الخيوط

الجديد  أحمد سعيد نجم [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(36)]

تخطيط: حسين جمعان
لم أنسَ‭.‬ وكيف أنسى خيوطاً أعطتها لي الحياة‭.‬ الحياةُ النجيلةُ مثل عصى‭.‬ أنتَ وما تسحبُ‭.‬ ومع تلك الحياة أتتنا الخيوط‭.‬ ومنها نسجَ لنا الأهلُ ثياب عيد، وسداري مدارس، وبدلات فتوّة‭.‬ وكل عام في صف‭.‬ ولا انتهاء في الأفق للصفوف‭.‬ السادس‭.‬ والسابع‭.‬ والثامن‭.‬ والتاسع‭.‬ و”اترك من يدك”‭.‬ و”إلى دراستك”‭.‬ وعندما نتأخرُ خارج البيت يسألُوننا:

“أين كنتم ؟”‭.‬

فنجيبهم:

“كنا هنا‭.‬ عند رأس الحارة”‭.‬

“يعني لم تذهبوا مع غالب؟”‭.‬

“لا لم نذهب معه”‭.‬

ونكون قد ذهبنا، وغمّقنا‭.‬ وتركنا صفوف البيوت، التي ينتهي عندها المخيّمُ، وبعدها إلى البيادر، وبستان “أبو أنيس″، ومنه إلى أعماق الغوطة‭.‬ وكيف سنعود متى تشابهت الأمكنة، وتشابه معها السواد؟ وتكون النباتات التي هاشت عند ضفاف السواقي قد شدّتنا إلى الطين‭.‬ ولن نخرج منه إلا بعد بكاء مرير‭.‬

أغصانٌ مخادعة تشدّنا إلى الرُكَب‭.‬ وتجرّنا إلى القلب الرجراج والمخادع‭.‬

وعندها فقط كنا نسأل “غالب”:

“أين تأخذنا؟”‭.‬

وكان يُجيبنا:

“امشِوا‭.‬ امشِوا ولا تخافوا‭.‬ ولا تبكوا كالأطفال”‭.‬

وكان الأقوى، والأجرأ‭.‬ ويوم أن أمسكوه مع “سعاد” في البستان حلَفَ أبوه أمام أهلها الذين هاصوا بالسكاكين والعصيّ، وأمام الناس أجمعين، أن يجعل من ابنه عبرةً لمن يعتبر‭.‬ وصلبه على عمود الكهرباء الذي رُكِّب حديثاً عند رأس الحارة‭.‬

وبكاء “غالب” وتوسّلاته ملأت الحارة، والحارات المجاورة، وجمّعت عليه الناس من أرجاء المخيّم قاطبةً‭.‬ ثمّ، ومِن بعد الضرب والتجريص في الشوارع مَن عاد يقدر عليه‭.‬ على قدّيسنا الصغير‭.‬ نموذجنا الأعلى‭.‬ وكنا ساعة نختلي به نرجوه مثل شحّاذين:

” قل لنا كيف؟”‭.‬

” قل لنا كيف؟”‭.‬

وكنا بذلك كَمَن يخاطبُ زجاجاً سميكاً‭.‬ فالزجاجُ الكتيم الذي صُنعت منه نفوس البشر لا يقول شيئاً‭.‬ وكيف يقول؟ ومن أين يبدأ؟ وكلُّ قولٍ كان سيفكُّ السحر‭.‬

وها هي تحيّةُ “سعاد ” لي تخلط الأزمان‭.‬ الماضي حاضراً والحاضرُ ماضٍ‭.‬ وأنا لم أنسَ‭.‬ كنتُ، فقط، بحاجةٍ إلى بعض الوقت‭.‬ وبعض الوقت لا يأتي متى ما أردتُه‭.‬ وبالأخصّ، عندما انبثقت كلماتُها على نحوٍ عجائبيّ‭.‬ نبتةٌ وسط الصحراء‭.‬ إنها الاستحالةُ تطلُّ برأسها مثل معلّم عجوز‭.‬ تشرحُ لي الدرس الذي أعرفه‭.‬ أهي المجاملة عندما نصطدم وجهاً لوجه؟ أم الرغبة في قول شيء ما؟ فمن المؤكّد أنها لم تكن تسألني عن صحّتي:

“كيفك يا احمد؟”‭.‬

هكذا جاءني صوتُها الذي لا أخطئُهُ‭.‬ وقبل أن أجيب، أكملت:

“شو انسيت؟”‭.‬

“انسيتني ما هيك؟”‭.‬

وأنا لم أنسَ‭.‬ بل كنتُ أتمنى‭.‬ لو ينفَعُ التمنّي‭.‬ أأكون مضحكاً لو تمنّيتُ أن التحيّة التي أسمعُها الآن، كانت قد قيلت لي أيام ذاك‭.‬ في وقت حاجتي الحقيقية لها‭.‬ عندما حاولتُ أن أثقب الشرنقة التي خنقتنا بداخلها أسطورة “غالب”‭.‬ ويومها كنتُ أطمحُ أن أكونه‭.‬ أمشي فتسبقني حكايةٌ لا تشبه الحكايات‭.‬ فلماذا؟ لماذا لم تكن “سعاد” التي تُحيّيني الآن مثل “سعاد” التي مضت تكزدر مع “غالب” في البساتين، وصاغت له أسطورته‭.‬ “غالب كمشوه مع ‘سعاد’ في البستان”‭.‬ ما كان أروعها من كلمات‭.‬ ألهبت مخيّلتنا زمناً، قبل أن تقشر لنا الحياةُ عن اللّب الزائف وراء تلك الكلمات وأمثالها‭.‬

