المشرف على الهول

في وصف ناقد الفنون البصرية مانيفيستو خاص جدا

الجديد  ميموزا العراوي [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(78)]

لوحة: نهاد الترك
يختلف الكثير من الأكاديميين وخبراء في تاريخ الفن والنقد، وباختصار شديد، عن كيفية التعامل مع نتاج الفنانين التشكيليين. غير أنهم جميعا وبشكل عام إما يميلون فكريا إلى ما قدمه الفيلسوف الألماني إمانويل كانط وإما لا. كما الكثير من الفلاسفة الذين كتبوا عن الفن، لم ير “كانط” الفن كعالم قائم بذاته غير مرتبط بأي منهج فكري أو إحالات خارج نطاقه المباشر الذي يتضمن تسليط الضوء على التقنية المُستعملة والبراعة اليدوية في التكشيل. وضع الفيلسوف العبقري “الشعور”، أو “حاسة التذوق” في صلب نظريته عن الجمالية واعتبر أن ما تحدثه الأعمال الفنية من إحساس بروعة، أو تماس بارق مع المُطلق المجرّد في نفس المُشاهد هو ما يحدد ماهية، لا بل قيمة الأعمال الفنية.

لو أمكننا الانتقال بفكر عمنوائيل كانط إلى الزمن المعاصر فأول ما سنقوم به هو إزاحة تعبير “الفن التشكيلي” ووضع مكانه تعبير آخر وهو “الفنون البصرية” التي تشمل فن الأداء والتجهيز والفيديو آرت والفنون الرقمية، إلى جانب اللوحات التشكيلية. ويتشارك معظم هذه الممارسات الفنية المختلفة في أحيان كثيرة ضمن العمل الواحد، أو ضمن المعرض الواحد الذي يقيمه الفنان.

الشيء الآخر الذي يجدر بنا معرفته هو أن كانط عندما تكلم عن الجمالية لم يقصد تماما الجمالية المتمثلة بالأشياء أو باللوحات الفنية، بل بما يكمن خارج المحسوس وينتمي إلى فعل التذوق وردة فعل المُشاهد تجاهها.

وما ردة الفعل إلا شبكة من التفاصيل المنسجمة والمتناقضة والموغلة في الوعي وللاوعي على السواء. في هذا السياق بالتحديد لن تخرج الفنون البصرية المعاصرة من هذا المنطق لأنها لا تتوقع أن يجلب إليها المُشاهد نظرة محملة بجيناته الفكرية ومخزونه اللاشعوري فحسب، بل لأن خامة نسيجها، أي نسيج الأعمال، هي في أحيان كثيرة، مؤلفة من المحسوس والافتراضي على السواء. وما بالك إذا كان هذا المشاهد الذي نذكره منذ البداية هو الناقد الفني أو من نحب أن نطلق عليه اسما آخر أكثر عصرية هو “المُشرف على الهول”؟

الحدود غير الفاصلة

ستختفي، أواختفت، عمليا، الحدود الفاصلة ما بين الفنان الذي تكوّن في أحشائه العمل الفني والمُتلقي/الناقد الذي حمل بنظرته “المُخصبة” للعمل الفني، سبيله إلى الحياة بعيدا عن والده. كيف لا يحدث هذا الاختفاء في زمن أصبح كل شيء معه، وبالتأكيد النتاج الفني، عبارة عن مجموعة بيانات معلوماتية بالغة التعقيد في أحيان كثيرة وتحتاج إما لمن يفككها ويترجمها لذاته أو لغيره بلغة مبسطة، وإما أن ينفذ إلى أهدافه المبطنة أو نقيض ما يُظهره، وأن يربط ما وجده بسلسلة من إثبتات مُقلقة؟

