رائحةَ‭ ‬الحقلِ‭ ‬في‭ ‬القَميص‭ ‬الأبيض

الجديد  مريم حيدري [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(60)]

لوحة: إدوارد شهدة
عَلى‭ ‬غيرِ‭ ‬عادتِهِ

يلتفِتُ‭ ‬المَاضي‭ ‬نَحوي

يتنَفَّسُ‭ ‬مِن‭ ‬هواءِ‭ ‬اليَوم

ويَسيرُ‭ ‬مَعي‭ ‬في‭ ‬شوارعِ‭ ‬الجَزَائِر

المدينةُ‭ ‬الصَائِمةُ‭ ‬حُفرةٌ‭ ‬مَليئَةٌ‭ ‬بِالكلِمَات

يقِف‭ ‬ويستلُّ‭ ‬مِنها‭: ‬غُيومَ‭ ‬الطّريقِ‭ ‬فِي‭ ‬الهَاتفِ‭ ‬المَحمُول،

يَدِي‭ ‬وهيَ‭ ‬تَبحَثُ‭ ‬عَنكَ‭ ‬فِي‭ ‬السَّرير،

رائحةَ‭ ‬الحَقلِ‭ ‬فِي‭ ‬القَميصِ‭ ‬الأبيض،

ذاكرةَ‭ ‬الكُرسيِّ‭ ‬الأصْفَر،

وصوتَك‭ ‬الّذي‭ ‬يبْتعِدُ‭ ‬وَيَعِد

‮…‬

يَحمِلُها‭ ‬إلى‭ ‬حَافةِ‭ ‬الزَّمنِ‭ ‬الآتِي

يَنثُرُهَا‭ ‬أمَامي

ويَعودُ‭ ‬إلَى‭ ‬الوَراء‭.‬

2

أحلامٌ‭ ‬تَهرُبُ‭ ‬مِن‭ ‬قَبضَةِ‭ ‬اللَّيل

وتُفاجِئُني‭ ‬فِي‭ ‬الأزِقَّةِ‭ ‬المُظلِمَة

غِيلانٌ‭ ‬بِلِحَىً‭ ‬طَويلةٍ‭ ‬وبَنادِق،‭ ‬سَيَخرُجُونَ‭ ‬مِن‭ ‬الشّاشَةِ

ويُطلِقونَ‭ ‬النَّارَ‭ ‬عَليّ

شَرنَقَةٌ‭ ‬تُصبِحُ‭ ‬بِحَجمِ‭ ‬مَدينَةٍ

ولا‭ ‬تَنكَسِر

حَشَراتٌ‭ ‬تَدخُلُ‭ ‬السّاعاتِ

وتُعيدُ‭ ‬العَقارِبَ‭ ‬الجَارِحَةَ‭ ‬إِلَى‭ ‬الوَرَاء

صُوَرٌ‭ ‬تَتَدلَّى‭ ‬مِن‭ ‬حَبلِ‭ ‬أيّامِي‭ ‬بِارتِعاشَةٍ‭ ‬مُقلِقَة

وأصوَاتُ‭ ‬مَن‭ ‬يَسأَلونَنِي‭ ‬بِحُزنٍ،‭ ‬طَوالَ‭ ‬الوَقتِ‭: ‬لِماذَا؟‭ ‬لِماذَا؟

