أناشيد‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى

الجديد  معز ماجد [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(104)]

تخطيط: حسين جمعان
1

إنها‭ ‬شعلة‭ ‬من‭ ‬كافور‭ ‬‮«‬باروس‮»‬،‭ ‬الخالص

مذاق‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬مغمورة‭ ‬في‭ ‬أعياد‭ ‬الانعتاق‭ ‬الكبيرة

مذاق‭ ‬الشرق‭ ‬يضنيه‭ ‬وجده

مذاق‭ ‬العنبر‭ ‬والشهوة

مذاق‭ ‬كسل‭ ‬عذب‭ ‬يتلوّى‭ ‬مثل‭ ‬عشق‭ ‬مراهق

لا‭ ‬يستطيع‭ ‬من‭ ‬غمرات‭ ‬المنفى‭ ‬فكاكا

إنه‭ ‬بحر‭ ‬أرجوانيّ‭ ‬مثل‭ ‬شعاع‭ ‬قمر‭ ‬داكن

يعلن‭ ‬احتفاءه‭ ‬بمجد‭ ‬القرصان‭ ‬المنتصر‭ ‬فوق‭ ‬المنابر

يا‭ ‬أيها‭ ‬القرصان‭ ‬منتصرا‭ ‬على‭ ‬نوبات‭ ‬الغضب

كبرى‭ ‬غضبات‭ ‬التمثال‭ ‬الطّريح

أيّ‭ ‬نذير‭ ‬كاشفك‭ ‬بوجه‭ ‬الشّرق‭ ‬؟

آه‭ ‬‮…‬‭ ‬كم‭ ‬هي‭ ‬كثيرة‭ ‬هذه‭ ‬الآلام‭ ‬اللامتوقعة‭ !‬

كم‭ ‬هي‭ ‬كثيرة‭ ‬لحظات‭ ‬الصّمت‭ ‬عصيّة‭ ‬على‭ ‬الاختراق

كم‭ ‬هو‭ ‬كبير‭ ‬صبرنا‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يطويه‭ ‬النسيان

آه‭ ‬‮…‬‭ ‬بم‭ ‬أمسكت‭ ‬من‭ ‬بحار‭ ‬حقبك‭ ‬الرّائعة‭ !‬

وإذ‭ ‬بعيدا‭ ‬هناك

في‭ ‬مكان‭ ‬قصيّ‭ ‬عن‭ ‬ممالك‭ ‬الكلام

فوق‭ ‬قمّة‭ ‬الصمت‭ ‬ذاته

أين‭ ‬ينسج‭ ‬الضباب،‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬لغته

عندئذ‭ ‬فحسب،‭ ‬تعرف‭ ‬آلامك‭ ‬نهايتها‭.‬

2

هناك‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬من‭ ‬الصلصال‭ ‬الدافئ

يحيا‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬الملوك

حذار‭ ‬من‭ ‬غضبه

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نستضيف‭ ‬العاصفة

لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬كبيرة‭ ‬ومن‭ ‬أسرار‭ ‬غامضة

لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬نرعى،‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬غضب‭ ‬الآلهة،

أن‭ ‬نبدّد‭ ‬حياد‭ ‬الظلال

لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬خيانة‭ ‬ما

أنت‭ ‬أيّها‭ ‬القرصان‭ ‬المنتصر

على‭ ‬نوبات‭ ‬غضب‭ ‬التّمثال‭ ‬الطريح

دع‭ ‬إذن‭ ‬ظلال‭ ‬الكبرياء‭ ‬النديّة‭ ‬تعدو

في‭ ‬سهوبنا‭ ‬الجافة

أنت‭ ‬أيّتها‭ ‬الأمطار‭ ‬الأولى‭ ‬غبّ‭ ‬الصيف

أو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬طين‭ ‬هذا‭ ‬الجسد‭ ‬الذي‭ ‬حسبته‭ ‬جسدي

