أرقُ‭ ‬المَثّال

الجديد  إبراهيم الحسين [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(94)]

تخطيط: حسين جمعان
لكي تختفي في اللوحة

لكي‭ ‬تذهب‭ ‬في‭ ‬اللوحة‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تتركها،‭ ‬قبلاً،‭ ‬تذهب‭ ‬فيك

لكي‭ ‬تمدّ‭ ‬اللوحة‭ ‬إليك‭ ‬يدها،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أنت‭ ‬عاريا

توهّجْ‭ ‬وانتظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬البخار‭ ‬من‭ ‬دمك،‭ ‬ثم‭ ‬قف‭ ‬على‭ ‬بابها،‭ ‬وإﻻ‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تفتح‭ ‬لك،‭ ‬ولن‭ ‬تكون‭ ‬ألوانها‭ ‬أبدا‭ ‬في‭ ‬استقبالك،‭ ‬ولن‭ ‬تخطو‭ ‬باتجاهك‭ ‬أو‭ ‬تسيل‭ ‬فيك

وإﻻ‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تدع‭ ‬الظلال‭ ‬تمشي‭ ‬فيك،‭ ‬لن‭ ‬تدع‭ ‬الضوء‭ ‬يشعّ‭ ‬بشدّة‭ ‬في‭ ‬كهوفك‭ ‬ومغاراتك

لكي‭ ‬تطلّ‭ ‬اللوحة‭ ‬لك‭ ‬بوجهها،‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تنادي‭ ‬اﻷحمر‭ ‬باسمه‭ ‬وكيف‭ ‬تنادي‭ ‬اﻷصفر‭ ‬باسمه‭ ‬اﻷخضر‭ ‬واﻷزرق‭ ‬واﻷبيض

لكي‭ ‬تختفي‭ ‬في‭ ‬اللوحة،‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬عينيك‭ ‬بين‭ ‬يديها،‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬روحك‭ ‬لها‭ ‬وتمضي،‭ ‬أن‭ ‬تدع‭ ‬لها‭ ‬أمر‭ ‬اختيار‭ ‬ثيابك،‭ ‬وأن‭ ‬تثق‭ ‬بها‭ ‬حين‭ ‬تقتلع‭ ‬فمك‭ ‬وتضع‭ ‬لك‭ ‬فماً‭ ‬غيره،‭ ‬فماً‭ ‬آخَرَ‭ ‬تراه‭ ‬هي‭ ‬مناسبا‭ ‬لك‭..‬

لكي‭ ‬تأكل‭ ‬من‭ ‬اللوحة‭ ‬وتتنزّه‭ ‬فيها،‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شجرة‭ ‬خضراء‭ ‬وفي‭ ‬عزّ‭ ‬موسمك‭.‬

ذهبَ القرطُ بنجمتِهِ بعيداً

ولستُ‭ ‬في‭ ‬برتقاليٍّ‭ ‬يفيض‭ ‬بسوائله‭ ‬ويعدّد‭ ‬صفاته

ولست‭ ‬أدحرج‭ ‬الفم‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬فلا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬كلماته‭..‬

لست‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬فيما‭ ‬يهيّجه‭ ‬فيطغَى،

لست‭ ‬في‭ ‬ناره‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬فخّاره‭ ‬ينسجه‭ ‬قميصاً‭ ‬ويسيل‭ ‬فيه‭..‬

ولم‭ ‬أكن‭ ‬في‭ ‬حباله‭ ‬يصرمها‭ ‬ضوؤه

فيُنضِج‭ ‬وجهاً‭ ‬على‭ ‬جمره‭ ‬ويسوّيه،

فما‭ ‬من‭ ‬عتبةٍ‭ ‬لهذي‭ ‬العين‭ ‬توقِف‭ ‬نظرتها‭ ‬عليها‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬متّكأ‭ ‬تستريح‭ ‬عليه‭ ‬اﻷصابع‭ ‬من‭ ‬انطوائها‭..‬

