لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة

بأي‭ ‬لغة‭ ‬يكتب‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تراجيدي

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(6)]

تخطيط: حسين جمعان
على إثر صدور العدد الماضي من “الجديد” المخصص لملامح من المغامرة الشعرية العربية في أطوارها الأخيرة، واحتفاء بالجديد، عبّر كثيرون من الكتاب والقراء عن غبطتهم بالعدد، وأبدوا ملاحظات غلب عليها السؤال عن المسافة بين حرية الشاعر وكيان اللغة، وعن المغامرة الشعرية وعلاقتها بالزمن والتجارب الإنسانية‭.‬ والواقع أن هذه وغيرها من الأسئلة، بما في ذلك السؤال الذي لا ينفكّ يطرح حول وظيفة الشعر، ستظل تطرح مادام هناك شعراء وقصائد وقراء يحبون الشعر‭.‬

على مدار تاريخ كامل أشاعت ثقافة تلقي الشعر، في مجتمعات الثقافة العربية اعتقادا بأهمية أن تكون للشعر وظيفة‭.‬ هذا الفهم الذي يجد سنده في الممارسات الشعرية نفسها، اصطدم في النصف الثاني من القرن العشرين على نحو غير مسبوق بالمفاهيم الجديدة التي فرضتها تحولات دراماتيكية أفصحت عنها لغة الشعر مع ما سمّي أولا بـ”القصيدة الحرة” وتاليا بـ”قصيدة النثر”‭.‬

وفي الربع الأخير من القرن العشرين، في ظلّ التطورات التي عرفتها حركة الشعر الحديث في عواصمه الكبرى، بغداد، دمشق، القاهرة، بيروت وظهور تجارب أكثر راديكالية في الكتابة شاعت معها مناخات جديدة عرفتها حركة الشعر العربي، خلص الشعراء الجدد ونقادهم إلى أن ما ظلَّ يحدّ من جموح الشعر ومن مغامرته وحريته اللغوية، وبالتالي من انفتاحه على العالم والأشياء، إنما وقوع السواد الأعظم من جمهور الشعر في أسر فكرة الوظيفة، وهي فكرة قديمة ارتبطت، أساساً، بتقاليد وأعراف ثقافية في تذوق الشعر أفلت وأفل زمنها‭.‬

اكتشف الشعراء الجدد أن انعكاس العالم في الشعر هو خير دليل على مدى ارتباطه بعالمه وزمنه، وأن تعبير الشاعر عن ذاته الفردية، وأناه العميقة، وانفعاله الشخصي بعالمه، في لغة مبتكرة، هو أساس التجربة الشعرية، أمّا “الوظيفة” التي دأب بعض النقاد على مطالبة الشعر الالتزام بها، فهي تطالب الشعر بأن لا يتغير، ليواصل تقاليده القديمة، بل تطالبه بالصعود إلى سطح الأشياء، متخليا عن الأعماق التي تضطرم في اللغة والشعور والوجدان‭.‬

بالمقابل عندما نتحدث عن انعكاس العالم في اللغة وتجلّي الأشياء في الشعر، إنما نلامس خواصها ومساحاتها المنظورة وكذلك تلك المتوارية في غلالات اللغة ووراء المنظور من أسرارها وأسرار الخيال الشعري‭.‬

إن أجناسا فنية وأدبية وجمالية أخرى غير الشعر، مثل التشكيل والرواية والمسرح إنما تتموضع في مساحات من اللغة والتعبير، وفي تراكيب وعلاقات أكثر منطقية ومباشرة ممّا يمكن أن نكتشف في الشعر‭.‬

ومن المثير للتأمل أن هذه الأجناس الإبداعية باتت تتيح للشعري أن يظهر هنا وهناك في ملامح منها‭.‬ وبينما هي تقوم بجانب من الوظائف المطلوبة في المجتمع، وظائف محتملة، فإنها تتيح، في الوقت نفسه، للشعر أن يتحرر أكثر فأكثر، ويخلص لنفسه، ويتسامى في مغامرته بعيدا عن الفكرة الآسرة للوظيفة‭.‬