يا‭ ‬أمطار‭ ‬الفلفل‭ ‬والنبوءات‭ ‬في‭ ‬أوجاع‭ ‬شعب‭ ‬يولد

غضب‭ ‬وعدوان

والخوف‭ ‬المريع

قديما‭ ‬كان‭ ‬الخوف‭ ‬‮…‬‭ ‬وغدا‭ ‬تكون‭ ‬الطّفولة

الموج‭ ‬العاتي‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬البحار‭ ‬يمتلئ‭ ‬غضبا

سيحطم‭ ‬بعد‭ ‬ساعة‭ ‬كبرياء‭ ‬الصّخر

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬وعلى‭ ‬هذه‭ ‬الأرض

المجبولة‭ ‬من‭ ‬صلصال‭ ‬دافئ

يحيا‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬الملوك‭.‬

ملوك‭ ‬بائسون‭ ‬لكنهم

أعزّة‭ ‬هادئون

صنّاع‭ ‬أعاصير‭.‬

3

وعندما‭ ‬نفخ‭ ‬في‭ ‬الصّور

حاضرين‭ ‬كنا‭ ‬فوق‭ ‬حقل‭ ‬الحصاد

هل‭ ‬أخطأنا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عجّلنا‭ ‬بسقوط‭ ‬جذع‭ ‬من‭ ‬الخشب‭ ‬العاري؟

ثمّة‭ ‬آخرون‭ ‬كثّر‭ ‬أيضا

سيرتضون‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬بالانتشاء‭ ‬والموت

سيسيرون‭ ‬غير‭ ‬مبالين‭ ‬نحو‭ ‬طغيان‭ ‬عات

وعند‭ ‬هبوط‭ ‬الليل

سيعودون‭ ‬إلى‭ ‬بيوتهم

وقد‭ ‬أتموا‭ ‬عملهم

الكبير

لهيب‭ ‬كافور‭ ‬‮«‬باروس»‭ ‬الخالص

مذاق‭ ‬الإمبراطوريّات‭ ‬التي‭ ‬غرقت‭ ‬في‭ ‬أعياد‭ ‬الانعتاق‭ ‬الكبير

أيّتها‭ ‬الأميرة‭ ‬ديدون

يا‭ ‬أمّي‭ ‬وأختي‭ ‬وابنتي

لعلّك‭ ‬كنت‭ ‬تبكين

وأنت‭ ‬تريننا‭ ‬نباد

العار‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬لا‭ ‬يلائم‭ ‬منزلتك

وفي‭ ‬شرق‭ ‬الأزمنة‭ ‬الغابرة

كان‭ ‬طيفك‭ ‬الشامخ‭ ‬يرتجف

هذه‭ ‬الليلة

في‭ ‬فجوات‭ ‬الغابة‭ ‬الساكنة

القمر‭ ‬وعشيقه‭ ‬الآثم

سيخلدان‭ ‬للنّوم

لا‭ ‬أحد‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يفخر‭ ‬بترتيبات‭ ‬أرحب

لا‭ ‬أحد‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬ينشد‭ ‬مجدا‭ ‬مماثلا‭.‬

4

أنت‭ ‬أيّتها‭ ‬الغاضبة

الملتبسة‭ ‬النّافرة‭ ‬الشرسة

ها‭ ‬هو‭ ‬شعب‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬العشاق‭ ‬يقتفي‭ ‬خطوك

ينشد‭ ‬العظمة‭ ‬التي‭ ‬يفحصها‭ ‬الخلود

الحاضر‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬عنفوانه‭ ‬وفي‭ ‬أثواب‭ ‬الأبّهة

آه‭ ‬الأبدية

حلم‭ ‬البحّارة‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬قبضة‭ ‬الرعب

من‭ ‬ذا‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬النسيان؟

من‭ ‬ذا‭ ‬الذي‭ ‬يتيح

لي‭ ‬الارتواء‭ ‬من‭ ‬صمت‭ ‬أبدية‭ ‬من‭ ‬رخام

لأنّك‭ ‬أنت

فارعة‭ ‬رشيقة‭ ‬ومشرقة‭ ‬مثل‭ ‬أميرة‭ ‬“إلف”