يحضر إلى ذهني هنا كلام المفكر الفرنسي جان بودريارد عندما جاء على ذكر “موت الفن” في كتابه الشهير “شفافية الشر”. لم يقصد حينها فقط الشحّ في الابتكار الفني فحسب ولا أنه لم يعد هناك مكان لأي جديد مادام كل شيء قد حدث فعلا، بل إن ما قصده هو أخطر من ذلك، إذ قال بأن الفن، في الحقبة المعاصرة لم يعد كيانا قائما بذاته له شروطه وحدوده وخصائصه وأماكن ظهوره. أي لم يعد موجودا على النحو الذي كان عليه سابقا، لأنه تفشى في كل مرافق الوجود، ما أدى عمليا إلى اختفائه. ربما هنا بالتحديد يجيء دور المشرف على هذا الهول لكي يلم شمل أجزاء النصوص البصرية التي تبعثرت في بحر تضخم بالصور والإشارات، وليقيم مكانا “للمعنى” الذي لبس ثوب حداده على موت شامل بلغ حفاف شطآن الأنسانية جمعاء.

لوحة: نهاد الترك

زمن اللاهالات

لا يمكن العودة إلى زمن النظر التقليدي إلى اللوحات التشكيلية بوصفها مؤطرة، وكاملة مُكملة ومُعلقة على جدران يحظر الاقتراب منها.

نحن في زمن “اللاهالات”، إذا صح التعبير وقد بدأ ذلك في أوروبا تقريبا سنة 1930، وحدث عربيا منتصف القرن الفائت. وإذا كانت الحرب العالمية الأولى من أهم مسببات “ضياع البراءة الجماعية”، فتاريخ نكبة فلسطين لم يكن، عربيا، أقل وطأة على عملية نزع الهالات وإخراج الفن من صالونه الخاص المُكيف والمُجهز بكافة أنواع وسائل الراحة. بدأت الجدران الفاصلة تسقط الواحدة بعد الأخرى ليتفشى الفن رويدا رويدا في كل شرايين الحياة حتى شبه اختفت صورته التي اعتدناها على مر السنين.

كان على الناقد الفني أو “المُشرف على الهول” السير مع التيار الجارف وإن لم يكن يعرف تماما إين هو ذاهب؟ وماذا سيترتب على ذلك؟ كل ما أدركه وكل ما لا يزال يحاول أن يتأقلم معه هو أن الفن لم يعد مادة ينظر إليها بقدر ما أصبحت مادة تستدعي التفكير. مشغول هو “بجمالية” جديدة قد يستسيغ التمعن بها “كانط” لو كان حيا، لأنها تضع أثر العمل الفني في النفس، في قلب تجربة الرؤية والبصر على حدّ سواء.

لعل من أهم النتائج التي تتأتى من هذا التفكير هو أننا سنتأكد بأن معايير الجمال وأشكال وأوقات ظهوره ليست واحدة وليست ثابتة. هي قابلة للتحول كل يوم تحت وطأة حوادث خارجية وتحت وابل من التحولات الداخلية التي يتعرض لها الفنان، والناقد، والمُشاهد العادي في آن واحد. وكما قال الفيلسوف الألماني أدمون هوسرل “ليس العالم هو الموجود فحسب. هناك احتمال دائم لظهور أبعاد جديدة له”. جديدة، كما النظرة التي يليقيها الناقد الفني إلى الفن المتحول دائما.

قد يكره الكثيرون من نقاد الفن المعاصر، الفن العربي المعاصر بالتحديد، على اعتبار أنه تأثر بشكل كبير بالتيارات العالمية شكلا ومضمونا، وبأساليبها الحديثة والمتطورة وأنه تخلى عن تراثه وهويته في خدمة النظرة المعولمة إلى الفن. غير أن في هذا الكلام كثيرا من الإجحاف. عدد كبير من الفنانين المعاصرين العرب استطاعوا أن يصهروا ما أحبوه ووجدوه في الغرب مع كل ما يؤلف بنيتهم الشخصية في تلاق مؤثر مع موروثات بيئتهم العربية. ربما قد يزول هذا الغضب عن الفن المعاصر العربي ولا سيما الشرق أوسطي، أو تخف وتيرته إن تذكرنا بأن هناك فرقا شاسعا ما بين الهوية والجنسية.

دفاعا عن الانطباعية

من أكثر الانتقادات التي سيقت تجريحا بالنقد الفني الذي يعتمد على انطباعات هو أنه غير متخصص، أو شخصي، أو متسرع لا يقف إلا عند النظرة الأولى، والأنكى من ذلك اتهامه بأنه لا يقوم إلا “بتغطية صحفية” سطحية، لا سيما إذا ظهر في الصحف اليومية.

