اشتغال العقل عن التفكير النقدي

التفكير يستدعي “العقل”، أي وجود آليات ذهنية تستطيع أن تجعل العقل “يفكّر”، ودون ذلك تحكم الغريزة، التي هي رد الفعل المباشر على حدث أو موقف ما، رد الفعل “الميكانيكي” (ويمكن القول “الطبيعي”). ربما هذا هو الفارق بين الإنسان والحيوان، الإنسان الذي تميّز بـ”العقل”، والحيوان الذي يعيش حياة الطبيعة.

الجديد  سلامة كيلة [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(38)]

لوحة: نهاد الترك
التفكير هو، إذن، نتاج اشتغال العقل. حيث تتحوّل المشاهدات والحوادث إلى تصورات وأفكار. هنا، عبر العقل، يتحقق مسار: تلقي -محاكمة- حكم، والمحاكمة إما محاكمة صورية أو محاكمة علمية. والفارق في ذلك يتمثّل في طبيعة الآليات التي تحكم “العقل”، هل هي شكلية، ساكنة، منعزلة، أو أنها تغوص في عمق المسائل، وتبحث مختلف جوانبها، وتحاول “سبر أغوارها”؟ هذا يدخلنا في الإشارة إلى المنطق الصوري الذي يفرض المحاكمة الشكلية التي لا تتعدى ظواهر الأشياء، بينما يفرض المنطق العلمي مراعاة أن الشكل يخضع لجوهر، وأن السكون مرتبط بالحركة، وأن الحقيقة هي ما يسكن في الأعماق، وليس ما يظهر على السطح.

لكن عملية التفكير، بمعزل عن العقل، تتحوّل إلى: تلقي- حكم، حيث تغيب المحاكمة، وبالتالي تغيب المنطقية التي تسمح بمعالجة الحدث من أجل الوصول إلى تصوّر حوله، أو استنتاج فكرة، أو إصدار حكم. في هذه الحالة يخضع الحكم لرد فعل غريزي. وهو في الغالب متسرّع أو خاطئ لأنه غير مبني على محاكمة حتى بشكلها الصوري.

بالتالي حين نتناول التفكير النقدي يجب أن نؤسس على وجود التفكير أصلاً، حيث أن “الوعي التقليدي” (الذي هو الوعي السائد) ينحكم لرد الفعل الغريزي أو للمحاكمة الصورية التي غالباً ما ترتبط بالغريزة. ليصبح الحكم قائماً على ثنائية: إما/أو، مع/ضد، وبالتالي يصبح الموقف هو نتاج رد الفعل على حدث ما. بحيث يكون إيجابياً أو سلبياً حسب الحدث، والجهة التي تقوم به والموقف منها. إن سيادة المنطق الصوري تفرض علاقة ملتبسة بين حدث ما والموقف منه. فأولاً هناك دائماً “عدو”، آخر مرفوض، يصبح هو مقياس الحكم على الأحداث بالعلاقة معه، هذا من طرف، ومن طرف آخر يكون الموقف الذاتي هو المقياس لتحديد الموقف من الآخر ومن أيّ حدث يجري في الواقع.

ولا شك في أن المنطق السائد هو المنطق الصوري، حيث أنه “متوارث”، يتسلل إلى الفرد من خلال التقاليد والمدرسة، والدين، وكل “الوعي التقليدي” المسيطر. وهو منطق أكثر ما يقدمه هو “التحديد”، أي معرفة ما يظهر أمامنا، وما نسمعه، وكذلك ما يحدث أمامنا. وأيضاً معرفة المسائل في سكونها، أي في لحظتها دون ملاحظة مسارها، السابق والتالي. وهذا ما يجعل الأحكام خاضعة لمبدأ: إما/أو، مع/ضد. وهو الأمر الذي لا ينتج فكراً بل يكرر مسبقات، ولا يعمِّق في المعرفة لأنه يكرّر ما هو معروف. لهذا نحن نعرف الشخص، لكننا لا نفهمه، ولهذا لا نتوقع مساراته، وفي الوقت ذاته لا نقبل منه إلا ما يوافقنا. بهذا لا تفكير، لا فهم، بل “معرفة” بمعناها السطحي.

