بيرسا كوموتسي ضفاف المُتوسط

يكتسب الحوار مع الكاتبة والمترجمة اليونانيّة بيرسا كوموتسي أهمية مزدوجة؛ من جانب، ساهمت نشأة كوموتسي كيونانيّة ترعرعت في أحضان القاهرة وشوارعها وتلقّت تعليمها الأساسي والجامعي فيها وتشكل وعيها وذاكرتها خلال تلك الفترة في تكوين مادّة ثريّة استقت منها كوموتسي الكثير من أحداث وموضوعات الأعمال الروائية التي كتبتها، والتي تُرجم منها إلى الآن عملان فقط هما “نزهة مع نجيب محفوظ” و”الضفة الغربيّة من النيل” ورواية ثالثة ستصدر ترجمتها قريبا في القاهرة بعنوان “أصوات سكندريَّة”.. غادرت كوموتسي القاهرة منذ عقود ماديّا إلا أن روحها لا تزال تُحلق هناك في شوارعها وتاريخها.. في تلك الذّاكرة العصيّة على النسيان. من جهة أخرى، ساهمت كوموتسي بعملها كمترجمة في نقل أبرز الأعمال الأدبية في العالم العربي إلى اليونانيّة، ترجمت ستة عشر عملا للروائي المصري الراحل نجيب محفوظ، فضلا عن ترجمة ما يزيد عن ثلاثين عملا لكُتاب عرب آخرين.. لا تملّ كوموتسي من الحديث عن نجيب محفوظ وعوالمه الأدبية.. هذا التعلق بأديب نوبل جعلها من أبرز مترجمي أدبه إلى اليونانية هذا فضلا عن كتابتها الخاصّة عنه، وسيرتها المتعانقة مع عوالمه.

الجديد  حنان‭ ‬عقيل [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(37)]

في مقدمة روايتها “الضفة الغربية من النيل” التي ترجمها محمد حمدي إبراهيم في نسخة صادرة عن المركز القوميّ للترجمة في القاهرة عام 2013، تقول بيرسا كوموتسي “كان هدفي هو إماطة اللثام عن طيّات حياة اليونانيّين الذين عاشوا في مصر وشبّوا وترعرعوا فيها لحقبة من الزمان تربو على نصف قرن، والروايات الثلاث التي تتناول هذا الموضوع هي “الاسكندرية في طريق الغرباء”، “سنوات شبابي الأولى: متعة عمري” و”الضفة الغربية من النيل” تتضمن في صفحاتها عدة عقود مُهمّة تمتد من عام 1900 حتى عام 1960 وهي الحقبة التي وصلت فيها الهيلينية في مصر إلى أوج ازدهارها.. وبصفتي مصريّة الثقافة والمولد فإنني رأيت أن من واجبي أن أسهم بكل ما أملك من قوة في إثراء الأدب المدون عن مصر. الأمر يتعلق في الحقيقة بصفحة فائقة الأهمية من تاريخ الهيلينية، لا ينبغي أن تُطوى لأي سبب في غياهب النسيان أو تضيع وتُنسى في ضباب الأزمان..”.

في “الضفة الغربية من النيل” تسرد كوموتسي قصّة حب بين ضابط مصري شاب وفتاة يونانيّة، تقف أحداث ثورة 23 يوليو 1952 أمام اكتمال قصّتهما، ومن خلال القصّة تتطرق كوموتسي إلى تبيان تأثير هذه الثورة على مُجريات الأوضاع في مصر والشرق الأوسط، ومن ثم تسلط الضوء على تلك الفترة الحساسة من تاريخ مصر الحديث.

في روايتها الثانية “في شوارع القاهرة.. نزهة مع نجيب محفوظ” التي نقلها إلى العربية خالد رؤوف، وصدرت الترجمة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2016، تجنح كوموتسي إلى استحضار رمزي للروائي المصري الراحل نجيب محفوظ في سيرتها الخاصّة، تنطلق من خلال فقرات سطرها الكاتب العالمي في رواياته للتطرق إلى فصول من سيرتها الذاتية، أيام طفولتها ومراهقتها وشبابها التي عاشتها في شوارع القاهرة.. يحضر محفوظ بشكل واقعيّ في بعض الفصول مثلما فعلت كوموتسي في حديثها عن الندوة التي نظمتها كلية الآداب وقتما كانت تدرس فيها والتي كان محفوظ ضيفها.. تقول بيرسا عن هذا اليوم “وأنا في طريق عودتي إلى منزلي في ذلك اليوم، كانت كلمات المعلم لا تزال تتردد في رأسي. اخترقتني كلماته وتركت روحي في تأثر غير مسبوق؛ آثار على طريق عذراء لم تُكتشف من قبل ولم تُمحى قط، على العكس ازدادت ونمت، حتى بعد سنوات طويلة في ما بعد لم أعُد أستطيع أن أعرف أين تنتهي فكرته وأين تبدأ فكرتي”.