فقد‭ ‬ذهب‭ ‬القرط‭ ‬بنجمته‭ ‬بعيدا‭ ‬عنه

وذهبت‭ ‬القلادة‭ ‬بلمعتها‭ ‬لئلا‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬مطال‭ ‬برتقاليٍّ‭ ‬عريق‭ ‬يراكمُ‭ ‬متاعَه‭ ‬ويرفعه‭.‬

أرقصُ‭ ‬

أرقص‭ ‬وأرقص

ﻷن‭ ‬يدي‭ ‬وأصابعي‭ ‬تريد‭ ‬ذلك

وﻷن‭ ‬شعري‭ ‬يجد‭ ‬خُصَله‭ ‬هناك

ﻷن‭ ‬الضوء‭ ‬فيَّ،‭ ‬يُحدِث‭ ‬نوافذه‭ ‬في‭ ‬جسدي‭ ‬ويريد‭ ‬أن‭ ‬يخرج

ﻷني‭ ‬أستدير‭ ‬وأنير‭ ‬في‭ ‬ثيابي

وﻷني‭ ‬أصبح‭ ‬خيوطا‭ ‬سابحة‭ ‬ومضيئة‭ ‬فيها

أرقص‭ ‬وأرقص‭ ‬ﻷن‭ ‬قدمي‭ ‬تعثر‭ ‬على‭ ‬أختها‭..‬

تذهب‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬نهر‭ ‬النظرة‭ ‬المعلقة،‭ ‬النظرة‭ ‬الغائمة

أرقص‭ ‬وأرقص‭ ‬ﻷني‭ ‬أراني‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الرنّة‭ ‬واضحا

وﻷن‭ ‬حروفي‭ ‬تصبح‭ ‬كبيرة

أرقص‭ ‬حيث‭ ‬ﻻ‭ ‬سرّ‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬رئتي

فيسدّ‭ ‬على‭ ‬أنفاسي‭ ‬الطريق،

وحيث‭ ‬أعضائي‭ ‬تصير‭ ‬فماً‭ ‬ولساناً

أرقص‭ ‬كلما‭ ‬تاقت‭ ‬نفسي‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬فيّ،‭ ‬نفسي‭ ‬اللامعة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك

أرقص‭ ‬كلما‭ ‬ضاقت‭ ‬نفسي‭ ‬بجدرانها

وأرادت‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬وتتمشّى‭..‬

وكلما‭ ‬أراد‭ ‬جسدي‭ ‬أن‭ ‬يروي‭ ‬حكايته،

وأن‭ ‬يسميّ‭ ‬طائره‭ ‬باسمه‭.‬

لنجرّبْ أن نفكَّ عقدةَ لسانِ الجسد

لنجرّب‭ ‬أن‭ ‬نرقص‭ ‬مرّة

لنجرّب‭ ‬أن‭ ‬نفتح‭ ‬الجسد‭ ‬ولو‭ ‬مرّة

لنجرّب‭ ‬أن‭ ‬نرفع‭ ‬أستاره

أن‭ ‬نفكَّ‭ ‬عقدة‭ ‬لسانه

نصغي‭ ‬إليه‭ ‬ذاك‭ ‬الجسد

هي‭ ‬مرّة؛

نُخرِجه‭ ‬منه

هي‭ ‬مرّة‭ ‬نحرثه‭ ‬فيها‭..‬

مرّة‭ ‬نخصّب‭ ‬كلّ‭ ‬قطعة‭ ‬فيه‭ ‬ويزهر

لنجرّب‭ ‬مرّة‭ ‬أن‭ ‬نرفعه‭ ‬من‭ ‬صورته‭..‬

يزيح‭ ‬ألوانه‭ ‬ويصعد

مرّة‭ ‬نعرّضه‭ ‬للهواء‭ ‬وللشمس

هي‭ ‬مرّة‭ ‬نمرّر‭ ‬أكفَّنا‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬شجرته‭.. ‬مرّة‭ ‬نداعب‭ ‬فيها‭ ‬خصلات‭ ‬شعره،‭ ‬نثني‭ ‬أغصانه‭ ‬قليلا‭ ‬ثم‭ ‬نتركها‭ ‬لتضوع‭ ‬روحه

