صوت النقد في الجزائر

سانت – بوف بين العتمة والنّور

الجديد  سعيد خطيبي [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(64)]

لوحة: ريم يسوف
في الجزائر سؤال واحد يتكرّر: هل يوجد نقد أدبي؟ نعم، هو موجود، خلف أسوار عالية، في مدرّجات التّدريس بالجامعة، في قاعات المُحاضرات، في جلسات المؤتمرات الدّورية، يتوارى بين مقاعد المقاهي، وفي أركان الحانات، سنجده في رسائل جامعية، مُكدّسة في مكتبات عتيقة، لا تصل إليها الأبصار، وفي جلسات حميمة أو نميمة، ترفض الانتقال من الشّفهي إلى المكتوب. النّقد الأدبي، في الجزائر، يبدو خجولاً، حذراً، متوجّساً، غير قادر على الخروج إلى النّهار، منعزلاً، يرفض الدّفاع عن نفسه، مكتفياً بصمته، تنقصه جرأة، ولا يمتلك أدرينالين المُقاومة، أو ربما تعرّض، في مرّات ماضية، إلى لدغات، شلّت يداه، تضاعفت خيباته، حتّمت عليه الانسحاب إلى الدّاخل، الاكتفاء بمخاطبة نفسه في مونولوغات مطوّلة، وتجنّب مواجهة القارئ.

مصطلح “النّقد الأدبي” جزائرياً يحتاج إلى وقفة. ما المقصود منه وماذا نُريد منه تحديداً؟ في الغالب، هو يُحدّ في فضاء ضيّق، في مقاربات أدبية لكتب أو لكتّاب، في ملامسة شذرات من التّاريخ الأدبي للبلد، وفي تحديد الضّروب (شعر، قصّة، رواية.. إلخ). هكذا يُضيّق النّاقد الأدبي أفق النّظر، ويحدّد واجباته في مهام صغيرة، سبقه إليه الكثيرون، لا يذهب نحو مُساءلات أعمق حول ماهية النّقد الأدبي، وطرق تطويره، ويجد نفسه -لا إرادياً- يُراوح مكانه، في اختلاق وإعادة اختلاق كتابات نقدية، لا تخرج من الدّائرة “التّعليمية”، كما لو أن عمله تحدّده المناهج الأكاديمية والإدارية، لا تسكنه روح إبداعية. يصير النّاقد، من تلقاء نفسه، صدى لما فُرض عليه، يُمارس رقابة ذاتية على نفسه، ولا يكاد يخرج من حيّز ما قرأ وما سمع، وما طُلب منه أن يفعله. نحن نعلم أن الجامعة الجزائرية قد فشلت في تطوير نفسها، وصارت تنفر من الإبداع، قطعت صلتها بمحيطها القريب، تحوّلت إلى ما يشبه جزيرة معزولة، ولكن هل النّقد الأدبي عليه أن يخضع لهذه المُعادلة؟ أليس من واجبه أن “يتمرّد” على سياسات خنق الإبداع، ويوسّع من حدود مناوراته؟

وظيفة النّاقد لا تتوقّف عند قراءة النّص، نثراً كان أو شعراً، وإعادة عرضه، بل الوظيفة الأهم تبدأ من التّساؤل عن كيفية الكتابة عنه. كيف نخلق نصاً آخر موازٍيا له، وعن طريقة مُقاربة الخطاب الإبداعي، بغض النّظر عن شكله أو لونه. كلّ نصّ إبداعي له قدرة على استفزاز تعليقات وآراء، فما كتبه –مثلاً- عبدالحميد بن هدوقة (1925-1996) يحتمل أن تنتج عنه معاجم من التعليقات ومن الانطباعات، وقد يجد النّاقد الأدبي، المكتفي بالمنهج التّعليمي، نفسه أمام سؤال: ما الجدوى؟ سيستصغر دوره، ويشعر بالإحباط، بحكم أنه قد لا يقدّم جديداً في التّعامل مع نصّ ما، مع تركة كاتب راحل، مقارنة مع ما كُتب عنه سلفاً!

هناك رأي يقول إن النصّ الأدبي يُشبه جسد شخص مريض، يستوجب تدخّل طبيب/ناقد، ليس للعلاج، بالضّرورة، ولكن للفحص ولتشريح الحالة، ليصل، في الأخير، إلى صياغة حُكم/مُعاينة/قرار بخصوصه. سنجد أن النّقد الأدبي، ومع التّراكمات، يشكّل ضرباً أدبياً مستقلاً، هو نوع مختلف عن البقية، لا يقلّ أهمية عن الضّروب الأخرى، فحين يقترب ناقد من نصّ ما، فهذا لا يعني أنه يقوم بدور ثانوي، إضافي، هو ليس أقلّ درجة منه، بل هو في نفس مرتبة الشّاعر أو القاصّ أو الرّوائي، وبصيغة أخرى هو “نظير” لهؤلاء، فالنّاقد يقف في الرّصيف المُقابل للكاتب، في نفس العلوّ ونفس المستوى. الفرق الوحيد هو شكل تحرير مادته: مقالات، دراسات أو مذكّرات تخرّج. رغم أن النّقد لا يقوم على ذاته، ويحتاج إلى أرضية/النصّ الإبداعي، فحين يكتمل سيصير نصاً مستقلاً، هو يحتاج إلى عكاز يتكئ عليه، قبل أن يحقق ذاتيته، وينصرف لحاله، ويقطع الحبل السّري، مع النّصّ الأدبي، الذي انطلق منه.