ولعل من فضائل المغامرة الشعرية الحديثة أنها خلَّصت الشعر من الأعباء القديمة في نقل رسائل المجتمع، وجعلته أقرب إلى نفسه أكثر‭.‬ وها هو الشعري، من ثمة، يتجلى في الرواية فضاءً يجنّح النثر، بينما هو في الشعر، كما برهنت تجارب الشعراء الجدد، يفجر طاقة النثر، محاولا توليد الشعر عبر وسيط نثري‭.‬

لقد حاول بعض النقاد العرب في العقود الأخيرة، ومن خلال قراءاتهم وتأمّلاتهم في تحولات الشعر والنثر معا، دراسة هذه التطورات البنيوية والجمالية‭.‬ أتخيل ‭-‬وربما تكون نظرتي خاصة وهي عرضة لأن تقارن بنظرة أخرى أو تمتحن بإزاء أفكار مخالفة‭-‬ أن الشعر أصبح أصفى وباتت رهافته أكثر بروزاً، رغم التعقيد اللغوي الذي ميّز بعض أفضل التجارب الشعرية العربية الجديدة‭.‬

شاعر القصيدة الحديثة، حرر نفسه من وطأة فكرة الوظيفة، بعدما قطع شوطا بعيدا في تحرير شعره منها، لم يعد يأبه للمقولات القديمة، ولا للممارسات النقدية التي كالت لشعره الاتهامات‭.‬ لكن ذلك لم يمنعه أبدا من اقتحام أرض الصراع الإنساني مع قوى الشر والاستبداد والجريمة، والتعبير من ثمة، بلغة جديدة، عن التراجيديا الإنسانية بوصفها تراجيديا شخصية‭.‬

وبالتالي لم يعد الشاعر العربي الحديث آبها بتلك التقولات عن فراغ الشعر من المعنى، وهي انطباعات ظالمة تورط بإبدائها والترويج لها نقاد كانوا في بداياتهم من أشد المتحمسين للتحولات البنيوية العميقة التي شهدها الشعر في الثقافة العربية منذ مطلع القرن العشرين، لا سيما مع تجارب جبران والريحاني والمهجريين وجماعة أبولو وصولا إلى شعراء القصيدتين “الحرة” و”النثر”‭.‬

ومن حسن طالع الشعر أن الشعراء العرب الجدد حسموا أمرهم مع ذائقة القراءة، واعتبروا أن الشاعر لم يعد مطالباً، أبدا، بأن ينطق باسم قبيلة أو جماعة، أو جمهور كبير أو صغير‭.‬ لقد تحرر الشعر، في نظرهم، مرة وإلى الأبد، من الأغراض، وتحرر الشاعر من الطلبات الاجتماعية‭.‬

لم يعد الشاعر لا سارداً ولا مؤرخاً، ولا إعلاميا‭.‬ ولم تعد القصيدة حمالة رسائل تنتجها لغة الشعر نيابة عن اللغة الاجتماعية‭.‬ الشعر لم يعد يطالب نفسه بأن يكون ممتحَناً خارج نفسه‭.‬ ولكن شعره في النهاية وثيقة جمالية‭.‬

هذا لا يعني، بتاتا، أن الشعر تحول إلى ظاهرة بلّورية صافية ومعزولة عن العالم، بل بالعكس لقد بات في وسعه أن يشفّ ويعبّر ويتوهج أكثر، ما دامت طبيعة علاقة الشاعر بلغته قد تغيرت استنادا إلى رؤى واختبارات ومواقف أسقطت جلّ الحواجز الاجتماعية التي ظلت قائمة بين الشاعر وعالمه، والشاعر ولغته والشاعر وصنيعه الفني، وهو ما غيّر بالضرورة منطق العلاقة مع اللغة ومفهوم الشاعر عن الشعر‭.‬