أيّتها‭ ‬الماسيّة

أنت‭ ‬التي‭ ‬تتيحين‭ ‬لهم‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬في‭ ‬العطش

وأسمع‭ ‬صوتك‭ ‬يدنو‭ ‬ورائي

وأبتسم‭.‬

5

تخطيط: حسين جمعان

أيّها‭ ‬الطريح‭ ‬أرضا

كم‭ ‬مزّق‭ ‬صمتي‭ ‬العار

غضب‭ ‬العشق‭ ‬الأوّل‭ ‬تغذوه‭ ‬أمطار‭ ‬الخريف

ليل

طويل‭ ‬مظلم‭ ‬هذا‭ ‬اللّيل

قبل‭ ‬دويّ‭ ‬الصاعقة

وها‭ ‬هي‭ ‬دافئة‭ ‬زاحفة

تواصل‭ ‬سعيها‭ ‬مثل‭ ‬جسد‭ ‬يرتجف

عشيرة‭ ‬يجمعها‭ ‬العطش

عشيرة‭ ‬تفرّقها‭ ‬زخّات‭ ‬المطر

آه‭ ‬‮…‬‭ ‬يا‭ ‬سهول‭ ‬جامة‭ ‬الوسيعة‭.‬

6

ألم‭ ‬يروا‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الغضب

النسغ‭ ‬الصامت‭ ‬لمن‭ ‬تعذّبوا‭ ‬بيننا؟

نسغا‭ ‬ولودا

رفعت‭ ‬حرارته‭ ‬رياح‭ ‬الهجير‭ ‬في‭ ‬بساتين‭ ‬البرتقال‭ ‬الساكنة؟

ألم‭ ‬يروا‭ ‬كتيبة‭ ‬فرسان‭ ‬سبعة‭ ‬تماهت‭ ‬أسماؤهم

وثارت‭ ‬تحت‭ ‬سنابك‭ ‬خيولهم‭ ‬أراضي‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعا‭ ‬من‭ ‬رحمة‭ ‬النسيان؟

والغبار‭ ‬الميّت‭ ‬مرتفعا‭ ‬في‭ ‬إشارات‭ ‬العرّافين‭ ‬الوسيعة

هم‭ ‬المبشرون‭ ‬بمناورات‭ ‬كبرى‭ ‬تثير‭ ‬انفعال‭ ‬النار‭ ‬المقدس

ألم‭ ‬يروا‭ ‬الملكة‭ ‬العنيدة‭ ‬تبقع‭ ‬بالأملاح‭ ‬حقول‭ ‬زيتون‭ ‬من‭ ‬طين‭ ‬أحمر؟

يا‭ ‬نبوءات‭ ‬الخلاص‭ ‬الكبير‭!‬

إنها‭ ‬لكواسر‭ ‬منزوعة‭ ‬الريش‭ ‬ترقص‭ ‬على‭ ‬قمم‭ ‬أحلامنا

وهذا‭ ‬أمر‭ ‬هين

كواسر‭ ‬تنسج‭ ‬عسق‭ ‬فجر‭ ‬لم‭ ‬ينبلج‭ ‬بعد

آه‭ ‬ماذا‭ ‬يعرفون‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الضروب‭ ‬من‭ ‬الخلاص؟

ورأينا‭ ‬منبثقا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬مخاضات‭ ‬عسيرة‭ ‬واهتزازات‭ ‬كبيرة

جمالا‭ ‬صلدا‭ ‬مرّ‭ ‬المذاق

مثل‭ ‬وجه‭ ‬أحرقه‭ ‬الصوان‭ ‬والريح

أغبر‭ ‬مثل‭ ‬ظهيرة‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬تمون

مبيض‭ ‬مثل‭ ‬مقبرة‭ ‬منسية

أجل‭ ‬كم‭ ‬رأينا‭ ‬قصائد‭ ‬من‭ ‬حجر‭ ‬تنتصب‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬العصور‭ ‬الغابرة؟