يَكفِي‭ ‬فقَط‭ ‬أن‭ ‬تَفتحَ‭ ‬البابَ‭ ‬الزُّجَاجيَّ

بِالقَميصِ‭ ‬الأَسوَدِ

تَتَقدَّمَ

وتَمُدَّ‭ ‬يدَكَ‭ ‬لِلتَّحيِّةِ

فَتَنغَمِسُ‭ ‬فِي‭ ‬سُكونِ‭ ‬المَاءِ

ليَذوبَ‭ ‬هَذا‭ ‬العَالَم‭.‬

3

أمُدُّ‭ ‬يَدِي‭ ‬فِي‭ ‬الهَواءِ

أُمسِكُ‭ ‬بِكَلِمةِ‭ ‬الذَّاكِرَةِ

كَلِمَةِ‭ ‬الفَرَحِ،

البَيتِ،

الحَافِلاتِ‭ ‬الّتِي‭ ‬تَنقلُنَا‭ ‬مِن‭ ‬مَدينةٍ‭ ‬صَغيرةٍ‭ ‬إلَى‭ ‬أُخرَى،

أُمسِكُ‭ ‬بِكَلِمِةِ‭ ‬الصُّبحِ،

نَومِكَ

وصَوتِ‭ ‬المَاءِ‭ ‬الدَّافِئِ

بِشَمسٍ‭ ‬كَبيرَةٍ‭ ‬فِي‭ ‬أَزِقّةِ‭ ‬الأَهوَازِ

بِحُلمٍ‭ ‬يَجرِي‭ ‬كُلَّ‭ ‬لَيلةٍ‭ ‬فِي‭ ‬طُفُولَتِي

بِكَلِمَةِ‭ ‬السَّفَرِ

أُمسِكُ‭ ‬بِالكَلِمةِ‭ ‬الَّتي‭ ‬هِيَ‭ ‬اسْمُكَ

وأَكتُبُ‭: ‬لَا‭ ‬شَيْء‭.‬

4

الوقتُ‭ ‬مُبَكّرٌ‭ ‬لِلسّرَابِ

ولِلوَهمِ‭ ‬أن‭ ‬يَأتي‭ ‬بِأسبابٍ‭ ‬بَسِيطةٍ،

ليَدخُلَ‭ ‬البَيتَ

الشَّمسُ‭ ‬غَيمةٌ‭ ‬نَاصِعَة

والضَّوءُ‭ ‬ظِلَالُ‭ ‬الشَّبَقِ‭ ‬عَلَى‭ ‬الصَّباح

نَهدَايَ‭ ‬زَهرَتَانِ‭ ‬بَرّيَّتانِ‭ ‬بَينَ‭ ‬الحَرِيرِ

وحَقيبةُ‭ ‬السَّفرِ‭ ‬قَريَةٌ‭ ‬هَادِئَة‭.‬

هكَذَا

أخَذتُ‭ ‬ألهُو‭ ‬بِالكَائِناتِ‭ ‬السَّعيدَةِ

ونَسِيتُ‭ ‬أن‭ ‬أُغَطّيَ‭ ‬الظَّهيرةَ‭ ‬بِالشَّرْشَفِ‭ ‬الأزْرَقِ

كَي‭ ‬لَا‭ ‬تَخدِشَها‭ ‬يَدُكَ‭ ‬القَادِمَةُ‭ ‬مِن‭ ‬البَعِيد

لِتُغلِقَ‭ ‬البَابَ

وَتَهبِطَ‭ ‬بِهُدوءٍ‭ ‬فِي‭ ‬المَصعَدِ،

ثُمَّ‭ ‬تَسيرُ‭ ‬بَینَ‭ ‬الأَبرَاجِ‭ ‬والمَرْكَباتِ

وتَنسَى‭ ‬عَالمِيَ‭ ‬الصَّغيرَ

وحيداً

فِي‭ ‬الطَّابقِ‭ ‬السَّابع‭.‬

5

دُونَ‭ ‬أنْ‭ ‬يَحدُثَ‭ ‬أيُّ‭ ‬شَيْءٍ