لم‭ ‬ﻻ‭ ‬نتركه‭ ‬لو‭ ‬مرّة‭ ‬يتفتّح

مرّة‭ ‬واحدة‭ ‬نصبّه‭ ‬ونُفرِغ‭ ‬آنيته‭ ‬منه‭.‬

لنُخرِج‭ ‬مرآته‭ ‬من‭ ‬سرّته‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬كتفه‭.. ‬لنخرجها‭ ‬من‭ ‬نظرته‭ ‬أومن‭ ‬بين‭ ‬أصابعه‭ ‬متراصّة‭ ‬أو‭ ‬منفرجة؛‭ ‬لنُخرِجها‭ ‬له‭ ‬كي‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭..‬

كي‭ ‬يزيل‭ ‬ما‭ ‬تراكم‭ ‬فوفه،‭ ‬ما‭ ‬تجمّع‭ ‬فيه‭..‬

لنُخرِج‭ ‬أسماءه‭ ‬وصمته‭ ‬منه‭..‬

لنمسكه‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬السبّابة‭ ‬واﻻبهام‭ ‬ثم‭ ‬نفتحهما‭ ‬إلى‭ ‬آخرهما‭..‬

نتأمّل‭ ‬ألوانَهُ‭ ‬خفّتَه‭..‬

لنسمحْ‭ ‬له‭ ‬مرّة‭ ‬أن‭ ‬يُخرِج‭ ‬مرآته؛‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنكسر‭ ‬وإلى‭ ‬اﻷبد‭.‬

تشابَهَ علينا الضوء‭ ‬

ﻻ‭ ‬نحن‭ ‬للمعةِ‭ ‬شعرٍ‭ ‬أو‭ ‬سوادِه‭ ‬وﻻ‭ ‬ﻻنسدالِه‭ ‬في‭ ‬الدهشةِ‭ ‬أو‭ ‬الذهول،

مثل‭ ‬ذكرى‭ ‬عميقة‭ ‬متوّجة‭ ‬بألوان‭ ‬مسافتنا‭..‬

ﻻ‭ ‬نحن‭ ‬لحُمرةِ‭ ‬شفةٍ‭ ‬أو‭ ‬جمرِ‭ ‬بشرة

وﻻ‭ ‬تقتلُنا‭ ‬اللهفةُ‭ ‬لجفنٍ‭ ‬بعيد‭ ‬أحكمَ‭ ‬علينا‭ ‬وحدتَنا،‭ ‬أو‭ ‬جبينٍ‭ ‬تركَنا‭ ‬في‭ ‬هدأته

ونحن‭ ‬ﻻ‭ ‬يشقُّنا‭ ‬الحنين‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬سوارٍ‭ ‬يجعلنا‭ ‬في‭ ‬مأمنٍ‭ ‬من‭ ‬غوائلَ‭ ‬معصمٍ‭ ‬أو‭ ‬شهقةِ‭ ‬أزرقَ‭ ‬ﻻمعٍ‭ ‬في‭ ‬أظافر

نحن‭ ‬ننطوي‭ ‬بشدّة‭ ‬على‭ ‬حنينٍ‭ ‬غائر‭ ‬يلدغُنا‭ ‬في‭ ‬الزند‭ ‬وفي‭ ‬الكتف‭ ‬والذراع،‭ ‬وفيما‭ ‬يزيّن‭ ‬الرقبة‭ ‬ويفتحُها‭ ‬علينا،

