تونس‭ ‬والعالم‭ ‬العربي يا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬جديدة

هشام‭ ‬جعيط‭ ‬وتفاؤل‭ ‬الحكماء

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/02/2016، العدد: 13، ص(54)]

لوحة: ريم يوسف
لم يخيب المفكر العربي التونسي هشام جعيط ظننا في مسألة الالتفات إلى التاريخ وإعادة تفكيكه وتأصيله وفهم مفردات الواقع وفقاً لتناقضاته، تلك المهمة التي يفتقر إليها المناخ النقدي العربي عموماً، فالعرب كما يرى جعيط مولعون بالفلسفة والسياسة‭.‬ يتركون التاريخ يقع ويدوّن ويتحوّل إلى سلطات شتى ثقيلة متحكمة بالراهن، دون أن يتدخلوا في تحليله وردّ الأمور إلى سياق علمي‭.‬

يعرف جعيط أنه لا يمكن الحديث عن الإنسان دون بحث معمّق ودائم ومخبري في تشكلات هويته التي يسمّيها هو “مشكلة الهوية”، ويصر، محقاً، على ربط الهوية العربية بالإسلام، مع الانتباه الدائم إلى جدلية العلاقة بينهما، والتي لم تتوقف يوماً حتى هذه اللحظة التي نحن فيها‭.‬ فما يزال مكوّنا تلك الهوية يتصارعان عليها‭.‬ يدّعي كل منهما تمثيل الجموع البشرية التي تمتد بها الأرض من المحيط إلى الخليج‭.‬ حتى وصل الأمر، بتصوري، إلى إعادة النظر اليوم في الهوية العربية لأقاليم أساسية مثل العراق والشام‭.‬ وهي التي يخطفها مشروعان اليوم يبدوان متناقضين لكن وحدة العدو المشترك لهما، تجعل منهما مشروعاً واحداً؛ إيران وداعش‭.‬

تواجه الهوية العربية اليوم الرفض الشرس، ليس فقط ممن يجدون فيها تهديداً لمصالحهم القومية والدينية، مثل جناح من العنصريين من القوميات التي عاشت في كنف الدولة العربية التي حكمتها الأنظمة الرسمية العربية الاستبدادية، مثل جناح من العنصريين يمتد من أطياف كردية في المشرق إلى أطياف أمازيغية على امتداد المغرب‭.‬ بل أيضاً من جناح فاقد للبوصلة الفكرية من بين العرب أنفسهم، الذين رأوا أن خير انتقام من الأنظمة التي رفعت شعار “العروبة” وحكمت الناس بالحديد والنار، هو الانقضاض على العروبة ذاتها ونقض الهيكل بكل ما فيه، بغض النظر عن حقيقة تلك الشعارات أو زيفها‭.‬ وكان يمكن أن ينسحب هذا الغضب ليس فقط على مفهوم “العروبة”، بل أيضاً على مفهوم “الحرية” الذي لم تقصّر تلك الأنظمة في جعله شعاراً أبدياً لها، وإن كانت قد فعلت كل ما يمكن لخنق حرية المواطنين سواءً كانوا عرباً أو غير عرب في الدول التي سيطرت عليها‭.‬ وليس أدلّ على ذلك من شعار البعث ذاته “وحدة‭.‬ حرية‭.‬ اشتراكية”‭.‬

لكن تونس تعود من جديد، كما جاءت قبل خمسة أعوام، لتشعل سؤال الهوية العربية‭.‬ فلو لم يكن المحرّك الأساس للعقل الجمعي في البلدان التي انتفضت ضد أنظمتها هو هويتها المشتركة، فماذا عساه أن يكون؟ ونتساءل لماذا لم تنتقل شرارة الربيع التونسي إلى دول أفريقية سوداء، بدلاً من أن تمر عبر خطّ هوية يمتد من تونس إلى القاهرة وطرابلس ودمشق واليمن؟ هي الهوية القلقة إذن، والتي لم يعد بوسعها تحمّل كل تلك الأحمال الثقيلة التي أهيلت على ظهرها‭.‬ فلا يكفي أن يمنع الناس من التفكير، بل يمنعون أيضاً من العيش، ولا يكفي أن يمنع الناس من العيش، بل يمنعون من العيش بالقليل من الكرامة، ولا يكفي أن يحرموا من كرامتهم، بل يقال لهم إن هويتكم اليوم ليست هوية عربية مدنية مثل بقية الشعوب، لكنكم مسلمون، وعليكم أن تختاروا؛ إما الإسلام المعتدل أو الإسلام الإرهابي‭.‬ ليستمر تمزيق الهوية إلى درجة تجعل الإنسان في العالم العربي مجرّد هدف لقناص فكري أو سياسي أو عسكري‭.‬ في إلغاء دائم لدوره وصوته وإضافته التي كان يمكن أن يكون لها تأثير ما في ما لو حصلت‭.‬