“الجديد” حاورت بيرسا كوموتسي حول أعمالها الأدبية المترجمة إلى العربية والأخرى التي لم تصل إلى القارئ العربي بعد، للكشف عن عوالمها الروائية ككاتبة مصرية يونانية، فضلا عن التطرق إلى واقع حركة الترجمة من العربية إلى اليونانية والعكس وسبل تطويرها.

الجديد: نشأت في مصر وتلقيتِ تعليمك الجامعي فيها حيث درست اللغتين العربية والإنكليزية ثم انتقلت إلى اليونان.. ما تأثير تلك التشعبات الثقافية في شخصيتك وكتاباتك؟

كوموتسي: كان لذلك تأثير إيجابي جدا بالطبع، فكل من يُولد ويحمل أو يتربى على ثقافتين هو محظوظ في رأيي. هويتي المزدوجة ساعدتني كثيراً في بناء هويتي الخاصة ووجهات نظري وتفهمي للآخر بشكل عام، كما ساعدتني في توسيع آفاقي الذهنية والروحية، لا سيما إذا أضفنا إليهما هوية ثالثة من خلال القراءة والدراسة للغة الإنكليزية، فنجد أننا أمام ثلاثة عوالم دمجا وهضما، صارت كالمادة الخام للعمل الإبداعي في حالتي سواء كانت ترجمة أو إبداعا قصصيا شخصيا. وهو الأمر الذي أعتقد أنني أوضحه في روايتي “في شوارع القاهرة، نزهة مع نجيب محفوظ” التي أعود فيها إلى سنوات شبابي وحياتي في مصر، تلك السنوات التي شكَّلت في واقع الأمر وعيي وشخصيتي، وأيضا أثّرت بشكل حاسم على اختياراتي الحياتية والمهنية في ما بعد، فنجد في هذه الرواية عالمين على التوازي “عالمي” وعالمه.. أي عالم المعلم الكبير نجيب محفوظ.. بغض النظر عن اختلافات الزمن فقد اتحدا من خلال جسور روحية ونفسية أردت أن أطفو بها وأظهرها على السطح.

الجديد: ما أبرز الأحداث والمنعطفات التي مرت بها مصر خلال فترة إقامتك بها ولا تزال عالقة بذهنك ومؤثرة بشكل كبير عليك؟

كوموتسي: بالتأكيد حربا 67 و 73. كنت طفلة صغيرة بالطبع آنذاك، في الحرب الأولى كنت مراهقة لكن الثانية أتذكرها جيدا. أعتقد أنها من أهم الأحداث التي أثّرت فيّ كثيرا آنذاك.

الجديد: بدأت الترجمة فعليا منذ 1990 من العربية والإنكليزية إلى اليونانية.. هل من الممكن أن تطلعينا على رحلتك تلك التي تربو عن عشرين عاما؟ ما الذي دفعك بداية إلى العمل بالترجمة؟ وما هي الأعمال الشعرية والنثرية التي قمت بترجمتها خلال تلك الفترة؟

كوموتسي: علاقتي بالترجمة بدأت مع بداية مسيرتي العملية بعد تخرجي من جامعة القاهرة فعملت بالتعليم فترة، وبدأت في ترجمة أعمال الأستاذ والمُفكِّر وكاتبي المفضل نجيب محفوظ، وقد حدث. وبالطبع أنا سعيدة وفخورة بموقفي هذا آنذاك إذ أن نجيب محفوظ الآن في اليونان معروف ومحبوب ومقروء وهناك قراء يرسلون لي حتى الآن ويتابعون ما يترجم عنه.

أعتقد أن نجيب محفوظ هو من فتح الباب لوعي القراء نحو ما نسميه “الأدب العربي”، فقد بدأت الترجمات عن العربية تتزايد بشكل ملحوظ منذ تعرّف القُرّاء على نجيب محفوظ. شخصيا ترجمت ما يربو عن ثلاثين عنوانا، بخلاف ستة عشر رواية للكبير محفوظ، ترجمت لكتاب كبار آخرين مثل يوسف إدريس وبهاء طاهر وإبراهيم عبدالمجيد وهدى بركات وخالد الخميسي وهالة البدري وغيرهم.. بينما قيد الإصدار هناك أعمال لطه حسين مثل “دعاء الكروان”، ستصدر قريبا.

نجيب محفوظ هو من فتح الباب لوعي القراء نحو ما نسميه “الأدب العربي”

هناك أيضا أنطولوجيا الشعر العربي والتي تضم قصائد لشعراء مصريين وآخرين من البلاد العربية وأيضا بعض القصائد الكلاسيكية إلا أنها تتسم بوجود قصائد لشعراء من الأجيال الجديدة، على سبيل المثال لا الحصر: فاروق شوشة وإبراهيم المصري ورفعت سلام وسعد الياسري والشاعرة والكاتبة سهير المصادفة ومحمد خير وأحمد عبدالجبار وعبدالرحيم يوسف وغيرهم.. وهي بمثابة عينة صغيرة وبداية جيدة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها اليونان.

الجديد: ما الأساس الذي تعتمدينه في اختيارك للنصوص الشعرية أو النثرية لترجمتها؟ هل هناك جهد مؤسسي تعملين من خلاله أم أن الأمر يعتمد على ذائقتك الخاصة بشكل كامل؟

كوموتسي: أنا أترجم ما يعجبني. كتابات تمسني وأشعر أنها تضيف إلي كقارئة. هذا هو المعيار الأول بالنسبة إلي الذي ربما يحتوي على شيء من الأنانية، لكن أظن أنه يساعد كثيرا في النتيجة النهائية. أعتقد أنه إذا لم تُحب شيئا بالقدر الكافي لا يُمكنك إيصاله بالشكل الصحيح. بالطبع هذه العملية تستلزم الكثير من القراءة والدراسة. أقرأ أعمالا كثيرة وأختار منها ما أعتبره مهما.

الجديد: إلى أي مدى يمكن الحديث عن اهتمام من قبل دور النشر اليونانية بترجمة الأدب العربي؟ وكيف يمكن برأيك تطوير حركة الترجمة المتبادلة ما بين العربية واليونانية؟

كوموتسي: مبدئيًا هناك حب فطري من الجانب اليوناني تجاه العالم العربي وبالأخص مصر التي تحظى بمكانة خاصة لدينا. لكن في واقع الأمر، الأزمة الاقتصادية التي نمر بها حجّمت الإصدارت بشكل كبير ولا سيما الترجمات، لكن على الجانب الآخر الرواية الأوروبية البوليسية حلّت مكان الأدب الجاد. ورغم ذلك أعتقد أنه من خلال برامج صحيحة وسياسات ثقافية هادفة تخص الكتاب وبالأخص الترجمة الأدبية سيحيا الاهتمام من جديد نظرا لوجود الأرضية الخصبة لذلك. هذا بالإضافة إلى أن ازدياد أعداد المهاجرين إلى اليونان نمّت الرغبة لدى اليونانيين والأوربيين بشكل عام في معرفة العالم الشرقي، العربي المعاصر.

الجديد: ما أوجه القصور التي ترينها في نقل الأدب والثقافة اليونانية إلى العربية؟

كوموتسي: ربما عدم انتشار اللغة بالشكل الكافي. أيضا ندرة المترجمين الأكفاء. لكن هناك عنصرا هاما جدا في رأيي وهو غياب الهوية الواضحة لدينا في اليونان، فميل الأدب اليوناني بشكل كبير نحو الأدب الأوروبي أدى إلى اختفاء هويتنا الأدبية بشكل كبير.. من ناحية أخرى هناك محاولات جادة من قبل هيئة الكتاب المصرية والمركز القومي للترجمة في هذا الصدد، ففي الآونة الأخيرة تمت ترجمة أعمال يونانية بشكل أكبر بدءا من أحمد عتمان ونعيم عطية وحمدي إبراهيم ومن الشباب خالد رؤوف الذي يعد حلقة وصل هامة بين الأدبين العربي واليوناني.

الجديد: ما هي الصعوبات التي واجهتك في ترجمة الآداب العربية؟ وهل من صعوبة خاصة واجهتك في ترجمة الشعر خصوصا وأنه يحتاج إلى آليات عمل خاصة؟ كيف تعاملت مع هذه الصعوبات؟

كوموتسي: غريب علي أن أتحدث عن اللغة العربية فهي اللغة التي تربيت عليها وتعلمتها وعشقتها ومازلت أعشقها رغم أنها ليست لغتي الأولى. بالطبع في البداية وبسبب غياب الخبرة كان علي أن أدرس النص مرارا وتكرارا. فمثلا؛ احتجت إلى عام كامل كي أنجز أول ترجمة لي. بعد ذلك بالطبع صرت أحتاج إلى وقت أقل فأقل، حتى باتت العملية كطبيعة ثانية بالنسبة إلي. بالتأكيد أستشير كل القواميس والمعاجم المتاحة والتي تعد من الأدوات الأساسية للمترجم.

أما عن ترجمة الشعر فقد شرعت فيها بعد 25 عاما من الخبرة في الترجمة. عندما نضجت في العمر والخبرة العملية.

الجديد: أريد أن أعرف ما هي الأصداء التي تتركها الأعمال العربية التي تترجمينها في اليونان؟ كيف تقابل تلك الأعمال سواء على المستويات الرسمية أو غير الرسمية؟

كوموتسي: الأصداء كانت مدوية بالطبع وبالأخص مع أعمال نجيب محفوظ كما ذكرت من قبل. بعد ذلك بدأ اهتمام اليونانيين يتزايد ليس فقط بالأدب العربي ولكن باللغة العربية أيضا، فتزايد عدد الطلاب الراغبين في تعلم اللغة العربية وهو أمر ملحوظ في المركز الثقافي المصري في أثينا من خلال الزوار والطلاب أيضا الراغبين في التعرف على الثقافة والحضارة المصرية ولا سيما اللغة العربية. كما أن هناك اهتماما ملحوظا بالشعر العربي على مستوى القراء في السنوات الأخيرة بالأخص مع موجات المهاجرين من سوريا إلى اليونان. هذا الاهتمام بالثقافة العربية وصل ذروته.

الجديد: ما هو الانطباع الذي ترينه سائدا هناك عن الأدب العربي؟ وما مدى صحته برأيك؟

كوموتسي: في حالتي أنا، هناك جهد كبير يُبذل لإقناع الناشر بالكتاب الذي أود أن أترجمه، فأنا أعلم أنني أترجم عن لغة صعبة أو دعيني أكون أكثر وضوحا، ليس الجيد هو المطلوب مني دائما، فالمطلوب غالبا من المترجم عن اللغة العربية هو أن يترجم موضوعات بعينها تُرسخ صورة ذهنية بالية وقديمة عن الشرق وعالمه الأسطوري السحري المزيف الذي يودون ترسيخه، مثل بعض الروايات التي تعد صياغات بليدة عن ألف ليلة وليلة وأجواء الحرملك وخلافه، وهو أمر سيء وخاطئ بالتأكيد، لكن الأمور تتغير من يوم إلى آخر لحسن الحظ وأعتقد أنه قريبا ستتبدل تماما.

الجديد: ما مدى الاهتمام بالأعمال الروائية العربية الحديثة في السنوات الأخيرة، التي برز جزء كبير منها نتيجة وصولها إلى جوائز عربية مهمة؟

كوموتسي: كما أشرت من قبل، هناك اهتمام، لكنه يجب أن يتغير، والحقيقة أن التغيير قد بدأ بالفعل، أي صورة الأدب العربي المعاصر في وعي القارئ اليوناني. لكن الأمر يحتاج إلى الوقت كي نتخلص تماما من إطار الأساطير و شرق الأمس. الجوائز تساعد بطبيعة الحال لكنها أبدا ليست معيارا. نفس الشيء يحدث هنا على سبيل المثال هناك أعمال تحظى بجوائز لكنها لا تحظى باهتمام القارئ.

الجديد: هل ثمة نقاط ترينها مشتركة ومتفاعلة ما بين ثقافات دول البحر المتوسط؟ وهل ثمة تأثر بالأدب اليوناني تلمحينه في الآداب العربية والعكس؟

كوموتسي: التأثر المتبادل موجود دائما في الأدب وهذا سر عظمته. الأدب يعد لغة عالمية تجتاز كل الحدود بالأخص لو كنا نتحدث عن دول البحر المتوسط التي تجمعها حدود مشتركة وتاريخ وتراث مشترك أيضا.

الجديد: تكتبين باليونانية رغم إتقانك للعربية واهتمامك بواقع عربي في بعض الأحيان.. فلم ابتعدت عن الكتابة بالعربية؟

كوموتسي: أنا أكتب للقارئ اليوناني، كما أنني لا أستطيع كتابة “أدب” بلغة أخرى. أنا كاتبة يونانية تكتب عن مواضيع تتعلق بالحوار الثقافي والحضاري، مواضيع تتعلق بالتبادل الثقافي والحضاري بين حضارتين وهو الأمر الذي يُميز كل أعمالي.