نحن‭ ‬نعوي‭ ‬في‭ ‬حنينٍ‭ ‬مشغولٍ‭ ‬ومنقوشٍ‭ ‬ومتّقد؛‭ ‬تشابَهَ‭ ‬فيه‭ ‬علينا‭ ‬الضوء‭.‬

الضوءُ يُعمِلُ في طينتِك أصابعَهُ

تخطيط: حسين جمعان

تشرقين‭ ‬وتتّسعين‭ ‬وتمتدّين

تضيئين‭ ‬أذرعك‭ ‬وتوقدين‭ ‬انفراجاتِ‭ ‬أصابعك‭..‬

تنثنين‭ ‬فتنثني‭ ‬معك‭ ‬أثوابك،‭ ‬تلجأ‭ ‬إليك‭ ‬ملتصقةً‭ ‬بك‭.‬

تتركين‭ ‬مسافة‭ ‬بينك‭ ‬وبين‭ ‬غصنك‭ ‬وتغادرينه،‭ ‬ليدرك‭ ‬الضوء‭ ‬اﻻنثناء‭ ‬الشديد‭ ‬لركبتيك‭.‬

الكلمات‭ ‬ﻻ‭ ‬تطالك‭ ‬وﻻ‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬قوس‭ ‬جذعك‭ ‬الذاهب‭ ‬في‭ ‬خفّة‭ ‬انحناءته،‭ ‬فتبقى‭ ‬معلّقة‭ ‬وراءك‭.‬

ابتسامتك‭ ‬وجدتْ‭ ‬فمك‭ ‬مفتوحا‭ ‬فطارت،‭ ‬وجدتْ‭ ‬شفتيك‭ ‬ممهّدتين‭ ‬فدرجت‭..‬

وجدتْ‭ ‬نظرتك‭ ‬الشاخصة‭ ‬تنفر‭ ‬بحدّة‭ ‬من‭ ‬عينيك‭ ‬فوقفت‭ ‬عليها،‭ ‬شرِبت‭ ‬وارتوت‭.‬

الضوء‭ ‬يُعمِل‭ ‬في‭ ‬طينتك‭ ‬أصابعه،‭ ‬ويرى‭.‬

تهبُّ اﻻبتسامةُ حاملةً أسنانَها

لن‭ ‬تتعثّر‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬بهواءٍ‭ ‬أو‭ ‬فكرة

لن‭ ‬يصدّها‭ ‬ضوء

لن‭ ‬يعلِقَ‭ ‬ثوبُ‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬بكلامٍ‭ ‬كثير‭ ‬أوقليل،‭ ‬فيؤخرها‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬دمنا‭ ‬تعقد‭ ‬سحرَها‭ ‬فيه

ولن‭ ‬يهدّئ‭ ‬من‭ ‬خطوها‭ ‬البارق‭ ‬انفراجُ‭ ‬المكان

ولن‭ ‬يبطّئها‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬كلاٍم‭ ‬عالق‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬قربب‭ ‬أو‭ ‬بعيد

ولن‭ ‬يحجب‭ ‬شيئا‭ ‬منها

لن‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬شجرة‭ ‬أو‭ ‬غصن‭ ‬أو‭ ‬عتاب

لن‭ ‬يخفت‭ ‬ضوؤها‭ ‬جرّاءَ‭ ‬عيونٍ‭ ‬تبتسم‭ ‬هي‭ ‬أيضا

لن‭ ‬تتأثر‭ ‬بظلِّ‭ ‬وجنتينِ‭ ‬تلتمعانِ‭ ‬هما‭ ‬أيضا

ستمضي‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬ولن‭ ‬يصرفها‭ ‬عنه‭ ‬غُرّةٌ‭ ‬مشاغبة‭..‬

ستهبّ‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬حاملة‭ ‬أسنانها‭ ‬وتصعد‭ ‬مستغلّة‭ ‬انفراجة‭ ‬الشفتين،