لكن هذا لم يحدث من دون التباسات وتعقيدات أدخلتها تجربة الشعر الحديث على تلقّي الشعر‭.‬ ولنتخيل، الآن، قصيدة تسمّى “القصيدة الحرة” ويحار فيها القرّاء، فلا يستطيعون أن ينفوا عنها شعريتها ولا يعرفون كيف يؤكدون هذه الشعرية‭.‬

وفق أيّ مقاييس سيفعلون، وقد كسر الشاعر المقاييس القديمة للشعرية التي قرّت عليها ثقافتهم، بل وتجرأ حتى على تلك المقاييس الجمالية الجديدة التي ولّدتها تجارب أواسط القرن العشرين، مع شعر شعراء كالسياب والملائكة وحاوي ونزار قباني، وغيرهم‭.‬

لكن هذه الحيرة هي في نظري حيرة خلاقة، حيرة ضرورية، فلمَ لا يكون الشعر عصياً إلى هذه الدرجة أو تلك، إن في تعريفه، أو في الاستدلال عليه؟ لمَ لا يكون الشعر نبع الأسرار والغوامض والخيالات الغريبة، وهو ينطق بمجاهيل النفس البشرية؟ أليس في مسلك الشعر على هذا النحو اعتراف عظيم الأهمية بفرادة البشر وغنى أعماقهم، ودعوة ، بالتالي، إلى اعتبار كلّ كائن من كائنات العالم قارة مجهولة وعلى الشعر أن يساعدنا على تلمس الطريق لاكتشاف تلك القارة؟

لكن هل ينبغي أن تعفينا مثل هذه التصورات من طرح أسئلة أصعب عن مدى إخلاص الشاعر لنفسه ككائن اجتماعي بينما هو يخلص لنفسه كشاعر؟ وعن موقف الشاعر من عالمه وإنسانه، بينما عالمه يتمزق وينهار أخلاقياً، وإنسانه يحترق في أفران الاستبداد ويسجّى جثمانه الجماعي في أرض خلت منها الرحمة وزالت عنها كل حكمة‭.‬ هل يمكن قبول فكرة كتابة الشعر في أزمنة الخراب والفظاعات والزوال من الوجود باللغة نفسها التي كتب بها من قبل، عندما كان كل شيء يبدو آمنا، وكان القلق هو الفكرة الوجودية القصوى‭.‬

العرب اليوم، جميعهم، واقعون في فخ نصبته لهم الأمم، وأوصلتهم إليه تجاربهم الأليمة‭.‬ صورهم العائلية على جدران بيوتهم تنزف دماً، والجماعة الإنسانية كلها في عراءِ مهبِّ وجودي غامض‭.‬ فبأي لغة سيكتب شاعرهم الشعر؟ سؤال صعب لا ينفرد في الإجابة عنه شاعر، ولا مقال ولا كتاب‭.‬ إنه سؤال ملغز يضرب في المجهول، لكنه مفتوح على المغامرة‭.‬

فبأيّ لغة سيكتب الشاعر العربي شعره إن لم يكن بأسئلة الوجود رداً على لغة الإبادة؟

لندن 27-10-2015



مقالات أخرى للكاتب:

  • يا له من سؤال!
  • الخُرُوجُ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ
  • رنا‭ ‬قباني:‭ ‬ ‬الغرب‭ ‬يرفضني‭ ‬والأصوليون‭ ‬أيضا‭!‬
  • عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الإبن
  • ما في الكون من رجل
  • بلاغة النشيد الكوني
  • ثقافة‭ ‬تحطيم‭ ‬الأجنحة
  • نَهْرٌ‭ ‬عَلَى‭ ‬صَلِيبْ
  • العبد‭ ‬التكنولوجي
  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • اغترب‭ ‬تتجدد
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة