تغلغل فكر القوامة

الجديد  فريدة النقاش [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(94)]

لوحة: نهاد الترك
نلحظ وجود قوتين رئيسيتين تعملان فيما بينهما رغم التناقض الظاهري لإثبات صورة مشوهة عن المرأة وتأكيدها في الضمير والعقل العام. القوة الأولى تتمثل في اليمين الديني الذي اتخذ من الدين الإسلامي تكئة لتشويه النساء والتقليل من شأنهن باعتبارهن ناقصات عقل ودين، كما يقال إنه نقل عن الرسول محمد، وبالتالي المرأة بما أنها ناقصة عقل ودين وجسدها عورة فلا بد من فرض الوصاية عليها باسم حمايتها، وهذا ما فعله اليمين الديني أو ما اصطلح على تسميته الإسلام السياسي على مدى السنوات.

ووضع المرأة في مرتبة دونية ارتبط بتصريحات حسن البنا منذ نشأة جماعة الإخوان وتواصل هذا الخط في كل الممارسات، وخلال الانتخابات الأخيرة لمكتب إرشاد الجماعة قبل إطاحتهم من السلطة، كانت هناك عضوة في الجماعة تريد أن ترشح نفسها لمكتب الإرشاد ولكن بالإجماع رفض طلبها لأنها امرأة ، هؤلاء هم الذين روّجوا بصورة واسعة لفرض الحجاب على النساء اتساقاً مع فكرتهم بأن جسد المرأة عورة، وبذلك انتشر الحجاب وكاد يصبح زيًا قوميا في كثير من الدول العربية.

ارتبط ظهور اليمين الديني بثورة النفط التي توافرت في البلدان التي تسود فيها المدرسة الوهابية وهي مدرسة متشددة تضع النساء في مكانة أدني وتروّج لحجبهن عن المجال العام، وقد انتشرت في غالبية البلدان العربية بنمو الجماعات الجهادية. ونحن نعيش في مصر تجربة الجماعات الجهادية ونحارب ضدها لأنها مشروع خارج العصر بالنسبة إلى تطور المجتمع ككل.

أما القوة الثانية التي ساهمت في ترسيخ صورة دونية للمرأة في المجتمع العربي، هي الرأسمالية المتوحشة، التي تتناقض ظاهريا مع اليمين الديني، والتي حولت المرأة إلى سلعة في الإعلانات ليجني الإعلام من ورائها أموالا طائلة، وفي سوق العمل حين يقرر الرأسماليون تخفيض الأجور يدفعون بالنساء للعمل لأن أجورهن أقل. من ثم صارت النساء سلعا على مستويين: على مستوى جسدها الذي يستخدم في شبكات الدعارة وفق منهجية السياسة الليبرالية الجديدة التي لا قيمة للإنسان في نظرها إلا إذا كان قادرا على توليد الأرباح، وعلى مستوى الجسد العورة كما يقدمها اليمين الديني. هذا التوافق أدى إلى تدهور صورة المرأة وتراجع مكانتها وإنسانيتها في نظر قطاعات واسعة من جماهير مصرية وعربية.

قمع مزدوج

نحن لا نعيش في واقع ساكن، هناك صراع قويّ ضد هذه الصورة والأسباب التي أنتجتها، تقوم به المنظمات النسائية والأحزاب التقدمية بالدفاع عن هذه الحقوق تخصيصا للنساء لأن قمع النساء هو قمع مزدوج. فتحسين أوضاع المرأة يرتبط بالتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أما فكرة ترتيب الأولويات فهي فكرة مزيفة وقديمة ودفعت النساء ثمنها طويلا حين شاركن في ثورة 1919 وجاء دستور 1923، ولم يشر إلى حقوق المرأة؛ لأنها حين ناضلت استسلمت لهذا المنطق، فكان هذا الدستور خالياً من أيّ إشارة لحقوق النساء، واكتشفت النساء أن فكرة ترتيب الأولوليات فكرة مزيفة تجب مقاومتها وتعرية الأساس الاجتماعي والاقتصادي لها. القضاء على الأفكار يحتاج إلى عصور متتالية، لكن النضال ضد الفكر النكوصي لم ولن يتوقف.

لا بد من التأسيس لمعارك ضد الحجاب، فرغم أن مسألة شخصية إلا أن مسألة حجاب المرأة تنطلق من قناعة خفية لدى المرأة بأن جسدها عورة وهو ما أسمّيه القمع الذاتي، فالمرأة تقمع ذاتها لأنها تتمثل الصورة التي رسمها لها اليمين الديني باعتبارها عورة. ومن ثم هناك حاجة لتأسيس وعي لدى النساء من قبل القوى التحررية بأبعاد تلك الظاهرة، فتغيير الواقع المادي لا يتم بشكل سريع لكن تغيير الوعي يحتاج لدأب ومثابرة وقوى منظمة.