مستغلّة‭ ‬انثناء‭ ‬أصابعَ‭ ‬مدبّبةٍ‭ ‬داخلَ‭ ‬فصوص‭ ‬خواتمها‭..‬

مستغلّة‭ ‬غفلةَ‭ ‬طلاء‭ ‬أظافر‭ ‬أحمر‭ ‬وهناءة‭ ‬ثوب‭ ‬أسود‭ ‬ﻻذَ‭ ‬بعبورها‭ ‬وتركَ‭ ‬نسيجه‭ ‬مُبعثرا‭ ‬في‭ ‬ساحتها‭..‬

مستغلّة‭ ‬كمونَ‭ ‬معدنِ‭ ‬ساعةٍ‭ ‬داخلَ‭ ‬جُحْرِ‭ ‬الكُم

ستظهر‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬رغم‭ ‬الزجاج‭ ‬الذي‭ ‬يشفّ‭ ‬تماما‭ ‬والذي‭ ‬حَرَصَ‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬مبتسما‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬وكي‭ ‬ﻻ‭ ‬يفوته‭ ‬ظهور‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬الكامل‭..‬

ستظهر‭ ‬اﻻبتسامة‭ ‬رغم‭ ‬اطمئنان‭ ‬الظلال‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اﻷشياء‭ ‬ستمرّ‭ ‬حتما؛‭ ‬ﻷن‭ ‬ابتسامة‭ ‬مملوءة‭.. ‬فتحت‭ ‬بأسنانها‭ ‬مكانا‭ ‬ترك‭ ‬مكانه‭ ‬وبرز‭ ‬مُشرَعاً‭ ‬على‭ ‬شفتيه‭.‬

متاعُ النظرة

سيترك‭ ‬لكِ‭ ‬الهواء‭ ‬حيّزا‭ ‬كبيرا‭ ‬كي‭ ‬تضعي‭ ‬نظرتكِ‭ ‬عليه

وسيفسح‭ ‬الضوء‭ ‬مكانا‭ ‬ﻻ‭ ‬بأس‭ ‬به،‭ ‬تدسّين‭ ‬فيه‭ ‬أصابعك‭..‬

لكنّه‭ ‬فمك‭ ‬أمعن‭ ‬في‭ ‬إطباقته‭.. ‬أمعن‭ ‬في‭ ‬حُمرته‭ ‬كي‭ ‬يقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬لَهبك‭ ‬لئلا‭ ‬ينبثق؛‭ ‬على‭ ‬نارك‭ ‬لئلا‭ ‬تندلع

لكنّه‭ ‬النسيج‭ ‬خبّأ‭ ‬نشيجه‭ ‬في‭ ‬تجاعيده‭ ‬وسمح‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تجمعي‭ ‬أعضاءك‭ ‬وتدخلي‭ ‬فيه‭ ‬أوصَى‭ ‬خيوطه‭ ‬بلون‭ ‬بشرتك‭.. ‬أوصَى‭ ‬لونه‭ ‬أن‭ ‬يحرس‭ ‬قعدتك‭ ‬التي‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬أصابعها،‭ ‬تدفن‭ ‬صرخاتها‭ ‬في‭ ‬قماش‭ ‬وتطرّزها‭ ‬فيه‭.. ‬قماش‭ ‬هو‭ ‬الذريعة‭ ‬القصيرة‭ ‬ﻻ‭ ‬تكفي‭ ‬زرقته‭ ‬الواطئة‭ ‬ﻹخفاء‭ ‬وحدتكِ‭ ‬الكبيرة

فهل‭ ‬كان‭ ‬الشَّعر‭ ‬الذاهل‭ ‬يُسقِط‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحبسه‭ ‬وينسى‭ ‬مفرقه‭ ‬مفتوحا،‭ ‬ممرّا‭ ‬للعابرين‭ ‬وطريقا‭ ‬وعرا‭ ‬يتكبّده‭ ‬الكلام‭ ‬ويتهاوى‭ ‬على‭ ‬امتداده‭..‬