الجديد: قلت إنك تعلمتي الكثير من ديناميكية الأدب العربي واستفدت منها في رواياتك.. كيف؟

كوموتسي: أنا عاشقة للأدب العربي، وكنت أرغب دوما في التعاطي مع هذه الثقافة وما تمثله. ليست هناك وسيلة أفضل للحوار مع ثقافة ما أفضل من ترجمة أدبها. فماذا لو كنت بالأساس مفتونا بتلك الثقافة؟ كانت لها أهمية قصوى بالنسبة إلي في تشكيل وعيي وشخصيتي وأيضا في الاختيارات التي قمت بها في ما بعد في حياتي. في كل روياتي هناك هذا التوازي بين العالمين.

الجديد: لديك ستة أعمال منشورة ومحاولة شعرية واحدة.. هل لك أن تحدثينا عن تلك الأعمال وعوالمها خصوصا وأنه لم يترجم إلى العربية سوى عملين حتى الآن؟

كوموتسي: كل عمل منها له مستويات متعددة، الأمر يحتاج إلى تفسير وتحليل. لكني سأقول فقط إن كل الأعمال تقريبا تعد متواليات لما قد نسميه بالأدبيات المتمصرة أو “أدب اليونانيين المصريين”، أي الأدب الذي يتحدث عن مكان واحد وثقافتين. هذا النوع قد بدأه الكاتب اليوناني الكبير ستراتيس تسيركاس في اليونان. أردت بشكل ما أن أحييه وأن أعطيه أبعادا جديدة ومتنفسا جديدا، إذ أنه منذ حقبة الستينات لم تكن هناك كتابات جادة إلا بعض السير وكتب لذكريات بعض اليونانيين المصريين شخصية إلى حد بعيد ولا تعبر عن مجموع الجانبين. من أعمالي تُرجم عملان فقط والثالث في طريقه إلى الصدور بالعربية. أما عن الشعر فأكتفي بالقول إن الترجمة التي صدرت في العام الماضي عن العربية إلى اليونانية “أنطولوجيا الشعر العربي” قد لاقت نجاحا واسعا وأثارت حماس القراء اليونانيين أيضا إذ أنه أمر غاب كثيرا عن المكتبة اليونانية. وبالمناسبة فقد حاز على جائزة أيضا.

مبدئيًا هناك حب فطري من الجانب اليوناني تجاه العالم العربي وبالأخص مصر

بخصوص رواياتي التي لم تترجم إلى العربية، أذكر رواية “كافيه كليمنتي” تروي فيها ممثلة مسرحية يونانية في فترة ما بين الحربين حياتها الفنية في هذه الفترة الهامة من التاريخ الحديث في باريس والإسكندرية. تتذكر شبابها وتستعيد صورا وحكايات وأشخاصا من الماضي القريب والبعيد. تهمس بكلمات منسية بعدما وقعت ضحية لهذيان خريف العمر غير قادرة على التفريق بين الواقع الذي عاشته وأدوارها المسرحية التي مثلتها في حالة أشبه بالفصام بالأخص على هامش الحرب العالمية الثانية وبين رجلين والخيار بينهما وأزمة الخيارات العديدة في الحياة تنطبع على أحداث الرواية التي تمثل رحلة حياة في الإسكندرية التي تغنوا بها لسنوات طويلة والحنين إلى باريس في زمن كان يتشكل فيه العالم الذي نعيشه الآن.

وفي رواية لي بعنوان “حيوات ورقية” تدور الأحداث حول ثلاث نساء عشن في ثلاث فترات تاريخية مختلفة في اليونان. كل منهن تُعبِر عن تصور مختلف لموضوع تحرير المرأة في اليونان. هناك رواية أخرى تتحدث عن الإسكندرية هي “شارع فرنسا” تدور أحداثها في أوائل القرن العشرين وهجرات اليونانين إلى مصر بحثا عن حياة أفضل، بينما في رواية “سنوات شبابي ومسيرة عشقي” فقد كانت رواية تدور حول شخصية تمثل وتجسد ملامح المدينة عبر عصورها.

الجديد: ماذا عن روايتك “أصوات سكندرية” التي ستصدر ترجمتها العربية قريبا؟ هل لك أن تطلعينا على المزيد من التفاصيل حولها؟

كوموتسي: روايتي الأخيرة “أصوات سكندرية، في شارع ليبسيوس″ هي تقريباً تحتوي على شخصيات من أعمالي السابقة تلتقي هنا بثوب جديد لتلعب أدوارا جديدة. أحداثها تقع في الإسكندرية في عصر كفافيس وتعكس فترة البريق والاضمحلال للجالية اليونانية وأيضا التحولات المصرية من العصر الملكي والنظام القديم، فترة النبوءة بثورة ناصر.

الجديد: أنت شديدة التعلق بأدب نجيب محفوظ حسبما يظهر من خلال كتابك “نزهة مع نجيب محفوظ”.. هل تروين لنا بداية انجذابك لأعماله وولوجك عالمه؟ ومَن مِن الشعراء والروائيين العرب غير محفوظ تعلقت بهم؟

كوموتسي: من خلال ترجمة 61 عملا روائيا له فُتنت بأسلوبه وأفكاره وشخصيته، حتى في كتابته الذاتية شديدة الخصوصية، وكان له أثر بالغ على كتابتي وبالأخص في روايتي “نزهة مع نجيب محفوظ”، والتي كنت محظوظة بترجمتها إلى العربية.

في الحقيقة هذا العمل بمثابة حوار مع نجيب محفوظ وأعماله. في واقع الأمر فأنا أعود إلى سنوات شبابي وحياتي آنذاك والتي كانت لها أهمية قصوى بالنسبة إلي في تشكيل وعيي وشخصيتي وأيضا في الأختيارات التي قمت بها في ما بعد في حياتي. في هذه الرواية هناك على التوازي عالمان، عالمي وعالمه بغض النظر عن اختلافات الزمن وغيرها، فقد اتحدا بجسور نفسية وروحية. تلك الجسور هي بالضبط ما أردت أن أطفو بها وأظهرها على السطح.

رواية “في شوارع القاهرة، نزهة مع نجيب محفوظ” هي بمثابة حوار مع الكاتب الكبير أعبر فيها عن تجربتي الشخصية في تناول أعماله كمترجمة له. هناك مقتطفات في الرواية من أعمال نجيب محفوظ التي ترجمتها إلى اليونانية. لكن في الطبعة العربية تم استخدام المقتطفات عن اللغة الأصلية فبشكل أو بآخر تصل إلى القارئ اليوناني بشكل مختلف الذي تعّرف على نجيب محفوظ من خلال ترجماتي.

أما عن الشعراء والكُتّاب الذين ترجمت لهم فيمكنني أن أقول إن كل عمل قد فتنني على حدة وبشكل مختلف ولسبب مختلف، وإلا لم أكن لأترجمه. هناك أعمال أخرى وكتاب آخرون أريد أن أترجم لهم وسوف أترجم لهم لأنني أهدف إلى تقديم كتاب جدد، إذا ما سمح لي الوقت ومنحت لي الفرصة.

الجديد: ما العناصر الأساسية التي تُميز أدب نجيب محفوظ وتُشكِّل عوامل جذب بالنسبة إلى اليونانيين في أدبه؟ وهل تجدين أواصر صلة بين أدب محفوظ وأدب كازانتزاكيس كونهما ينتميان معا إلى المتوسط؟

كوموتسي: لا توجد لحظة تاريخية هامة لم يقترب محفوظ منها ويحللها في أعماله بطريقته الفريدة، مبينا في مرات عديدة مناطق في تلك الأحداث لم ينتبه إليها حتى الباحثون في التاريخ ولم يروا الصورة واضحة. وأيضا؛ الصغير والكبير، الشخصي والجمعي، المجتمعي وعلاقته بالتاريخي. كل هذه الأمور لقيت عناية من الكاتب. ودائماً الأحداث التاريخية والاجتماعية السياسية كانت هي الأساس، الشخصية الأساسية أو ربما البطل أيضا في قصصه، بينما في أحيان أخرى كان يبرز بوضوح وجه العصر كله الذي كان له أثر كبير ليس فقط في مصر ولكن في العالم كله.. نفس الشيء فعله كازانتزاكيس. بالتأكيد في أول حوار صحافي لي قبل ما يزيد عن عشرين عاما كنت أشبه محفوظ بكازانتزاكيس. فقد كان شخصا متواضعا مثل محفوظ ويأخذ عمله بجدية ويتعامل معه بورع وغير معني بالشهرة أو العلاقات العامة.

أجري الحوار في القاهرة