الآن، لم يعد مقبولا أن نحط من أهمية الانطباعية، وبات علينا أن نعطي لـ”النظرة الأولى” حقها. فهي باب النفق الذي يأخذ بالناقد إلى باطن أو مستبطنات، ولا سيما إلى التداعيات المختلفة لأثر العمل الفني المعاصر في نفس القارئ، حتى وإن كان ذلك بشكل خاطف وغير “متسرع″. فشتان ما بين الاثنين. يجدر الذكر هنا أن ثمة أعمالا تجهيزية/ديجيتالية معاصرة تم بناؤها على تواتر وتسارع المشاهد التي عرضت أمام المشاهد، في دعوة إلى التقاطه ما يمكن أن تعنيه له من معان. “سرعة” أساسها نظرية “قصر مدة الانتباه” التي ارتبطت سابقا ولا تزال بعالم الإعلانات. اختفت هذه الأعمال الفنية مع انتهاء فترة العرض، ولكنها باتت شهيرة عبر “صورتها” المحفوظة افتراضيا.

الارتكاز على الانطباع وعلى النظرة الخاطفة/الحاذقة بات جزءا أساسيا من التجربة الحياتية والنقدية، وبالتالي أدى إلى تشكيل وتعميم مشهد فكري قد لا نرضى به، أو حتى نسعى إلى “مشاكسته” ولكننا لن نكون في وهم نفي حضوره.

الانطباعية في قراءة العمل الفني لا تعني الفوضى ولا الاستخفاف بالعمل الفني بل هي محاولة غير أكاديمية مؤطرة بقوانين جامدة، لتفكيك العمل الفني، أو الإعلان تحت طائل المسؤولية بأنه ليست هناك أي شيفرة تنتظر من يُفككها، لا بل لا وجود لعمل فني من أساسه.

وغالبا ما يصار إلى جمع الانطباعية في النقد مع خاصية السرد الأدبي، وكأنها تهمة شنيعة. فيكثر القول بأن للفن لغته البصرية وأن أكثر الفن لا يسرد قصة ما، بل يريدنا أن نستمتع بالخطوط والأشكال والأبعاد والألوان، لأنها العناصر المؤلفة للعمل الفني ووحدها يجب أن تكون أساس كل نقد فني.

قد تكون البراعة اليدوية أو بلاغة التقنية هي من الخصائص المهمة وخاصة في فترة ما قبل الفن الحديث والفن المعاصر. أما اليوم فما يريد العمل البصري أن يقوله أو يصمت عنه هو بيت القصيد.

كل نص بصري مهما كان تجريديا هو نص سردي، ولا يستطيع الإفلات من تأويل المُتلقي له. وهو في قرارته إما نص سردي يجاهر بسرديته حتى وإن قارب الرسوم التوضيحية (وهذا فن من نوع آخر) وإما هو يشير إليها وامضا من تحت بضع طبقات من الوهن أوالتخفي المتعمد.

وطالما أن الفن يعكس عصره فمن سابع المستحيلات أن لا يكون سرديا بطبعه حتى قبل أن “ينظر في أمره”، أي نقاد فني. تعتاش البصريات والكلمات من بعضها البعض بصمت متواطئ، لتنمو على بعضها البعض كالطحالب على صفحة البحر. غالبا ما تكون نتيجة هذا النمو نصا نقديّا أفضل بكثير من أي نص يتبع وصفة تستخدم كل اصطلاحات الفن التشكيلي أو غيره من الفنون البصرية، بينما هو مجرد حفر وردم، ورصف لكلمات طنانة أو منمقة داخلها خواء وخارجها يود لو يُنظر إليه على أنه السهل الممتنع، حتى أن بعض تلك النصوص تبدو وكأنها تصلح أن تكون لمعظم الأعمال الفنية، وليس لعمل دون آخر!

إن لم يكن هناك أي جديد يضيفه أو يستنبطه الناقد الفني من تجربة النظر في أي عمل فني، فربما من الأفضل له ألا يكتب، لأنه ليس بمُشرف على أي هول كان، لا من قريب ولا من بعيد.

