نظام بطريركي

الجديد  ميّة الرحبي [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(80)]

لوحة: محمد عرابي
ترجع دونية المرأة في المجتمعات العربية إلى النظام البطريركي الذكوري الذي قام على وجود طبقة مسيطرة يتعاضد فيها الاستبداد السياسي والذكوري والديني القائم على القوة والسيطرة لتشكيل بنية هرمية تضع النساء والضعفاء والمهمشين في أسفل السلم الاجتماعي، حيث الأقوى فيه يمتلك ويضطهد الأضعف. فكانت العائلة تتألف من الرجل الذي يشكل رأس العائلة ويمتلك النساء والأطفال والعبيد فيها. تلك العائلة شكلت نواة المجتمع الذي قام على نفس الأساس وبنفس التراتبية.

ورغم تطور البشرية بقي المفكرون والفلاسفة حتى بداية عصر التنوير، بل حتى منظرو الثورة الفرنسية التي نادت بالحرية والعدالة والمساواة كجان جاك روسو، يعتبرون المرأة غير كاملة الأهلية ووظيفتها البقاء في المنزل وخدمة الرجل والأسرة.

بعد ذلك بدأت الأصوات النسوية تتعالى، الأصوات التي تنادي بحقوق المرأة سواء نساء أو رجال، كماري وولستونكرافت التي نادت في نهايات القرن الثامن عشر بحقوق المرأة، أو ماركس وأنجلز اللذين حللا الأسباب التاريخية لسيطرة الرجل على المرأة وناديا بتحريرها وانعتاقها من سيطرة الطبقة الحاكمة وربطا تحررها بتحرر الطبقات المستغَلة من سيطرة الطبقات المستغِلة. وتتالت بعد ذلك كتابات المنظرات النسويات اللاتي بدأن يحللن واقع المرأة وسبرن كل التأثيرات التي أدت إلى واقع التمييز والاجحاف الذي يطبّق عليها، والذي تغلغل في تركيبة البنى المجتمعية والتاريخ واللغة والموروث الشعبي.

وقد فرض تطور شكل العائلة نتيجة تعليم النساء وخروجهن إلى الحيز العام ودخولهن سوق العمل واستقلالهن الاقتصادي تغيرًا في أشكال العلاقة داخل الأسرة، وقاد بالتالي إلى تغيير القوانين التي تنظمها إلى شكل أكثر عدالة ومساواة، إلا أن التأثيرات التاريخية لقوامة الرجل على المرأة لازالت تطبع القوانين والعلاقات الاجتماعية في المجالين العام والخاص في كثير من الدول، لا سيما الدول العربية.

الدراسات الجندرية

للأسف لم تنل الدراسات الجندرية حقها من الاهتمام في الثقافة العربية، وقد أسست منظمتنا “مساواة” دار نشر اختصت بنشر الكتب النسوية تحديدًا، لنكتشف بعد تأسيسها أن أمهات الكتب النسوية في العالم لم تترجم إلى اللغة العربية، أو ترجمت ترجمات تجارية دون أخذ حقوق ترجمتها ما أتاح لمترجميها تغيير وحذف ما يريدونه منها فأتت هذه الترجمات مبتسرة شوهاء، كما في كتابي “الجنس الآخر” لسيمون دي بوفوار أو “المرأة المخصية” لجيرمين غرير. ما جعلنا نبدأ مشروعًا طموحًا واستطعنا رغم إمكاناتنا المحدودة ترجمة أمهات الكتب النسوية التي كانت المكتبة العربية تفتقد إليها، ومن ثم بدأنا بإقامة ورشات عمل ومؤتمرات حاولنا خلالها تحريض المفكرين العرب على أخذ منظور الجندر بعين الاعتبار في أبحاثهم ودراساتهم، ولا زلنا في البدايات. فمفهوم الجندر لازال مفهوما ضبابيًا لدى أهم المفكرين والمثقفين العرب، ولم يأخذ أيّ حيّز من تفكيرهم واهتمامهم وبقيت طروحاتهم في أي مجال مبتسرة تفتقر إلى النظرة الشمولية لمشاكل الإنسان والمجتمع، كونها لم تتطرق إلى ذلك الجانب فأيّ طرح سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي لا يأخذ هذا المفهوم بعين الاعتبار يبقى طرحًا قاصرًا عن الإحاطة بأي قضيّة أو مسألة من كافة جوانبها. وللأسف لازلنا نعاني من ممانعة شديدة من قبل أهم المفكرين العرب لتناول هذا الجانب في أبحاثهم أو تخصيص أبحاث ودراسات تعالج هذه المسألة.

هنالك مسألة هامة لا بد من طرحها هنا، فمن يقول بأولوية حل الأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية العربية دون مراعاة المنظور الجندري يكون واهمًا ومماثلًا للأنظمة الاستبدادية التي كانت تتذرع بأولوية النضال الوطني على حقوق الإنسان، فلا مستقبل ولا تنمية دون إعطاء كل مواطن حقه فعندها فقط يمكن تحرير طاقاته التي ستسهم في بناء الوطن وحل مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بلورة خطاب ثقافي

الطريق نحو بلورة خطاب ثقافي بديل شاق طويل يبدأ بتلمس حاجات المجتمع وعلله وسبر احتياجاته وكيفية النهوض به، وهنا لا بد أن يصطدم العقل المفكر بمعضلة شلل نصف المجتمع وعدم الاستفادة من طاقاته وإمكاناته، إن كان عقلًا يستند إلى منطق تحليلي متماسك. وهنا لا بد من تفكيك الخطاب الديني والموروث الشعبي. وقد حاولت ذلك في كتابي “الإسلام والمرأة: قراءة نسوية في قانون الأحوال الشخصية”، الذي اعتمدت فيه قراءة سياقية تاريخية للدعوة الإسلامية وسياق تطورها، واستخدام السلطة القائمة للنص الديني لشرعنة الاستبداد السياسي الديني الذكوري، وإضفاء شرعية مقدسة على وجود المستبد وأحقية هيمنته وسيطرته، بانتقاء أو اختراع أحكام دينية انتقائية تكرّس سيطرة السلطان على الرعية، والرجل على المرأة، وكان دائما هنالك رجال دين جاهزون لفتاوى تخدم السلطة القائمة.

لا بد من خطاب جديد يعتمد على ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من اتفاقيات تضمن حقوق الإنسان ودول تقوم على أساس المواطنة المتساوية التي لا تميز بين المواطنين على أي أساس، ودستور علماني يفصل الدين عن الدولة، كي نبدأ بنشر ثقافة بديلة تحارب العنف والتمييز المجتمعي ضد المرأة في المجالين العام والخاص، وهذا يتطلب حركة ثقافية تضع المنظور الجندري بعين الاعتبار عند دراستها للمجتمع وسبل النهوض به، سواء بتغيير مناهج التعليم أو الإعلام السائد. إذن لا بد من حركة نهضوية ثقافية سياسية مجتمعية.

الحركات النسوية

هنالك فهم خاطئ لطبيعة الحركات النسوية. الحركة النسوية هي حركة سياسية تهدف إلى استبدال النظام البطريركي الذكوري القائم بنظام أكثر إنسانية وعدالة، يساوي بين البشر ولا يميز ضدهم على أيّ أساس، نظام يعتمد العدالة والمساواة، وينتفي فيه التسلط من قبل فئة على أخرى، ما يقود إلى النزعات والحروب. هو نظام يقوم على استبدال الأدوار الجندرية النمطية التي كرستها ثقافات النظام الذكوري بأدوار تتيح لكل إنسان ذكرًا كان أم أنثى أن يتمكن ويطور طاقاته خدمة لنفسه ومن حوله، في المجالين العام والخاص. فإذا كان هنالك فهم مختلف لطبيعة النضال النسوي من قبل النساء والرجال فذلك راجع لعدم فهم أسس الحركة النسوية ومبتغاها.

من الطبيعي أن تعمد أيّ سلطة إلى محاولة تشويه أيّ حركة يمكن أن تشكل خطرًا على البنى القائمة، لذا تعرض المفكرون الذين نادوا بإصلاح الأنظمة السائدة ودعوا إلى نظم أكثر عدالة وإنسانية إلى حملات من التحريض والتشويه والتكفير شنتها عليهم السلطات القائمة بكل ما تملك من قوة وأدوات تسخرها لخدمتها، ومنها مجموعة فقهاء وعاملين في الأوساط الثقافية والإعلامية يعملون في خدمة السلطة ويحاولون بشتى الوسائل أن يدخلوا في أذهان الناس أن أولئك المصلحين هم كفرة وملحدون وهراطقة وفاسدون، ما يجعل المجتمع ينبذهم ولا يتأثر بأفكارهم إلا في ما ندر.

لقد تعرضت الحركات النسوية كغيرها من الحركات المطالبة بحقوق البشر والعدالة والمساواة إلى حملة تشويهات مهمتها العداء للرجل والدعوة إلى الإباحية والشذوذ، حتى أن الباحث عن كلمة جندر بالعربية على الغوغل يجد بداية عشرات المقالات التي تصفه بالفسق والفجور والدعوة إلى الشذوذ الجنسي، لا بأنه أداة بحث تتحرى تقسيم الأدوار الاجتماعية بين النساء والرجال، والتأثيرات التاريخية الاجتماعية الاقتصادية السياسية عليها.

هناك تعتيم وتضليل يمارس على مفهوم النسوية والجندر، تماما كما يمارس على كل مفاهيم حقوق الإنسان واتهامها بأنها مفاهيم غربية لا تناسب مجتمعاتنا، رغم أننا ساهمنا كعرب في التطور الحضاري الإنساني، وفي وصول الحضارة الغربية إلى ما هي عليه اليوم، ومن يراجع كتابات ابن رشد يجد أنه طرح مفهوم الجندر ونادى بتحرير المرأة وتمكينها ومشاركتها في الشأن العام قبل المفكرين الغربيين بحوالي 800 عام.