زهية جويرو

أكاديمية من تونس


إخفاق عام

الجديد  زهية جويرو [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(86)]

لوحة: نهاد الترك
إن إخفاق العقل العربي في التخلّص من أوهامه بشأن المرأة وفي التحرّر من سجن مسلّماته عنها مظهر من بين جملة من المظاهر التي تتنزل في إطار حالة من الإخفاق العام، وأوضاع النساء وقضاياهن لا تنفصل عن الوضع العام في عموم البلدان العربية ولا عن قضاياها. فغياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتخلف المنظومة التعليمية وغلبة الثقافة التقليدية الجامدة والعجز عن التفاعل الخلاق مع مكتسبات العصر المعرفية والعلمية والسياسية وغيرها، كل هذه عوامل تكبّل العقل العربي وتجعله مرتهنا إلى بنية ثابتة أبرز أصولها التقليد والتسليم بالسائد من الأفكار والمواقف والتصورات، وعدم التمييز بين أصناف المعارف، إذ هو عقل يخلط بين الأسطوري والخرافي والديني والعلمي دون وعي واضح بالاختلافات الجوهرية.

يمكن إجمال العوامل الفاعلة في ما تعيشه النساء اليوم من أوضاع دونية وما يواجهنه من مشاكل تحول دونهن والتمتع بوضع المواطن ولا بما يضمنه من حقوق متعدّدة، في ما يلي: سياسيا: انعدام الديمقراطية وهيمنة أنظمة استبدادية تعادي كل إمكانيات التغيير العام وتعمل على إبقاء الأوضاع على حالها حتى تضمن لنفسها البقاء والاستمرار. فضلا عن طابعها الاستبدادي تتسم هذه الأنظمة غالبا بكونها أنظمة “ذكورية” في تشكيلها وفي مرجعياتها وهي في الغالب متضامنة مع أكثر القوى محافظة وتقليدية وعداء للديمقراطية والتغيير في المجتمع.

على الصعيد الاجتماعي هناك غلبة للبنى التقليدية القائمة على المفاضلة على أسس تتناقض مع مبدأ المواطنة، مثل المفاضلة على أساس الجنس، وهذا أحد الأسباب الكبرى في استمرار تهميش أدوار النساء وأوضاعهن وفي الدونية المفروضة عليهن. هذا إضافة إلى المشاكل الاجتماعية العامة التي تطال أغلب شرائح المجتمع وتطال النساء بنسبة أكبر مثل مشاكل البطالة والتشغيل الهشّ وما يترتب على ذلك من ارتفاع نسبة الفقر ومحدودية العناية والخدمات الصحية واستمرار انتشار الأميّة بنسب مرتفعة خاصة في صفوف النساء.

أما ثقافيا، فإضافة إلى مظاهر عديدة دالة على أزمة الثقافة العربية عامة، يبدو أن أخطر العوامل تأثيرا على وضع النساء هو استمرار غلبة الثقافة الدينية التقليدية على البنية العامة للثقافة العربية، وهو ما عاقها عن العمل على تحديث نفسها وعن الاستفادة من المكتسبات المعرفية الحديثة التي حققتها البشرية.

حيث ما تزال المؤسسات الدينية التقليدية المحافظة مهيمنة على الخطاب الديني ومازالت المؤسسات الإعلامية تروّج الخطاب نفسه، وهو خطاب ذكوري بطريركي في نظرته إلى النساء ومازال يعيد إنتاج تصورات ليست في الحقيقة متأتية من الدين نفسه ومن مصادره التأسيسية بل هي وليدة الثقافة الدينية في أكثر صيغها انغلاقا وتطرفا، وهي كما أسلفنا ثقافة يتداخل فيها الديني والخرافي كانت في الغالب من إنتاج عصور الانحطاط، مازالت تعادي المعرفة الحديثة وتعتبرها خطرا يهدّد الدين والهوية، وتعادي من ثمة كلّ مكوناتها وخاصة منظومة حقوق الإنسان للنساء خاصة.