دُونَ‭ ‬أنْ‭ ‬تَشعُرَ‭ ‬أنَّ‭ ‬شَيئاً‭ ‬مَا‭ ‬سَيَحدُثُ

فِي‭ ‬الصُّورَةِ‭ ‬الكَبيرَةِ‭ ‬الَّتِي‭ ‬أنتَ‭ ‬فِيهَا‭:‬

تَسُوقُ

تَمكُثُ‭ ‬مِنْ‭ ‬أَجُلِ‭ ‬قَهوَةٍ

تَصِلُ

حَامِلاً‭ ‬بِيَدٍ‭ ‬تِيناً

وَبِيَدٍ‭ ‬أُخْرَى‭ ‬قُبلَةً‭ ‬خَاطِفَةً

تَصعَدُ

‭-‬ وَفِي‭ ‬المَصعَدِ‭ ‬نِصْفٌ‭ ‬مِن‭ ‬كلِّ‭ ‬شَيْءٍ‭-‬

تَدخُلُ

تَغْسِلُ‭ ‬وَجْهَكَ،‭ ‬يَدَيْكَ،‭ ‬وَأفْكَاراً‭ ‬عَمَّا‭ ‬مَضَى

تخطيط: حسين جمعان

وَتَنَام

تَخرُجُ‭ ‬الأَنفَاسُ‭ ‬العَمِيقَةُ‭ ‬دُونَ‭ ‬أنْ‭ ‬تَشْعُرَ

هكَذا‭ ‬دونَ‭ ‬أنْ‭ ‬تَشْعُرَ

سَأغِيبُ‭ ‬عَن‭ ‬أمْكِنَتِكَ

أسِيرُ‭ ‬بِيَدَيْنِ‭ ‬فَارِغَتَيْنِ

كَيْ‭ ‬أُحَقِّقَ‭ ‬أُمْنيَاتيَ‭ ‬الصَّغيرَةَ

واحِدةً

تلوَ

الأُخرَى

فِي‭ ‬الصُّورةِ‭ ‬المُقَابِلَةِ

وَحيدَةً

فِي‭ ‬بَيتٍ‭ ‬مُشرِقٍ

أوْ‭ ‬عَلَى‭ ‬الطُّرُقِ‭ ‬الْبَرِّيَّةِ‭ ‬فِي‭ ‬أفْغَانِستَان‭.‬

6

فوقَ‭ ‬الفِراشِ

أترُكُ‭ ‬رِجالاً‭ ‬نَادِمينَ

ظُنوناً

قَلَقاً

صُوَراً‭ ‬تَغرُبَ‭ ‬وَتَعُودُ

أحْلاماً‭ ‬غَاضِبَةً

وأصْواتاً‭ ‬تَهتِفُ‭: ‬لا،‭ ‬لا‭..‬

نَحوَ‭ ‬صُورَتِكَ‭ ‬فِي‭ ‬الشَّاشَةِ‭ ‬الصَّغِيرَةِ

قَبلَ‭ ‬أنْ‭ ‬يَبدَأَ‭ ‬العَالَمُ‭ ‬يَومَهُ‭ ‬بِأيِّ‭ ‬شَيْءٍ

أَحْمِلُ‭ ‬الكَلِماتِ‭ ‬وأَسير‭.‬

هذِهِ‭ ‬القَصيدَةُ،

“صبَاحَ‭ ‬الخَير”،

أيْقونَةٌ‭ ‬ضَاحِكَةُ،

وأَنَا

مَصيرُنا‭ ‬فِي‭ ‬زِرٍّ‭ ‬رَماديٍّ‭ ‬صَغِير‭.‬

7

فِي‭ ‬لَيلةِ‭ ‬الشَّوارِعِ‭ ‬الأَخيرَةِ

يَمرُّ‭ ‬الغُرَباءُ‭ ‬بِعُيونٍ‭ ‬لَامِعَةٍ

كَأنّهُم‭ ‬سَيَحضُنُونَ‭ ‬أسماءً‭ ‬تَنتَظِرُ‭ ‬خَلفَ‭ ‬الشَّبابِيكَ‭ ‬الحَجرِيَّةَ‭ ‬البَيضَاءِ

