭ ‬ظِلالاً،

دون‭ ‬إرْهاق‭ ‬الذّاكرة‭ ‬بالسّؤال‭:‬

في‭ ‬أيّ‭ ‬عناقٍ‭ ‬بقيت‭ ‬أجسادُهنّ؟

الحبيباتُ‭ ‬السّابقات‭:‬

السّعيداتُ‭ ‬من‭ ‬حُضنٍ‭ ‬إلى‭ ‬حُضنٍ

لا‭ ‬يُعييهنّ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬يَأتي‭ ‬مِنها

أو‭ ‬في‭ ‬أيّها‭ ‬يختبئُ‭ ‬الحبّ‭..‬

الحبيباتُ‭ ‬السّابقات‭ ‬ينسحبنَ‭ ‬آخرَ‭ ‬اللّيلِ‭ ‬دائِمًا

وفيما‭ ‬نحن‭ ‬نبتعدُ‭.. ‬دون‭ ‬التفاتةٍ

تسقطُ‭ ‬صامتةً،‭ ‬من‭ ‬مفكّرتنا‭:‬

وُجوههنّ‭ ‬الطّيّبة

أصواتهنّ‭ ‬حين‭ ‬البكاء‭ ‬والضّحك‭ ‬والغناء

تجاربُ‭ ‬القُبل‭ ‬والنّوم

أسماؤهنّ‭ ‬أيضًا‭..‬تسقطُ‭...‬

تسقطُ‭ ‬لتترُك‭ ‬مكانًا

للنّساءِ‭ ‬المنتظرات‭ ‬هُناك

على‭ ‬بَاب‭ ‬الصّبَاح‭..‬

النّساءُ‭ ‬اللاّئي‭ ‬سَيكُون‭ ‬لهُنّ‭ ‬مع‭ ‬الوَقت

قصائدُ‭ ‬حزينةٌ‭ ‬أيضًا

3) ‬في‭ ‬الطّريق‭ ‬إلى‭ ‬البيت

في‭ ‬الطّريق‭ ‬إلى‭ ‬البيت،

البنفسج‭ ‬يذبل‭ ‬على‭ ‬شرفات‭ ‬النّساء

والسّتائر‭ ‬لا‭ ‬تنزاح‭ ‬عن‭ ‬النّوافذ

لشاعرٍ‭ ‬يمشي‭ ‬بطيئًا

وفجرٍ‭ ‬يأتي‭ ‬دون‭ ‬أغنية

ودون‭ ‬قصيدة‭..‬

في‭ ‬الطّريق‭ ‬إلى‭ ‬البيت،‭ ‬

ينام‭ ‬المُتعبون‭ ‬من‭ ‬اللّيل‭ ‬دون‭ ‬أسماءٍ

ويبقى‭ ‬قلب‭ ‬الشّاعر‭ ‬مستيقضًا‭ ‬لقلقٍ‭ ‬ما،

ربّما‭ ‬هي‭ ‬لعنة‭ ‬القراءة،

ربّما‭ ‬نامت‭ ‬البنت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُحظّر‭ ‬فروض‭ ‬الجامعة

وتركت‭ ‬سائق‭ ‬التّاكسي‭ ‬في‭ ‬الحانة‭ ‬

يفكّر‭ ‬برائحة‭ ‬اللّيمون‭ ‬على‭ ‬نهديها

وبتفاصيلها‭ ‬التي‭ ‬تستفيق‭ ‬عند‭ ‬النّوم،

ربّما‭ ‬عاد‭ ‬الجنود‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬وأفزعوا‭ ‬السّنونو،

ربّما‭ ‬استيقظ‭ ‬الشّهيد‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬البلاد،

أو‭ ‬لعلّ‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭:‬

للخمر‭ ‬فعل‭ ‬المرأة‭ ‬تحت‭ ‬المطر

وللفجر‭ ‬مذاق‭ ‬السّؤال

وكذبة‭ ‬الحبّ،

ولا‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬هذا‭...‬

في‭ ‬الطّريق‭ ‬إلى‭ ‬البيت

يسقط‭ ‬اسمي‭ ‬عن‭ ‬كتفي‭ ‬

ولا‭ ‬تعود‭ ‬أغنية‭ ‬البنت‭ ‬إلى‭ ‬البحر

ولا‭ ‬أعود‭ ‬إليّ،

يتوه‭ ‬منّي‭ ‬الصّوت

تتوه‭ ‬المسافة

ولا‭ ‬شيء‭ ‬يبقى،‭ ‬لا‭ ‬شيء

سوى‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭..‬

4) ‬مشهد‭ ‬صباحيّ

سماءٌ‭ ‬لا‭ ‬تخفي‭ ‬شيئًا،

شارعٌ‭ ‬كربْطة‭ ‬عُنق‭ ‬علّقتها‭ ‬الحضارة‭ ‬برقبة‭ ‬ابن‭ ‬خلدون

هكذا‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬صباحًا،

مدينة‭ ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬مقاهيها‭ ‬وحيدةً

تنسج‭ ‬من‭ ‬قلقها‭ ‬مطرًا‭ ‬

في‭ ‬مخيّلة‭ ‬بوزيديّ‭ ‬يتدفّؤ‭ ‬على‭ ‬زيتونته‭ ‬الأخيرة،

وامرأةً‭ ‬في‭ ‬بال‭ ‬شاعرٍ‭ ‬يدخّن‭ ‬سيجارته‭ ‬الثّالثة‭ ‬على‭ ‬الرّيق،

وتتثاءب،‭ ‬غير‭ ‬عابئة‭ ‬بالبحر‭ ‬الذي‭ ‬أتى‭ ‬لزيارتها‭..‬

يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الشّارع،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬هرولة،‭ ‬لن‭ ‬يتعلّم‭ ‬المشي

ويبدو‭ ‬أنّها‭ ‬لن‭ ‬تمطر‭ ‬اليوم

وأنّ‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تطلّ‭ ‬من‭ ‬النّافذة‭ ‬و‭ ‬تعدّ‭ ‬الجنود،‭ ‬

قد‭ ‬نسيت‭ ‬موعدها،

و‭ ‬يبدو،‭ ‬خلافًا‭ ‬لما‭ ‬يظنّ‭ ‬أبو‭ ‬القاسم‭ ‬الشّابّي

أنّه‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬النّوم

وننتظر‭ ‬الحياة‭!‬

عندما نزلت إلى النّهر

بالأمس،‭ ‬عندما‭ ‬نزلتِ‭ ‬إلى‭ ‬النّهر

سقنا‭ ‬أغنامنا‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬التّلّة‭ ‬وجلسنا‭ ‬مثل‭ ‬كلاب‭ ‬صيدٍ‭ ‬مدرّبة

نتنصّت‭ ‬على‭ ‬تضوّع‭ ‬الماء‭ ‬وهو‭ ‬ينزل‭ ‬بين‭ ‬نهديك‭ ‬الصّغيرين

ونحرس‭ ‬أدباشك‭ ‬المرميّة‭ ‬على‭ ‬العشب‭ .‬

من‭ ‬الأشجار‭ ‬نزلت‭ ‬عصافير‭ ‬ورتقت‭ ‬فستانك‭ ‬الممزّق‭ ‬قليلا‭ ‬عند‭ ‬الكتف

وفي‭ ‬الماء‭ ‬لمعت‭ ‬سمكة‭ ‬حمراء‭ ‬بين‭ ‬يديك‭ ‬ثمّ‭ ‬اختفت،

وبينما‭ ‬كنت‭ ‬تبحثين‭ ‬عنها

نبحنا‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬نفسد‭ ‬الأمر

ونحن‭ ‬نحصي‭ ‬الحملان‭ ‬الضّعيفة‭ ‬التي‭ ‬نفقت‭ ‬من‭ ‬العطش‭ .‬


شاعر من تونس

مقالات أخرى للكاتب:

  • المِحْرَقَةُ