وكم‭ ‬رأينا‭ ‬وجوها‭ ‬غفلا‭ ‬تضيع‭ ‬فيها؟

أجل‭ ‬رأينا‭ ‬سنابك‭ ‬الصليبيين‭ ‬في‭ ‬باحات‭ ‬المساجد

لكن‭ ‬في‭ ‬صباحنا‭ ‬هذا

أقمنا‭ ‬بين‭ ‬الخيش‭ ‬والخشب‭ ‬صلواتنا‭ ‬فيها

يا‭ ‬لقوة‭ ‬الخاضعين‭.‬

7

آم‭ ‬كم‭ ‬كثر‭ ‬كانوا‭ ‬شفاطنا‭ ‬وملوكنا‭!‬

وتحت‭ ‬أشواك‭ ‬عقائد‭ ‬الولاء

كم‭ ‬كانت‭ ‬طيعة‭ ‬هاماتنا‭ ‬وسواعدنا‭!‬

أنت‭ ‬أيها‭ ‬القرصان‭ ‬المنذور‭ ‬لكبرى‭ ‬لعنات‭ ‬جحيم‭ ‬البحار

في‭ ‬إحدى‭ ‬ليالي‭ ‬الخريف‭ ‬وطئت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬ضفاف‭ ‬الأعداء

في‭ ‬إحدى‭ ‬ليالي‭ ‬الخريف‭ ‬أضرمت‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬إقطاعات‭ ‬قديمة

وطوقت‭ ‬بغضبك‭ ‬كوى‭ ‬النبال

لأنك‭ ‬وعدت‭ ‬بأميرة‭ ‬فارعة‭ ‬رشيقة‭ ‬ومشرقة

أميرة‭ ‬من‭ ‬أميرات‭ ‬شعوب‭ ‬“ألف”

وفي‭ ‬الساعة‭ ‬الموعودة‭ ‬وقفنا‭ ‬على‭ ‬شفا‭ ‬الهاوية

كان‭ ‬ظلّ‭ ‬الموت‭ ‬يحاصر‭ ‬أنظارنا

وجلادونا‭ ‬يتربصون‭ ‬بنا‭ ‬على‭ ‬الهضبات‭ ‬عالية

أجل‭ ‬عرفنا‭ ‬ملوكا‭ ‬من‭ ‬آكلي‭ ‬لحم‭ ‬البشر

وفي‭ ‬السهول‭ ‬القاحلة‭ ‬المنذورة‭ ‬للصخب

رأينا‭ ‬كيف‭ ‬يلتبس‭ ‬النشيد‭ ‬بالموت

أجل‭ ‬رأينا‭ ‬أمواج‭ ‬البرابرة‭ ‬تغمر‭ ‬مدننا

لكنّ‭ ‬هناك‭ ‬نشور‭ ‬عظيم‭ ‬يسري‭ ‬تحت‭ ‬موتانا

آه‭ ‬ألم‭ ‬يدركوا‭ ‬أن‭ ‬لحمنا‭ ‬مر؟

وألاّ‭ ‬أحنث‭ ‬من‭ ‬أيمان‭ ‬الحشود؟

هذا‭ ‬المساء

بعيدا‭ ‬عن‭ ‬صخب‭ ‬أليم

سينام‭ ‬في‭ ‬أجمات‭ ‬هادئة

القمر‭ ‬مع‭ ‬عشيقه‭ ‬زاني‭ ‬المحارم

يا‭ ‬للسكينة‭ ‬تلفّ‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحماسة‭!‬

8

مباركة‭ ‬تلك‭ ‬الساعة‭ ‬التي‭ ‬يمنح‭ ‬فيها‭ ‬صخب‭ ‬البحر‭ ‬الصمت‭ ‬مملكته

تلك‭ ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬يستسلم‭ ‬الطفل‭ ‬مكرها‭ ‬للنوم