العرب ينتظرون مشاريع شابة جديدة فكرية وسياسية تجيب ليس فقط على هذا السؤال، بل على كل الأسئلة المحرمة التي طرحت على الأرض منداحة مرة واحدة، من قلق الهوية إلى استحقاق التنمية والتحديث الحقيقي لا المزيف

تحريم الحداثة

يقول جعيط في حواره مع “الجديد” إن “العالم الإسلامي ممتد جدًا من إندونيسيا إلى المغرب، وداخل هذا العالم فروق وتمايزات، فليست كل البلدان متماثلة‭.‬ مشكلة التحديث طُرحت منذ القرن التاسع عشر، بالخصوص عند العرب، ثم عند الأتراك مع مطلع القرن العشرين مع كمال أتاتورك، وعند الإيرانيين مع الشاه رضا الأول، فمشكلة الحداثة متأتية من أن العالم الأوروبي أواخر القرن التاسع عشر كان مهيمنًا على العالم الإسلامي والعربي بالخصوص، حيث كنا مُستعمرين، وهذا لم يحصل لليابان التي لم تكن مستعمرة ولا للصين التي لم تكن إلا بعض مدنها بها وجود غربي، لكن الإمبراطورية الصينية كانت موجودة، نحن فقط تقريبا الذين كنا من بين جملة كبار الحضارات، تحت سيطرة الغرب أكثر من غيرنا، سيطرة مباشرة”‭.‬

وهو يصرّ على ربط الهوية العربية بالإسلامية، مع مراعاته للفروق الكبيرة بين البلدان الممتدة من إندونيسيا إلى المغرب‭.‬ والواقع أنّه لا يمكن النظر إلى الإسلام على أنه دين ظهر هكذا في مكان ما، دون النظر في أين ظهر؟ ومن هم الذين اعتبروا الإسلام رسالتهم ومشروعهم الحضاري؟ وهؤلاء لم يكونوا سوى العرب‭.‬ وبالتالي فإن الربط بين عاملي العروبة والإسلام في تكوين الهوية قائم، وغير قابل للفصل‭.‬ وكثيراً ما تعرّض لمحاولة فصم تلك العلاقة العضوية التي ترفد الأول بالثاني والثاني بالأول‭.‬ لكن هذا لم ينجح‭.‬ ولعلنا نعيش اليوم ومع استعار المشروع الإيراني التوسعي في المشرق، محاولة جديدة للقول إنه يمكن سحق العرب والحفاظ على الإسلام‭.‬ لكن أيّ إسلام؟

قابل المشروع الإيراني الذي يقدّم صورة الإسلام على شكل ميليشيات متمردة تقوم بنيتها على الثأر التاريخي، مشروع آخر تمثّل في مشروع الإسلام السياسي السني (الإخواني)، الذي قدّم هو الآخر صورة للإسلام متلعثمة مرتبكة، لديها مواقف مسبقة حادة تجاه التحديث بدءاً من الشكل وليس انتهاءً بالمضمون‭.‬ لا تدرك الفارق بين التكوين الاجتماعي الذي تم إنجازه عبر القرون، وذاك الذي يمكن لها أن تضيفه هي بما سمّته “الدعوة”‭.‬ مستعيرة من الإسلام الكلاسيكي مفهوم “الرسالة” والتبشير‭.‬ فإذا بها دعوة إخوانية تنظيمية مغلقة لا فكرية مفتوحة على البحث عن الآفاق الجديدة‭.‬

زاد على هذين المشروعين مشروع الإسلام القاعدي أو نسخته الجديدة اليوم المتمثلة بـ”داعش”‭.‬ والذي أطبق على تمثيلات الإسلام من كل جهة‭.‬ معتبراً أن الجميع كفرة مرتدون‭.‬

لكن جعيط لم يغب عنه، وسط هذا كلّه، رصد آثار الاحتلال المباشر الذي وقع على خارطة الحضارة العربية بقوله “نحن فقط تقريباً الذين كنا من بين جملة كبار الحضارات، تحت سيطرة الغرب أكثر من غيرنا، سيطرة مباشرة”‭.‬ تلك السيطرة التي يتحدث عنها جعيط، لم تتوقف يوماً، واستمرت حتى هذه اللحظة بفضل الوكلاء من الأنظمة التي قامت بدورها الوظيفي في منع التنمية في العالم العربي، وتدمير كل ما يمكن أن يسهم في الإفلات من قبضة الارتهان للأقوياء في الغرب الذين يسبغون الشرعية على تلك الأنظمة الاستبدادية‭.‬