فمتاعُ‭ ‬النظرة‭ ‬خفيف‭ ‬بإمكان‭ ‬جذوع‭ ‬الصمت‭ ‬الضخمة‭ ‬أن‭ ‬تحمله‭ ‬وتمشي‭ ‬به‭..‬

بإمكان‭ ‬الرماديِّ‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يرفعه‭ ‬بإصبع‭ ‬واحدة

بإمكان‭ ‬الوجنة‭ ‬العزﻻء‭ ‬أن‭ ‬تسحبه‭ ‬مثل‭ ‬دمعة‭ ‬إلى‭ ‬عرائها

باستطاعة‭ ‬الجبين‭ ‬الوحيد‭ ‬خلف‭ ‬جلدته‭ ‬رفعُهُ‭ ‬كفراشة‭ ‬سوداء‭ ‬والسير‭ ‬طويلاً‭ ‬به‭ ‬دون‭ ‬كلل‭ ‬أو‭ ‬توقّف

متاعُ‭ ‬النظرة‭ ‬هيّن‭ ‬مثلُ‭ ‬يدٍ‭ ‬تحوكُ‭ ‬فراغَها‭ ‬الذي‭ ‬وقعت‭ ‬فجأة‭ ‬فيه‭ ‬وﻻ‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشقّة‭.. ‬وهو‭ ‬متاع‭ ‬الهاربين‭ ‬من‭ ‬كلامهم‭ ‬وصراخهم‭ ‬وحنينهم‭ ‬وأنينهم‭ ‬ودويّ‭ ‬ذاكرتهم،‭ ‬دحرجوا‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬أجسادهم‭ ‬وروائحهم‭.. ‬لمحوا‭ ‬أقربَ‭ ‬أصابعَ‭ ‬عاريةٍ‭ ‬إليهم‭ ‬فقصدوها‭ ‬واستقرّوا‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬حين‭.. ‬انتبهوا‭ ‬إلى‭ ‬نظرة‭ ‬منعزلة‭ ‬فمشوا‭ ‬إليها‭.‬

في‭ ‬النظرةِ‭ ‬العالية‭ ‬

في‭ ‬النظرة‭ ‬يخبّئ‭ ‬الوجه‭ ‬كلَّ‭ ‬مدخراته،‭ ‬يغطيها‭ ‬بالتماعِ‭ ‬العين‭..‬

في‭ ‬النظرة‭ ‬يرمّم‭ ‬الوجه‭ ‬كلماته‭ ‬ثم‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬ليقيم‭ ‬على‭ ‬قارعة‭ ‬الفم‭..‬

يترك‭ ‬متاعه‭ ‬من‭ ‬البخار‭ ‬والعرق‭ ‬ليتكبّد‭ ‬مشقّة‭ ‬الفم‭ ‬وانفراجته‭..‬

ﻻ‭ ‬بأس‭ ‬من‭ ‬خُصَل‭ ‬شعر‭ ‬تلتصق‭ ‬به،‭ ‬ﻻبأس‭ ‬من‭ ‬خصل‭ ‬أخرى‭ ‬تنفر‭ ‬منه؛‭ ‬ففي‭ ‬ضوء‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬نظرته،‭ ‬ذلك‭ ‬دائما‭ ‬أمرٌ‭ ‬متوقّع‭.‬

في‭ ‬النظرة‭ ‬العالية‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬الوعرة؛‭ ‬ﻻ‭ ‬يَسلم‭ ‬الوجه‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬وجنتين‭ ‬وﻻ‭ ‬يَسلم‭ ‬من‭ ‬جبين‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تشبّث‭ ‬بأنف‭ ‬أو‭ ‬تمسّك‭ ‬جيّدا‭ ‬بذقن‭.. ‬وﻻ‭ ‬يكون‭ ‬بمأمن‭ ‬في‭ ‬زغب‭ ‬أعلى‭ ‬الشفتين؛‭ ‬حيث‭ ‬يواصل‭ ‬هناك‭ ‬استظهار‭ ‬كل‭ ‬رغباته‭ ‬الشديدة‭ ‬بدأب‭.‬