وعلى الصعيد القانوني، فمازالت أغلب النظم القانونية العربية تستند في تشريعاتها عموما وتلك الخاصة بالنساء والأحوال الشخصية والأسرة على وجه الخصوص على الفقه الإسلامي في أكثر صيغه تقليدية وانغلاقا ومعاداة للاجتهاد بحجة أن الأحكام الفقهية تشريع إلهي لا يجوز شرعا مراجعته أو إعمال العقل فيه، والحال أن أكثرها أحكام بشرية تاريخية.

أفق إنساني

إن بلورة خطاب جديد يستند إلى مرجعيات ثقافة حقوق الإنسان مطلب حيوي لا بالنسبة إلى النساء فحسب بل بالنسبة كذلك إلى عموم العرب برجالهم ونسائهم، مع الوعي بأن هذه الثقافة ذات أفق إنساني وأنها ليست ثقافة غربية بالمعنى الجغرافي، بل هي ثقافة ساهمت في بلورتها البشرية وما أنتجته من ثقافات وإن كانت جملة من العوامل، فرضت أن تتبلور هذه الثقافة في صيغتها النهائية في المجال الثقافي الغربي، وتستند من جهة أخرى على تأويل جديد لثقافتنا يستفيد من الإمكانيات النيّرة الكامنة في بعض عناصر هذه الثقافة من جهة، ومن المعارف الإنسانية الحديثة من جهة أخرى، حتى تستوعب هذه الثقافة الحقوقية الحديثة وتهضمها وتحوّلها إلى بنية أصلية من بناها، ويتخلص الوعي العام العربي من النظر إلى ثقافة الحقوق والحريات والمواطنة والحداثة على أنها ثقافة غريبة ودخيلة ومهدّدة للهوية الثقافية.

تحقيق ذلك لن يتم إلا متى أخرجنا الدين من احتكار المؤسسات الدينية التقليدية المحافظة ومن هيمنة رجالها على الخطاب الديني وفتحنا المجال واسعا أمام كل المجتهدين والباحثين وجعلناه موضوعا مفتوحا للنظر والتفكير وإعمال العقل. وفي هذا السياق وبهذه الشروط يمكن بلورة خطاب ثقافي وديني بديل يستوعب الاختلاف ويؤمن بنسبية الفهم وبتعدد التأويلات والقراءات وبأن لكل قراءة معقوليتها الخاصة، وبهذا نحدّ من كل أشكال الإقصاء، وخاصة من إقصاء النساء عن فضاء التفكير في الخطاب الديني ومن حرمانهن من الحق في إعادة تأويله وفقا للمنظور الذي يأخذ بعين الاعتبار طموحاتهن وتطلعاتهن وحقوقهن.

الإسلام والمرأة

لعل من أكثر المفاهيم حاجة إلى التدقيق والتحديد مفهوم الإسلام. قد يبدو هذا غريبا نظرا للاعتقاد السائد بأن الإسلام من البداهة بحيث لا يحتاج إلى أيّ تعريف أو تحديد. ولكن الحقيقة أن الكثير من الإشكاليات متأتّ عن أننا لا نحدد بالدقة المطلوبة الإسلام، حيث يتداخل الإلهي المنزل بالبشري التاريخي والثقافي، كما يلتبّس الفقه بالشريعة والنص المؤسس بتفاسيره وما إلى ذلك من مستويات الالتباس والتداخل.

فلو كان المقصود بالإسلام عقيدة تتأسس على جملة من الفرائض ومن الأصول التي جاء الإخبار بها في كتاب وحيا منزلا وألزم بها المؤمنين، فإن القرآن جاء خطابه بشأن المرأة مجملا عامة، تخييليا في الغالب تشريعيا أحيانا، ومن ثمة فإنه كان على مرّ العصور وما يزال موضوعا للتأويلات والتفاسير والقراءات التي مثلت في الحقيقة “ثقافة إسلامية”.

وهذه الثقافة كانت بنت وقتها حاملة لخصائص الذهنيات التي أنتجتها موسومة بسمات المجتمعات التي تفاعلت معها وعكست غالبا أوضاعها، ولأن هذه الذهنيات كانت وما تزال في الأغلب الأعم ذكورية مثلما كانت المجتمعات وما تزال كذلك بطريركية فإنه من الحتمي أن يمتدّ تاريخ إقصاء النساء والحط منهن طالما ظلت تلك البنى الاجتماعية والذهنية قائمة سائدة وغير مفكّر فيها. ولم تكن الثقافة الإسلامية من هذا الجانب مختلفة عن سائر الثقافات الدينية وخاصة منها تلك التي تنتمي إلى المجال الديني الإبراهيمي نفسه.

لكن ما أحدث الفارق النوعي هو أن “الثقافة المسيحية” على سبيل المثال قد راجعت نفسها وفكّكت أصولها وزحزحت مسلماتها حتى تأسست منظومة الحداثة واستقرت فكان أن أرجعت الدين إلى مجال الخصوصي والشخصي وأقرت الحق في حرية الضمير والمعتقد وجعلت حمايته من مهامّ الدولة، بينما وفي المقابل اعتبرت المجال العام موضوع تعاقد اجتماعي وتقنين صادر عن الإرادة العامة للشعوب تقوم عليه مؤسسات الدولة الديمقراطية، وفي المقابل لم يشهد المجال الإسلامي تحولات من هذا الصنف ولا شهد الإسلام والثقافة الإسلامية مراجعات جذرية، فهما ما زالا ينتميان إلى ما يسميه عزيز العظمة “المجتمعات -وأضيف الثقافات- السابقة على الحداثة”.

الحركات النسوية

الحركة النسوية ليست بالضرورة حركة نسائية في مطلقها ولا هي حركة مغلقة دون الرجال. فالنسوية منظور (paradigm) معرفي-أيديولوجي يمكن أن يعتمده أيّ باحث أو مفكر بصرف النظر عن جنسه. فكم كان ومازال هناك من الرجال من هم أكثر نسوية من كثير من النساء اللاتي يعادين المنظور النسوي عداء جوهريا.

وأرى خصوصية الحركة النسوية العربية المشار إليها سابقا والتي تثبتها النشأة التاريخية لهذه الحركة هي أنها كانت “رجالية” النشأة وهي مازالت تعمل وتتجذر وتناضل بجد كثير من الرجال والنساء معا، كانت “رجالية” النشأة لجملة من العوامل لا يسمح المجال بالتوسع فيها، ولكن يكفي أن نذكر بعض الأعلام وما كان لهم من دور في وضع الأسس الأولى للنسوية العربية مثل قاسم أمين في مصر والطاهر الحداد في تونس على سبيل الذكر لا الحصر، ولذلك لم يكن التوجه نحو اعتبار الرجل هو العدوّ إلا موقفا “انفعاليا” مؤقتا من جهة ومقصورا على أحد اتجاهات هذه الحركة من جهة أخرى، وخاصة تلك التي كانت متأثرة بالنسوية الغربية، الأوروبية والأميركية، التي تظل مرجعية هذا الاتجاه.

هذا بالإضافة إلى الوعي المتزايد لدى النسويات العربيات بأن النضال ضدّ الذهنية الذكورية والنظام البطريركي لا يعني إطلاقا معاداة الرجال أو اعتبارهم مستهدفين من ذلك النضال، وهو وعي نابع من المعرفة بأن هذه الذهنية ليس ذهنية “جنسية” بمعنى أن المنتسبين إليها وحامليها من جنس بعينه، بل هي ذهنية مرتبطة بطبيعة الوعي الجندري، هذا الوعي الذي يجعل كثيرا من النساء كما أسلفنا معاديات لمنظومة حقوق النساء ولمبدأ المساواة أكثر من كثير من الرجال وتدفعهن إلى الدفاع، بتعلات كثيرة، عن استلابهن.