قد يقول البعض إن المسار الذي بدأ فيه الفن يبث رسائله المُشفرة وغير المشفرة ازداد تعقيدا، حتى أن بعضه بات ينسجم كليا مع ما ينطبق عليه نظرية “الفن للفن”. لكن حتى هذا الأخير بات يتمتع بخاصية سرد نخبوي لا يستسيغه الكثيرون، وإن أحبه أحدهم فأغلب الظن لأجل ذكرى دفينة في نفسه ربما شكلها وهو لا يزال في رحم أمه وجاءت الفرصة المناسبة لكي “يسردها”، أي الذكرى، وقوفا أمام العمل الفني غير المعني “ظاهرا” إلا بجمالية الصياغة الفنية.

لا مجال للشك بأن الفن المعاصر هو الأقدر على أن يعبر جدار صوت السرد الآحادي، فقط لأنه وهو في أوج تشكيليته ووضوح هيئاته هو فن مفهومي يخاطب العقل وليس أبدا من دون أن يغمز من قناة القلب.

يمكن اعتبار “الفيديو آرت” من أكثر الفنون المعاصرة اتباعا لمنطق سردي وإن كان في أحيان كثيرة يعتمد خطا زمنيا مخالفا للمعتاد، أي حينما يعبر المساحة الزمنية عموديا وليس أفقيا، حينها يبدو وكأنه استطاع إيقاف الزمن، ليستعيض به عن زمن آخر، هو زمن السرد.

إيقاع العصر

يرى الشاعر الإنكليزي بيرسي شيلي أن الشعر هو “القادر على جعل الأشياء العادية غير عادية. قادر على أن يزيح الأنظار عن رتابة العيش ليفتح لها حقولا جديدة من الرؤيا”. ربما هذا هو دور الفن عموما، ودور الناقد الفني المعاصر. هما يتقاسما مهمة واحدة، مهمة اختلاق معادلات جديدة وفاعلة تعيد الألق، وإن جاء على شكل ومضات إلى نظرات الآخرين.

وإذا كان “التسرّع″ من التهم التي نالت ولا تزال تنال من النصوص النقدية المعاصرة، لا سيما تلك التي لا تعتمد التنميق الكلامي، وينحصر حضورها ببضع مئات من الكلمات في الصحف اليومية، فهي في العديد منها نصوص “بطلة” لأنها تشبه عصرها، وقد استطاعت أن تتكيف مع الزمن الخاطف، واستطاعت أن تظهر جليّة على بحرالعصر الهادر والغاص بكم هائل من النصوص والصور. يكفي أن نتذكر زمن شارل بودلير الشاعر والناقد الفني الفذّ الذي سبق زمانه بأشواط. في ذلك الزمن كانت الصحف أبرز حضورا من الكتب وتعج بالمقالات المكثفة والسريعة عن الفن والفنانين. وكان مقال واحد عن فنان ما قادرا على الثناء عليه، أو القضاء على مسيرته الإبداعية.

هذه الحالة لم تعد ممكنة في هذا العصر لا سيما مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن يستخدمها الفنان أو “مدير أعماله” لكي يروج نتاجه الفني أمام الجمهور وأمام هواة اقتناء الأعمال الفنية، ولا ننس سلطة المال الدعائي التي تتحكم بتسويق فنان على حساب آخر.

لو أن النقد المعاصر لم يعد نقدا بالمعنى المتعارف عليه تقليديا فهذا لأن العصر هو أيضا لم يعد كما كان. أصبح النقد الفني في الكثير من الأحيان يوّد أن يتفادى “المشاكل” المترتبة على الكتابة بصدق. فبات لا يتخطى كونه عملا “تبخيريا” لاستمالة هذا الفنان أو ذاك، أو إرضاء لهذا المنبر الصحافي أو ذاك.

لكن هذا لا يعني أن النقد الفني اختفى كما اختفى الفن وفق جان بودريارد. ملامحه تغيرت ولكنه لا يزال حاضرا ومبلورا لصور جديدة للعالم وعنه، وإن كنا لا نتوافق دائما على ما يتم تكريسه محليا أو عالميا.

ربما أفضل ما يمكن أن يعتمده الناقد الفني المعاصر هو أولا أن يتفادى بأي شكل كان الكتابة عما لا يحرك فيه أي شعور، فرحا كان أم غضبا، وحبا كان أم كرها. ولتكن في الكتابة النقدية نفحة شعر لتستقر حيث يمكنها أن تأخذ النص البصري أبعد مما أراد الفنان، أو إلى ما أراد الفنان أن يقوله، أن يسرده في عمله الفني، إن كان ذلك بشكل واع أو غير واع. ربما إن أبلغ مثال على هذا النوع من النقد ما قدمه الشاعر والناقد الفني الفرنسي شارل بودلير في وصفه لعملاق الفن أوجين دولاكروا، قال “دولاكروا، بحيرة من الدماء عند زيارة الملائكة”. من يعرف عمل دولاكروا سيدرك حتما بلاغة هذا القول الشعري/العلمي الذي يفكك ويعيد بناء أعمال الفنان أمام كل ناظر إلى أعماله.

لا يمكن اعتبار كل نص يعتمد على قاموس المفردات التقنية، وعلى وصف بصري لنص بصري لا يحتاج أساسا إلى من يعقب على بصريته، نصا نقديا كما لا يمكن أعتبار صبّ المعلومات المبدئية عن فنان ما، نصا نقديا، في حين لا يعدو هذا النص النقدي المزعوم أن يكون عملا توضيحيا تقاس أهميته وفق معايير مختلفة.

أما من يريد أن يكتب نصا نقديا فربما كان عليه أن يتعاطف مع ما رآه شارل بودلير في “البصري”، وإن هو لم يتبنه كليا. قال بودلير هو “شغفي الكبير والوحيد والبدائي”. كتب بودلير هذه الكلمات دفاعا عن نفسه عندما وجهت إليه شتى الاتهامات لدى إصداره “أزهار الشر”، وللمفارقة هذا الكتاب هو كتاب شعر وليس كتابا عن النقد الفني.

لوحة: نهاد الترك

أما الأمر الثاني الذي يجب أن يعتمده الناقد الفني المعاصر فهو أن يحاول أن يكون “محضر خير” إذا صحّ التعبير، أي أن يسلط الضوء على مواطن القوة في العمل الفني، ويكتفي بمرور الكرام على نقاط الضعف. وإن وجد ما يكرهه أو يغضبه، فليقل رأيه ولكن كمن يسير في حقل من الألغام، مدرعا بالإفصاح عن الأسباب والإثباتات التي أدت به إلى تكوين رأيه السلبي. أما إن لم يجد أي شيء يستحق الكتابة، فليس عليه أن يكتب إطلاقا.

محظوظ هو الناقد الفني أو الكاتب عن الفن لو كان متعاقدا مع جريدة أو مجلة تترك له فرصة اختيار المعارض والأعمال الفنية التي يحب أن يكتب عنها. من دون حب لا يمكن تقديم كتابة جديدة أو جيدة عن أي عمل فني، وربما عن أي موضوع آخر.

دفاعا عن الكذب

قالت الكاتبة الإنكليزية جانيت وينترسون “فقط الحمقى يحاولون اعادة بناء عناقيد العنب من زجاجة النبيذ”. يمكن القول هنا، إن كان ثمة من يحاول ويتمكن من ذلك، فهو من دون شك، الناقد الفني المعاصر. ولعل من أروع ما كتب عن عملية “التفكيك” بوصفه عملية إعادة بناء، هو المفكر المعاصر جاك ديريدا. التفكيك في عرفه، كما يجب أن يكون في عرف “المُشرف على الهول”، هو عملية قراءة لأي نص يراد فهمه، وفي هذه الحالة، النص البصري/ الفني عملية غير بسيطة يترك فيها العابر في “جسد النص أثره الخاص”.

ويعقب ديريدا بهذه الكلمات الدامغة عن معنى تفكيك أي نص، “التفكيك يحدث من الداخل، فقط من الداخل. يستحيل أن يحدث ذلك من الخارج”. أما ما هو مرجوّ من عملية التفكيك فهو، أيضا بالنسبة لجاك ديريدا، إثبات أن النصوص على أشكالها تتخطى بكثير حدود تأويلٍ أول، وهي في أحيان تقدم تأويلات متناقضة.

في هذا السياق يقدم ديريدا هذا المثل “لن نكون متأكدين بأن زوج الحذاء الشهير الذي رسمه الفنان فنسنت فان غوغ هو فعلا له. مما يجعل أي دراسة واحدة لهذا العمل أمرا غير ممكن”. أما الفيلسوف هايدغر فيقول في مسار حديثه عن “الجمالية الحدثية” في ما يتعلق بشكل خاص بالفرق ما بين صورة الشيء والشيء ذاته، مستخدما أيضا لوحة فان غوغ عن الحذاء “إن ما صنعه فان غوغ هو لوحة عن زوج أحذية وليس حذاء يمكن انتعاله”. التباس بالتباس ما بين الأشياء وصورها، وما بين الصور ومعانيها، مما يجعل كلاما ككلام الفنان التشكيلي الفرنسي بول سيزان، الملقب “بوالد الفن الحديث” كلاما مرفوضا لدى مفكر معاصر بأهمية جيل دولوز. يقول سيزان في معرض حديثه مع أحد الفنانين الأقل منه خبرة “أدين لك بتقديم الحقيقة من خلال أعمالي الفنية، وهو ما سأقوم به”. خرافة من الدرجة الأولى لو أخذنا ما قاله الفنان بشكل حرفي. فثمة تناقض كبير بين ما قاله الفنان وما قدم من أعمال “كاذبة”، ولكن “صادقة”، وفق النظرة التفكيكية والتأويلية التي ألقاها الفنان على المشاهد الطبيعية.

“التناقض”، كلمة جوهرية في عالمنا المعاصر وغالبا ما ينظر إليها على أنها مرادفة مبطنة لكلمة “كذب”. مما لا شك فيه أنه عندما ينطبق ذلك في عالم السياسة- وهو يحصل كثيرا في السنوات الأخيرة- يتصل الأمر، ويجدر به ذلك مباشرة باللا أخلاقية وبكل ما يدور من حول هذه الكلمة من مفردات. ولكن في الفن، ولا سيما في قراءة الفن المعاصر تكاد هذه الصفة، صفة التناقض أن تكون ضرورية في تركيبة الناقد الفنية، النفسية والفكرية، وإلا كيف يمكنه أن يقف مطلا دون إعياء من علو شاهق على هول العالم المعاصر وإفرازاته؟ لنعتبر “التناقض” سمّا ولكنه أيضا حصانة ضد التخشّب.

لعل قدر الناقد الفني أن يكون أربعة فصول في فصل واحد. فصل هو خامس وملتبس الهوية.

تأكيدا على أهمية القدرة على استيعاب وإدراج التناقض وأثره في نص واحد، فنيا كان أم نقديا، نذكر ماذا قاله المفكر الفرنسي جاك رانسيير عن التناقض “يستحيل ألا نرى في التناقض السمة الأساسية للحياة المعاصرة”. فضلا عن ذلك يؤكد علم النفس المعاصر غياب الترابط المنطقي الذي تتصف به الكثير من العمليات العقلية البشرية، ويرفض تشبيه عقل الإنسان “بجهاز كومبيوتر” ويعتبره بدلا عن ذلك “حقلا كميا” و”كونا من الفرضيات”.

التاريخ يعيد نفسه؟

ربما لأجل ذلك مقابلة الفنان والحوار معه حول أعماله بات أمرا ملحا أكثر من قبل. وأيضا، ربما لأجل إحاطة أفضل لهذا “الكون من الفرضيات” تكثر النصوص التوضيحية التي تعدها صالات العرض لترافق تقديم الأعمال الفنية لا سيما التجهيزية منها والمفهومية. كما يكثر الفنانون الذين يقدمون بالتزامن مع عرض أعمالهم ما جرى على تسميته بـ”النص البياني للفنان” أي “أرتسيت ستيتمنت”. هذا لأن الأعمال الفنية تتجه أكثر فأكثر إلى نوع من سردية تعود أدراجها إلى اعتماد نظرية الومض واستخدام الرموز والإشارات.