أيّها الملاكُ كَبُرْتَ كثيراً

ماذا‭ ‬سنترك‭ ‬من‭ ‬أرواحنا،

على‭ ‬رخام‭ ‬هذي‭ ‬النظرة

ما‭ ‬الذي‭ ‬سنشرحه‭ ‬أو‭ ‬نكتبه‭ ‬على‭ ‬امتدادها‭ ‬من‭ ‬الرمل

هل‭ ‬نصنع‭ ‬صحراء‭ ‬أكثر‭ ‬صُفرة‭..‬

وأكثر‭ ‬اتّساعا‭ ‬منها‭ ‬لنا،

وهل‭ ‬باستطاعتنا‭ ‬رفْعُ‭ ‬سماء‭ ‬أعلى‭ ‬ذهوﻻ‭ ‬وأشدّ‭ ‬نصاعة‭ ‬منها

الشعر‭ ‬أخذَ‭ ‬منه‭ ‬الهواءُ‭ ‬ما‭ ‬شاء‭..‬

أخذ‭ ‬نصيبه‭ ‬كاملاً،

حُمرة‭ ‬الفم‭ ‬واﻷنف‭ ‬تُرِكَتْ‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الحقائب‭ ‬السوداء،‭ ‬فماذا‭ ‬سنفعل‭ ‬بها‭..‬

وهل‭ ‬كان‭ ‬الجبين،‭ ‬الذي‭ ‬هجر‭ ‬الشعر‭ ‬عنه،‭ ‬يصدّ‭ ‬ما‭ ‬يطرأ‭ ‬من‭ ‬غارات‭ ‬النحيب‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭..‬

وهل‭ ‬نقدر‭ ‬أن‭ ‬نصعده‭ ‬لنأخذ‭ ‬ولو‭ ‬قليلاً‭ ‬نومنا‭ ‬منه،

أو‭ ‬نرفع‭ ‬عن‭ ‬طريقه‭ ‬المؤدي‭ ‬إلينا،‭ ‬حجرَ‭ ‬اﻷرق‭.. ‬وكيف‭ ‬سننحّيه؟

أيّها‭ ‬الملاكُ‭ ‬كَبُرْتَ‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬معطفك‭.. ‬وكَبُرَتْ‭ ‬يدُكَ‭ ‬في‭ ‬كُمِّه،

فارفعْ‭ ‬نظرتك‭ ‬عن‭ ‬طريقنا،

أيّها‭ ‬الملاك‭ ‬الضوء،‭ ‬ثمّة‭ ‬ما‭ ‬ينكسر‭ ‬فينا‭ ‬ويتداعَى‭ ‬في‭ ‬دمنا‭..‬

ثمّة‭ ‬أنقاض‭ ‬في‭ ‬الوجوه‭ ‬يسند‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭ ‬ويواسيه،‭ ‬يداريه‭.. ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬حملها‭ ‬أو‭ ‬إخفائها‭..‬

أيّها‭ ‬الملاك‭ ‬الضوء‭ ‬

نحن‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نعبر‭ ‬إلى‭ ‬ربطة‭ ‬شَعرك،‭ ‬نلعب‭ ‬معها‭ ‬

فلا‭ ‬نستطيع

نريد‭ ‬أن‭ ‬نعبر‭ ‬إلينا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نسقط‭ ‬في‭ ‬حيرتك‭.. ‬فلا‭ ‬نقدر

لقد‭ ‬ضعْنا‭ ‬أيّها‭ ‬الملاك،

ضعنا،

وتمزّقْنا‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬لغتنا‭ ‬القاحلة‭.‬


شاعر من السعودية