حيث‭ ‬لا‭ ‬نسمع‭ ‬إلا‭ ‬غناء‭ ‬صرار‭ ‬وحيد

وصريرا‭ ‬متردّدا‭ ‬لشباك‭ ‬موارب

في‭ ‬حوض‭ ‬من‭ ‬الرخام‭ ‬الأبيض‭ ‬وجد‭ ‬الماء‭ ‬سكونه‭.. ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬يخيف‭ ‬كائنات‭ ‬القاع

إنها‭ ‬ساعة‭ ‬الوحدة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ألوانها‭!‬

الوحدة‭ ‬التي‭ ‬انتمت‭ ‬بعد‭ ‬صراع‭ ‬مرير‭ ‬في‭ ‬خضرة‭ ‬غير‭ ‬مرتقبة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬عطشى

تلك‭ ‬التي‭ ‬دفناها‭ ‬مثل‭ ‬حجر‭ ‬كريم‭ ‬غامض‭ ‬في‭ ‬جرح‭ ‬لجسد‭ ‬أزلي‭ ‬نازف

أو‭ ‬وحدة‭ ‬حسبناها‭ ‬قد‭ ‬ضاعت‭ ‬إلى‭ ‬الأبد

ثمّ‭ ‬وجدناها‭ ‬فجأة‭ ‬وسط‭ ‬الحشود‭ ‬الصاخبة

يا‭ ‬ضروب‭ ‬الوحدة‭ ‬لأزمنة‭ ‬السلالات‭ ‬الأخرى

إنها‭ ‬صرخة

صرخة‭ ‬مفردة‭ ‬وحيدة‭ ‬انبثقت‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬زيتونة‭ ‬معمّرة

حاملة‭ ‬في‭ ‬صدى‭ ‬نفسها‭ ‬الجيد‭ ‬نظاما‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬محدّدا

أجل‭ ‬فادحا‭ ‬كان‭ ‬الخطأ

باهظة‭ ‬تكن‭ ‬جزيته

حتى‭ ‬متى‭ ‬الإهانة

كم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نموت‭.‬

9

يال‭ ‬الغدر

يال‭ ‬الخيانة

منهما‭ ‬نسجت‭ ‬راية‭ ‬هذا‭ ‬المجد

وبهما‭ ‬دنّست‭!‬

أكثر‭ ‬دنسا‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬ليلية‭ ‬مدّت‭ ‬لتهب‭ ‬السنة‭ ‬النّار‭ ‬احتمالات‭ ‬الفجر‭ ‬المشرق

أكثر‭ ‬من‭ ‬واحد‭ ‬وعشرين‭ ‬يوما‭ ‬قدّت‭ ‬من‭ ‬ملح‭ ‬ورماد

ودموع‭ ‬قائد‭ ‬عدوّ

أكثر‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬موعود

من‭ ‬أجل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬انطفأ‭ ‬بريق‭ ‬مجدكم

لا‭ ‬ولاء‭ ‬لغير‭ ‬تشيد‭ ‬الحشود‭ ‬وقد‭ ‬أثملها‭ ‬جبروتها‭!‬

لا‭ ‬ولاء‭ ‬موعودا‭ ‬إلاّ‭ ‬لأولئك‭ ‬المتمرّدين‭ ‬من‭ ‬أهلنا‭!‬

وقد‭ ‬لاذوا‭ ‬بطيات‭ ‬الضفاف‭ ‬المغلقة‭ ‬لمدننا‭!‬

لاذوا‭ ‬بفضاءات‭ ‬العالم‭ ‬الرحبة‭!‬

مجدنا‭ ‬واضح‭ ‬للعيان‭!‬

عظمتنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الدروب‭!‬

إنما‭ ‬كثر‭ ‬هم‭ ‬الأباة‭ ‬الذين‭ ‬خضعوا‭ ‬لطبقة‭ ‬السادة‭ ‬الجدد

كثر‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬دفعوا‭ ‬للكبرياء‭ ‬جزية‭ ‬الطاعة