إن انسحاب النّاقد الأدبي المتخصّص، في الجزائر، وانعزاله، ومع توسّع نشاط وسائط التّواصل الاجتماعي، سمح بظهور وتطوّر “النّاقد الاستعجالي”، وهو القارئ العادي، الذي يميل لتغليب الانطباع على المنهج، الذي يحكم انطلاقاً من ذائقة آنية، ولا يحتكم إلى النّظرية، ولكن هذا النّاقد له خصوصية وأفضلية، فآراؤه -غالباً- ما تكون وفيّة لما يفكّر فيه، هو يصدر رأياً انطلاقاً من إحساس، من اقتناع، وكثير من الكتّاب باتوا يثقون في ذائقة القارئ/النّاقد الاستعجالي، ويبنون عليها شكل تلقي نصّ ما لهم. وتبقى الحلقة الوسطى، بين النّاقد المتخصّص، المنسحب خلف أسوار الجامعة أو المختبئ في مقاعد المقاهي، والنّاقد الاستعجالي، هو النّاقد الإعلامي. وهو نوع من النّقاد، الذين خرجوا من ضلع الأدب، يكتبون عن نصوص ما وهم -في الدّاخل- يقارنونها مع نصوص لهم، يكتبون عن كتب، ويحاولون ردم بعض الهوّة التي اتّسعت، في الجزائر، بين النّاقد/الأكاديمي والقارئ. لا ننكر فضل الصّحافة على الأدب، في البلد، فلولا جهد بعض الصّحافيين، لدُفنت كثير من النّصوص المهمّة، ولم تصل يوماً إلى القارئ. بعض النّقاد الجامعيين، الرّاغبين في فكّ الحصار على أنفسهم وعلى زملاء لهم، يلجأون أيضاً للصّحافة، لنشر قراءات لهم، لكنه نشاط موسمي، لا يعرف الالتزام، يظهر في فترات، على غير تحديد، وسرعان ما يضمر، ليعود النّاقد الإعلامي، ويجد نفسه وحيداً، في مقابلة النّاقد الاستعجالي، على وسائط التّواصل الاجتماعي.

لوحة: نهاد الترك

في ظلّ القطيعة النّقدية، تشكّلت، في السّنوات الأخيرة، ما يُطلق عليها “نوادي القراءة”، وهي تجمّعات لقراء، يطلقون أحكاماً على نصوص قرأوها ويصيرون “نقاداً استعجاليين”، قد يتحمّسون لكاتب ما أو كتاب ما، يدافعون عنه بشغف، وينقلون مشاعرهم على صفحات في الفايسبوك أو على حسابات تويتر، وقد لا يجدون ما يريدونه في كتاب ما، فيعلّقون عليه، بشكل سلبي، وهذا ما يحدث خصوصاً في الموقع الشّهير “غود ريدز″، حيث الاستعجال يحكم ردود أفعال المشتركين في الموقع، وتعليقاتهم على الكتب. لكن لهذا النّوع من النّقد أهميته، فهو يمثّل “بارومتر” مصغّر عن تلقي كتاب ما، في الأوساط القرائية، وهو مصدر “شائعات” أيضاً، لإثارة الانتباه إلى كتاب، لم يلق حظّه من التّداول في الأوساط النّقدية المتخصّصة.

كلّ كاتب هو بالضّرروة قارئ، لهذا لا يمكن أن نتنكر لنقد كتّاب عن كتب الآخرين. لكن هذا النوّع من النّقد ليس خالياً من الذاتية، فالكاتب يقرأ كتاباً، ويعلق عليه من منظور شخصي، قد يتّفق معه ويقدّم فيه انطباعاً حسناً، وقد يحصل العكس. هنا تصير الحاجة للنّقد الأكاديمي الذي من خصائصه نسبية الأحكام وعدم السّقوط في مدح أو الإساءة لنصّ ما. وظيفة النّاقد ليس أن يعبر عن إعجاب أو عدم إعجاب بنصّ ما، بل في قدرته على منح حياة ثانية للنّص، في تقريبه ممن لم يطّلع عليه، وإقناعه بالفحص الذي قدمه للنصّ. كثير من النصوص الخالدة، التي استمرت في التّاريخ، كان للنقد سبب في استمرارها، وتفادي موتها السريري، هنا يتخلص الناقد من دور القاضي المطلق للأحكام، ويصير مرشداً للانفتاح على النصوص التي تخدم القارئ، بغض النظر عن الموضات الموسمية، دوره هو أن يمنح حقّ الكلام للنصّ نفسه، أن يقول ما يُريد النصّ قوله.

في الجزائر، النقد يكاد لا ينفصل عن الشّخصنة، عن البحث في “نوايا” الكتّاب، والرّبط بين حياتهم الخاصّة وكتاباتهم، نُحاسب الكاتب نفسه قبل الحديث عن نصّه، لو طبّقنا هذا المنطق على كتّاب عالميين لكانت النّتائج وخيمة، أندري مالرو –مثلاً- كان متورّطاً في فضائح تهريب مقتنيات تراثية، لكن هذا لم يمنعه من الوصول -أكثر من مرّة- إلى ترشيحات نوبل للأدب، وأن تترجم رواياته، وتُباع بأرقام مهمّة في المكتبات، ويتلقاها النّقد بشكل حسن. هذا المنهج النّقدي، المُمارس في الجزائر، يذكّرنا بما ذهب إليه النّاقد سانت-بوف(1804-1869)، الذي وصل إلى عضوية الأكاديمية الفرنسية، كان أشهر نقّاد عصره، واشتهر بشخصنة حروبه النّقدية على كبار الكتّاب آنذاك، مثل بلزاك وبودلير. لكن، في الأخير، ومع مرور السّنوات، لا أحد صار يذكر سانت-بوف، لكننا مازلنا نقرأ لبلزاك وبودلير.