وأعرف أن طلبي الذي شفعَتُهً أيامذاك، بهديّة مُعتَبَرة: قلم حبر بعلبته كان ضعيفاً، وممزوجاً بكثير من الطين والضجيج‭.‬ والأسطورة التي توسّلتُها أيّامذاك لن تحقّقها “سعاد” بل المقهى‭.‬ المقهى‭.‬ المقهى‭.‬ أسطورة الأساطير‭.‬ وكل “دمشق” أساطير‭.‬ المقاهي والمطاعم والحارات والحانات‭.‬ والعمل السياسيِّ‭.‬

وكبكوبةُ الخيطان التي كانتها المدينةُ في أوّل تعرّفٍ لي بها ناولتني رأس أحد الخيوط‭.‬ وكان المقهى أوّل خيوطِي‭.‬ وكانت مرآتُهُ الممتدة على طول الجدار الداخلي قد أرتني نفسي عشرات المرّات‭.‬ في كل روحةٍ إلى “التجهيز″، وفي كل عودةٍ منها‭.‬

وها أناذا ببدلة الفتوة‭.‬ جندي صغير‭.‬ بشارب خفيف‭.‬ ولحية أخفّ‭.‬ أوشك أن أمسك ذلك الخيط فيسمّرني الخوف‭.‬ وماذا؟ أأنا خائف؟ ألا أريدُ للشرنقة أن تُثقَب؟ ألا أريد للاكتمال أن يتحقّق؟‭.‬ وماذا؟ أهو شيء آخر غير مقهى؟

إن كنتُ سأتردّد وأفكّر بالأمر طويلاً فليس أمام الباب‭.‬ بل عند الزاوية‭.‬ أو على الرصيف المقابل‭.‬ وسأترك مسافة أمان‭.‬ لن أترك لأبطالي الجُدُد أن يروني‭.‬ سأباغتهم وفي الزاوية التي أراهم منها ولا يرونني سأقف‭.‬ وأزيّن الأمور‭.‬

ولكن إلى متى سأظلّ أزيّن الأمور؟ وبأيِّ ميزان سأزيّنها؟ لقد زنتُها وأشبعتُها زيناً‭.‬ فإن قطعتُ الشارع الذي أقف عند زاويته مثل لصّ فسأصبح أمام المقهى من جديد‭.‬ ومتى صرتُ هناك فقد تحتّم عليَّ الدخول‭.‬ وعندما أصل فلن أسمح لمزيدٍ من التردد بأن يلتهم عزيمتي‭.‬ إن قطعتُ الشارع فأكون قد اخترتُ أن أكسر المرآة‭.‬ وسأقفز منها‭.‬ فهي لم تعد لي‭.‬ إحدى الطاولات ستصير لي‭.‬ وهذا ما أكّده النادل عندما سألني:

” شو بيطلب الشبّ؟”‭.‬

الشبُّ‭.‬ الشبُّ‭.‬ الكلمة التي أخرجتني من المرآة وقادتني برفق نحو إحدى الطاولات‭.‬

ولحظتها، سمعتُ النداء الوحشي والمغوي:

“اتبعوني عميقاً‭.‬ وبعيداً‭.‬ لا تخافوا‭.‬ ولا تكونوا كالأطفال”‭.‬

ولكأنما أتاني من أعماقٍ خفيّة‭.‬ نداء بساتين الغوطة التي فصفصنا عظامها حتى أزلنا عنها كلَّ مهابة‭.‬ نداءً سمعتُهُ فحثثتُ الخطى وأنا أعبر الشارع‭.‬ أحطّم أسطورةً كي أبني أخرى‭.‬

وهناك، في قلب المقهى، وأنا أجلس على إحدى الطاولات سوف أسمع كلماتٍ ولا أشهى‭.‬ كلمات لن تقلَّ بهاءً عن الكلمات التي أسمعُها الآن من “سعاد”‭.‬

وبدلاً من أن أسمع:

“كيفك يا أحمد؟”‭.‬

فإنني سأسمع النادل العجوز يسألني بجفاف:

“شو بيطلب الشبّ؟”‭.‬

والآن وبعد أن نطقتُ بجرأة كبيرة:

“واحد شاي”‭.‬

أحسستُ، أنا الذي كنتُ ما أزال طفلاً، بأنني غدوتُ بقفزةٍ جبّارة واحداً من أقوياء هذا العالم‭.‬ يأمرُ فيُطاعَ‭.‬ وبالأخصّ بعد أن ردّد النادل طلبي بأعلى صوتٍ سمعتُه في حياتي:

“وعندك واحد شاي”‭.‬

و”عندك واحد شاي”‭.‬ أشبهت في مدلولها الجملة-الأسطورة: “غالب أمسكوه في البستان مع سعاد”‭.‬ وحينها، كانت أمثالُ تلك الكلمات ترتفعُ بنا إلى الذُرى‭.‬ كانت كلمات أنهت الحارة، كي تبدأ المدينة‭.‬ وأيّ مدينة! نعم‭.‬ أيَّ مدينة! وكان ذلك فيما مضى‭.‬ كان ذلك فيما مضى.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات