شاعر يواجه المنافي بالسخرية

الجمعة 2015/05/01

يحمل الشاعر العراقيّ صلاح فائق منفاه المديد معه، يرتحل في عوالم قصائده، من قصيدة إلى أخرى، كأنّما يرتحل من جزيرة إلى أخرى، سلسلة من المنافي يحاول تبديدها بالقصائد، يستعين بالشعر قلعته الأولى والأخيرة، يرسم بقصائده جزءاً ممّا فقده، وأجزاء ممّا حلم به، ليكمل دائرة الوجود التي وجد نفسه دائراً في فلكها.

استعاد صلاح فائق في الأمسية التي أقامتها مجلّة “الجديد” في لندن احتفاء بتجربته الشعريّة، في الثاني عشر من شهر فبراير، لقطات من الذاكرة، استذكر جوانب من حياته السابقة قبل الخروج من العراق، وكيف كان يتمّ التضييق على الأدباء والشعراء في ظلّ نظام كان يمهّد لتوطيد سلطته الاستبدادية، من خلال الفتك بمعارضيه أو المختلفين معه بالرأي.

عاد فائق إلى كركوك، لم تفارقه مشاهد الزمن الكركوكيّ الجميل، ذاك الموزاييك الاجتماعيّ والعرقيّ المتعدّد المتعايش في المدينة التي خرّجت عشرات الشعراء البارزين. استذكر بعض القصص مع أصدقاء الشعر والمنفى والاغتراب، كالشاعر الراحل سركون بولص، وكيف أنّه يظلّ الأثير في شعره والمتميّز في حضوره رغم الغياب.

أهدى فائق قصيدة في مجموعته الأخيرة “غيمة في غرفة الضيوف” التي أصدرتها مجلّة “الجديد” ككتاب مرفق مع العدد الأول لها، إلى الصديق الراحل الشاعر سركون بولص بعنوان “سلاماً سركون بولص”، وكعادته في المناجاة يمزج الأزمنة والشخوص والكائنات لينتج قصيدته المختلفة، بعيداً عن تلك الحالة الرثائيّة الاستصراخيّة، ذلك أنّ تظهيره لصور الحزن لا ينقاد وراء التوصيف الدارج والتباكي المفتعل.

من العراق إلى دمشق إلى لندن إلى الفلبين، مروراً بعدّة محطّات أخرى، أكّد صلاح فائق أنّه اعتاد الاغتراب لدرجة لم يعد يشعر بالغربة، ذلك أنّه عاش خارج بلده زمناً أطول ممّا عاشه داخله، ورغم ذلك ترى قصائده مرتبطة بتلك اللحظة المنبثقة من مهد الطفولة المستباحة في بلد يخوض حروباً ضدّ نفسه ويودي بأبنائه في رحلة القهر والاحتراب اللامنتهية.

فصول مؤلمة استرجعها الشاعر المنعتق من إسار الهويّات الضيّقة، المنفتح على هويّته الشعريّة العالميّة، تبدّى عليه أنّه روّض وحش الغربة بالسخرية، وواجه ضغط الحياة وأرقها بالعبث، فتراه يحرص على الاهتمام بتفاصيل صغيرة في حياته، يوليها عنايته الكبرى، لتصبح شغله الشاغل في حلّه وترحاله، كأن يركّز على علاقته الوطيدة مع كلبه، وحنينه إليه، وذلك بالتوازي مع استحضار صور وكائنات مختلفة من عالمه الفلبيني الراهن، ومن ذاكرته العائدة إلى وهاد كركوك وبغداد.

السخرية لدى صلاح مقترنة بالرغبة في إبراز عبثيّة الزمن، سخرية الشاهد على كثير من المفارقات والمرارات والوقائع والأحداث، وكيف أنّها توصله إلى نوع من الراحة، بعيداً عن المواساة أو التأسّي، سخرية المقتنع بسخريته، الرافض لأيّ تهافت.

عدد من الشعراء احتفوا بصلاح فائق، فقد شارك في الأمسية التي قدّمها الدكتور خلدون الشمعة كلّ من الشعراء: لميا المقدّم، خزعل الماجدي، فاروق يوسف، سلام سرحان، بالإضافة إلى قراءة صلاح لبعض قصائده من مجموعات مختلفة، تشكّل بنيان عمارته الشعريّة التي بلغت ستّاً وعشرين مجموعة حتّى الآن.

الشاعر السبعينيّ صلاح فائق ما يزال يحتفظ بروحه المرحة، وكأنّ الزمن يسبغ عليه مزيداً من الطفولة والبراءة في التعاطي مع العالم، وتقبّل الهزائم الحياتيّة بروح رياضيّة، كأنّها لم تكن، أو كأنّها تعود لآخرين، حيث يفقدها سطوتها وقدرتها على إنهاك روحه وجسده.

حيتان وعقارب وأرانب وأسماك، ألغاز ورموز وشخوص حاضرة في قصائد صلاح فائق، وفي حديثه وكلامه، يعيش الشعر حياة، بعيداً عن الضجيج، فعزلة الشاعر على شواطئ جزيرة فلبينيّة تبدو خطّ دفاع عن روح الشعر وجذوة القصيدة

كاتب من سوريا مقيم في ليدز/بريطانيا

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.