نافين‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ضربا‭ ‬من‭ ‬الخيانة

لكن‭ ‬من‭ ‬رغبة‭ ‬الأمير‭ ‬ينبثق‭ ‬شرف‭ ‬الموالي

“يا‭ ‬سرّاق‭ ‬التين”

صرخ‭ ‬نذير‭ ‬في‭ ‬صفوفنا

“يا‭ ‬سرّاق‭ ‬الأماني‭ ‬والنبوءات

منها‭ ‬نسجت‭ ‬راية‭ ‬مجدكم

وبها‭ ‬تدنّست”‭.‬

10

ثمّ‭ ‬تأتي‭ ‬أشد‭ ‬العصور‭ ‬قسوة

وأكثر‭ ‬الساعات‭ ‬قتامة

وينحدر‭ ‬البرابرة‭ ‬بأعداد‭ ‬هائلة

وتنهمر‭ ‬أمطار‭ ‬غزيرة‭ ‬شيباء

لا‭ ‬تروي‭ ‬أرضا‭ ‬ولا‭ ‬تطهّر‭ ‬دنسا

وتأتي‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬الرمال‭ ‬القاحلة

سحب‭ ‬كهنة‭ ‬مبشرين‭ ‬بكلام‭ ‬مستراب

كلام‭ ‬مستراب‭ ‬يرفعونه‭ ‬إلى‭ ‬منزلة‭ ‬ألواح‭ ‬الوصايا

أجل‭ ‬يا‭ ‬أمّي‭ ‬يا‭ ‬أختي‭ ‬ويا‭ ‬ابنتي

تأتي‭ ‬هذه‭ ‬الأيّام‭ ‬حتّى‭ ‬أعتاب‭ ‬بيوتنا

نبوءات‭ ‬شديدة‭ ‬القتامة

هل‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نرحل‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأراضي‭ ‬المتزهّدة؟

أنم‭ ‬نسلّم‭ ‬غبار‭ ‬الأسلاف‭ ‬الأحمر‭ ‬لقوى‭ ‬الذكريات‭ ‬الحيّة؟

أن‭ ‬نغلق‭ ‬أجفان‭ ‬مساكننا‭ ‬النبيلة

وندعو‭ ‬أطفالنا‭ ‬الذين‭ ‬يلعبون‭ ‬في‭ ‬الساحة

ثم‭ ‬نلتفت‭ ‬ونحن‭ ‬نعبر‭ ‬غبار‭ ‬خطانا

إلى‭ ‬التباشير‭ ‬المضطربة‭ ‬لما‭ ‬كنّا‭ ‬عليه؟

مهزومين،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬غير‭ ‬الحزن‭ ‬نورّثه‭ ‬لأبنائنا

لكن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬فينا‭ ‬يدوي‭ ‬صدى‭ ‬نشيد‭ ‬الجنون‭ ‬المرّ

جنون‭ ‬المياه‭ ‬الحيّة‭ ‬الرحب

وكوكب‭ ‬الإيمان‭ ‬الأعمى

أمّا‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬نظموا‭ ‬أناشيد‭ ‬العالم‭ ‬الجنائزيّة

فلهم‭ ‬أن‭ ‬يسطّروا‭ ‬على‭ ‬ألواح‭ ‬كبر‭ ‬من‭ ‬رخام‭ ‬وبرونز

منعرجات‭ ‬صباحاتنا‭ ‬المتعثّرة

لهم‭ ‬أن‭ ‬يقولوا‭ ‬ألاّ‭ ‬شيء‭ ‬ينبت‭ ‬في‭ ‬أراضينا،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مسجّلا‭ ‬في‭ ‬أعمدة‭ ‬سجلاتهم

قل‭ ‬لهم‭ ‬أيها‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬يولد‭ ‬بيننا‭ ‬في‭ ‬القماط

قل‭ ‬لهم‭ ‬كم‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬قبلهم‭ ‬آمنت‭ ‬بالخلود

كم‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬قبلهم‭ ‬كان‭ ‬مآلها‭ ‬الغرق‭ ‬في‭ ‬الخلاص‭ ‬الكبير‭.‬


شاعر من تونس