دُونَهُم‭.. ‬أنتَ‭ ‬الوَحيدُ‭ ‬تَعرِفُ‭ ‬اسْمِي

نَسيرُ

ثُمَّ‭ ‬تَسقُطُ‭ ‬اللَيلَةُ‭ ‬مِن‭ ‬فَمِ‭ ‬العَالَمِ‭ -‬غَيرَ‭ ‬مُبالٍ‭-‬

ودُونَمَا‭ ‬صَوتٍ،‭ ‬كَنُواةٍ‭ ‬صَغيرَة‭.‬

8

أرَى‭ ‬أنْفاسِيَ‭ ‬طَائِرةً‭ ‬فِي‭ ‬الهَواءِ

أرَى‭ ‬رُوحيَ‭ ‬رَاكِضَةً‭ ‬خَلفَها

وَجَسدِي‭ ‬لَا‭ ‬يَنطِقُ‭..‬

بِيَدِكَ

أَنْ‭ ‬تَنفَخَ‭ ‬أو‭ ‬ألَّا‭ ‬تَنْفَخَ

أنْ‭ ‬تَكتُبَ‭ ‬بِضعَ‭ ‬كَلِمَاتٍ‭ ‬أوْ‭ ‬ألَّا‭ ‬تَكتُبَ

أنْ‭ ‬يَكونَ‭ ‬اسْمِي‭ ‬مَا‭ ‬حَمَلْتَهُ‭ ‬وَرَحَلْتَ

أوْ‭ ‬لا‭ ‬يَكُون

أنْ‭ ‬تَكونَ‭ ‬دَسَسْتَ‭ ‬فِي‭ ‬جَيبِكَ‭ ‬ظِلّاً‭ ‬لِيَدِي

ظِلّاً‭ ‬لِشَفَتِي

وَصَوْتِي‭ ‬حِينَ‭ ‬تَتْرُكُ‭ ‬البَيتَ‭ ‬وَأُنادِيك

أوْ‭ ‬لَا‭..‬

أنْ‭ ‬أُنادِيكَ‭ ‬فِي‭ ‬الأَهْوَازِ

وتَسمَعني‭ ‬فِي‭ ‬المُحيطِ‭ ‬البَعيدِ

أنْ‭ ‬تسمَعَنِي‭ ‬وَلا‭ ‬تَسمَع

‮……‬

مَصيري‭ ‬قَارِبٌ‭ ‬صَغيرٌ‭ ‬يَنتظِرُ‭ ‬فِي‭ ‬عَرضِ‭ ‬المُحيط‭.‬

9

ها‭ ‬هو‭ ‬يومك‭ ‬يبدأ

وشمس‭ ‬الظهيرة‭ ‬معفرة‭ ‬بتراب‭ ‬المسافات

تضحك‭.. ‬وتلعنها

كما‭ ‬تلعن‭ ‬بلادك

تمضي

وتنسى‭ ‬شفتيّ‭ ‬اللتين‭ ‬تقبّلان‭ ‬جبين‭ ‬العالم‭ ‬كلّ‭ ‬صباح

لأن‭ ‬روحك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحنّ‭ ‬إلى‭ ‬العدم

10

لأنِّي‭ ‬أسمَعُها‭ ‬تُرفْرِفُ‭ ‬فِي‭ ‬ظَلامِ‭ ‬الذَّاكِرةِ

لأنَّ‭ ‬جِناحَيْها‭ ‬النَّاصِعَينِ‭ ‬مَزَّقا‭ ‬نَسيجَ‭ ‬وَحدَتي

الكَلِماتُ‭ ‬الّتي‭ ‬بُحتَ‭ ‬بِها‭ ‬عَلى‭ ‬شَاطِئِ‭ ‬الغُرَبَاء

مِن‭ ‬أجْلِها‭ ‬فَقَط

تَتحرَّكُ‭ ‬الآن

وتَرفعُ‭ ‬رَأسَها‭ ‬نَحوَ‭ ‬الضَّوْءِ

حَياتِي‭ ‬العَالِقةُ‭ ‬فِي‭ ‬طِينِ‭ ‬الأَوهَام‭.‬


شاعرة ومترجمة من إيران