هنا يمكن أن نقرأ، تحت ضوء آخر، كلمات جاك ديريدا، “أي تفكيك لنص يجب أن يحدث من الداخل”. يجب أن يتمكن المُشرف على الهول، هول ذاته أولا، لأنه كائن معاصر استثنائي أسرت له رعونته في أن “يحاول إعادة بناء عناقيد العنب من زجاجة النبيذ”، أن يشرف على هول الفنان الذي هو في صدد قراءة نصه. أن يشرف على داخلية الفنان الذي أخرج أعماله إلى العلن ولكن، فقط، لكي يدخل عبرها إلى مغاور نفسه في حميمية مُستعادة يُعتقد أن العالم قد خسرها تماما، اقتضى أمر دخوله إلى سراديب نفسه أن يكتب نصا بيانيا مرافقا لأعماله، نصاً أشبه بقطع الخبز التي رماها صبيّ الحكاية الخرافية، ولكن ليس لكي يتمكن من العودة أدراجه، بل لكي يتمكن الآخر/ المُشاهد/ الناقد الفني من أن يصل إليه وإلى ملحمته الشخصية المتقوقعة داخل غابات معتمة وموحشة كغابات الحياة المعاصرة التي لا تختلف كثيرا عن عدوانية الغابات التي تتخابط أشجارها في نفس الناقد الفني “المشرف” على نص الفنان.

أزهار بودلير

غالبا ما يكون الناقد الفني، أو المشرف على الهول، فنانا أو شاعرا. قيل قديما إن الناقد الفني هو فنان أخفق في مساره الفني. في ذلك الكثير من الإجحاف. فكيف يمكن لفنان أن يكون فنانا دون أن يمتلك في صميمه زوبعة “تحريف” المشاهد العامة والخاصة والقدرة على الغوص في المحظور؟ هذا إذا لم نقل إن العديد من الفنانين يمارسون النقد والفن في الآن ذاته كمن يسكن حقلا مغناطيسيا/ تفاعليا تتبلور فيه الممارسة الأولى من رحم الأخرى، والعكس بالعكس. كما أن كل فنان هو ناقد فني. حواره مع عمله وتفكيكه لعمله أعمال سرية غالبا لا تفتقر إلا لصفة التعميم وأهداف النشر، وأحيانا تفتقر لحرفة الكتابة، والدراية بالمصطلحات التي يمكن أن يتعلمها متى شاء ذلك.

في زمن شارل بودلير كان هناك الكثير من الشعراء الصحافيين، والأدباء الصحافيين، والفنانين الصحافيين. كانت المصاعب المادية من أهم الأسباب التي شكلت هذه الإزدواجية المتواطئة في مسارهم الحياتي. ربما إننا ندين لهذه المصاعب التي دفعت بالشعراء والأدباء والفنانين، إلى أن يكونوا صحافيين يكتبون عن الفن. ربما حينها سنرى أيضا “رساموا الأحد” بمنظار جديد غير الذي أظهرهم كهواة غير جديين، فيكتب عنهم خارج هذه النظرة الضيقة والنمطية. كثير من هؤلاء “الهواة” لا يتمتعون بالجرأة الكافية لكي يضربوا عرض الحائط بالأمان المادي، فتجدهم يسرقون الوقت سرقة لكي ينصرفوا إلى شغفهم الفني، ممارسة فنية وكتابة عن الفن في الآن ذاته في أحيان كثيرة. كثر منهم يمارسون أعمالا يكرهونها كي يستطيعوا أن يؤمنوا لفنهم أجنحة تأخذ بهم إلى حيث يشاؤون بعيدا عن الهواجس المادية. على كل نقد فني أن ينمو كما نمت أزهار بودلير “الشريرة” بمعزل عن القيود. تربة من نار، ماء من حب، فأوكسجين لرئات العالم الملوثة بالكراهية واحتقار التفاصيل.

أن تكتب عن الفن هو أن ترى الكلمات ألوانا وخطوطا وظلالا، ونورا، وزمنا بصريا ومساحة زمنية، وأن ترسم نصوصا/ أعمالا فنية، وكأن الحياة ستنتهي الآن.