كل ذلك يفترض الارتفاع من المنطق الصوري (الذي حسب هيغل هو ما يقدم الأوليات التي يُبنى عليها دور العقل) إلى المنطق العلمي، إلى دور العقل، أي إلى التفكير. فدون تدقيق ومحاكمة ذهنية ليس من تفكير، حيث أن الحقائق لا تؤخذ “من الألفاظ” كما يقول الغزالي، بل من البحث في الأحداث، والغوص في ما يختفي خلفها، وتحوّلاتها. هذا يؤهل لأن يصبح لدينا منظور نقدي، فلا يجري أخذ الأحداث كما هي، أو تصديق الأفكار دون محاكمة نقدية، أو تبنّي فكرة دون ملامسة نقيضها. لقد بدأ الفكر الأوروبي بالشك الديكارتي، وتطور وهو يغوص في أعماق الموضوعات، ويبحث عن “آليات ذهنية” جديدة تسمح بالفهم (كما فعل كانط). وهو الأمر الذي أوصل إلى هيغل الذي درس مسار الفكرة ليكتشف بأن الجدل هو روح الواقع. وصولاً إلى ماركس الذي “أوقف جدل هيغل على قدميه” مؤسساً لمنهجية هي النقلة النوعية بعد منطق أرسطو.

ما نعاني منه هو سيادة المنطق الصوري الذي هو في تكوينه غير نقدي، لهذا يتسم النتاج الفكري بالشكلية والسطحية، أي غياب العمق وغياب ملامسة الواقع في صيرورته. فدون نظر نقدي ليس من إنضاج للفكر ولا تطوّر فيه، وأساساً لا مقدرة على فهم الواقع الذي يحتاج إلى الحفر والنقد، كما إلى تجاوز الأشكال لمصلحة الجوهر وفهم حركية الأشياء.

تفكير نقدي، يعني تفكيرا أولاً، ويتضمن الشك ثانياً، كي يكون نقدياً. لقد تلاشى العقل منذ أن هيمنت “الغزالية” بشكليتها المفرطة ومعاداتها للفلسفة ولكل تفكير. والتي تعمّمت كجزء من “الوعي التقليدي”، وأعيد إنتاجها عبر المدرسة من قبل طبقات تناهض الحداثة والتطور كانت تهيمن. ولا زال يعاد إنتاجها كي يبقى “الوعي التقليدي” مهيمناً. بالتالي لا بدّ من نقد العقل أولاً، ونقد المدرسة، والوعي التقليدي، والثقافة والفن، والنخب التي لا زالت محافظة في منظوراتها.

كل البنى تحتاج إلى نقد جذري، الوعي والأيديولوجيا، والدولة، والدين، والاقتصاد، والسياسة، والواقع، والعالم. ليس تكرار الأفكار المسبقة مفيداً، ولا تكرار كل الأفكار التي سادت في قرن مضى تُقدّم ما يخدم التطور. لدينا ركام من “الأفكار” والتخيلات، والمواقف المسبقة، تحتاج إلى تفكيك وتوضيح مشكلاتها، وهي تحتاج إلى أن تلقى بعيداً. ولدينا عقل تحجّر منذ قرون يحتاج إلى تفكيك و”تكسير”، لكي لا يبقى مهيمناً. هل نستطيع النقد والتفكيك و”التكسير”؟ هذا يحتاج إلى مسار معرفي جديد، وكما أشرت نحتاج إلى امتلاك المقدرة على التفكير. ولأن الوعي التقليدي والمدرسة والأيديولوجيا السائدة والمؤسسة الدينية تكرّس ما يناقض التفكير، نحتاج إلى نقدها جميعاً. لكن قبل ذلك أن نمتلك عقلا يفكّر ومنظورا نقديا.

هذه “تربية ذاتية” ترتبط بالقراءة والدراسة الجادة والتعلّم.