منع التنمية التي بدأ الحديث عنها في القرن التاسع عشر وبشكل مبكر، في العالم العربي تحديداً دوناً عن بقية العالم الإسلامي، استوجب من أولئك المهيمنين في الغرب تكريس الاستبداد أكثر، ومحاصرة ما نادى به المصلحون العرب ممن عرفوا بـ”النهضويين”‭.‬ ولا شيء أجدى لتحريم الحداثة من تكبيل الاقتصاد‭.‬ فالحداثة التي حصلت في الغرب كما يقول جعيط “مُقامة أولاً وبالذات على الاقتصاد، والثورة الصناعية، هذه هي حداثة أوروبا‭.‬ الحداثة الأولى في أوروبا حداثة النهضة والتنوير هي فعلاً حداثة فكرية، لكن الحداثة في الطور الثالث في تاريخ أوروبا ابتدأت في 1800، أي التصنيع، ووقع تغيير جذري في ميزان القوى في تلك الفترة، أما نحن فلم تكن لنا إمكانية استقطاب هذه الثورة الصناعية، بل لم يكن لنا وعي كبير بهذا الأمر، محمد علي في مصر كان لهُ وعي بهذا لكن كان تحت السيطرة الأوروبية وفشلت في آخر المطاف تجربتهُ”‭.‬

لوحة: ريم يوسف

الديمقراطية والعرب

يسأل محاور جعيط ضيفه “بعد خمس سنوات وما تزال قائمة حالة الاضطراب التي تعيشها المنطقة العربية هل تؤيد من يذهب إلى أن الوعي الجمعي العربي يرفض الديمقراطية وأن هذه المنظومة غير قابلة للتطبيق في عالمنا العربي؟”، فيجيب جعيط “نعم بالفعل هو غير قابل”‭.‬ لكنه يستطرد “في تونس وقع نجاح نسبي لمفهوم الديمقراطية، لكن في آخر المطاف الديمقراطية شيء مستجلب من العالم الغربي”‭.‬

ولعل هذا السؤال، بصورته الإملائية التلقينية، وكذلك الجواب باختزاله الشديد تتركز فيه مأساة العقل العربي اليوم‭.‬ فالكل يمنح الفرصة للمشاريع التنموية اقتصادية كانت أم صناعية أم زراعية‭.‬ غير أن أحداً لا يمنحها لمشروع فكري سوسيولوجي مثل “الديمقراطية” كي يأخذ مداه وحظّه من الانتشار الكافي، لا سيما وأنه كان على رأس المحرمات طيلة ما لا يقل عن مئة عام من عمر الدولة العربية مشوّهة التحديث‭.‬

وقع في تونس نجاح نسبي لمفهوم الديمقراطية، كما يقول جعيط، وهل يتوقع أحدٌ ألا يكون النجاح “نسبياً” في الظروف المعقدة التي تواجه مشروعاً كهذا؟ ضربٌ عنيف في الهوية، عداء شرس محلي وخارجي، تنمية محظورة، اقتصاد منهوب، تجهيل متعمّد، كمّ هائل من التحديات والصعوبات كان من الطبيعي أن تقف حائلةً دون أن يطبق مفهوم الديمقراطية بسلاسة، بمجرد “هرب بن علي” أو “قتل القذافي” أو “تنحّي مبارك” أو “خلع علي عبدالله صالح” والحالة السورية مثالها الساطع‭.‬ حيث تجمّعت كل الشروط المضادة لاستنبات الديمقراطية داخلياً وخارجياً‭.‬

الشباب والطريق

يقول جعيط إن الأمل في الشباب‭.‬ ويعتبر أن سؤال “كيف ذلك؟” سؤال غير منصف‭.‬ وليس من الممكن الإجابة عليه‭.‬ فـنحن “لا نعلم كيف ستتطور الأمور‭.‬ نحن الآن في أزمة كبيرة وفي مخاض‭.‬ بصفة عامة لا نعرف المستقبل القريب كيف سيكون‭.‬ غير ممكن التنبؤ، كما قلت نحن في أزمة مخاض كبيرة جدًا وحياتية”‭.‬

ما يصفه جعيط بالمخاض الكبير يحدث بعد عقود من الركود‭.‬ ومن يخشى اليوم من تراجع مطلب الديمقراطية الذي رفعه الشباب، ويتوّهم أنهم قد هزموا إنما يغفل أنهم كانوا أساساً مهزومين، وأن الانتفاضات التي حصلت في العالم العربي واستغلها كل صاحب مشروع ستعود إلى الخلف، إلى زمن الهزيمة من جديد‭.‬

والواقع أن ما هزم حقاً في الأعوام الخمسة الماضية لم يكن سوى المشاريع التي حاولت استثمار ثورات الشباب من الإسلام السياسي إلى الدولة التقليدية وأجهزة الأمن والعسكر‭.‬ هؤلاء هم من تصارعوا، بينما لاذ الشباب المنتفض بالصمت مبتعداً بانتظار أن يجري تخليق مشروع يجيب على السؤال “كيف يكون الأمل بالشباب؟” والذي لن يكون إلا بمشاريع شابة جديدة فكرية وسياسية تجيب ليس فقط على هذا السؤال، بل على كل الأسئلة المحرمة التي طرحت على الأرض منداحة مرة واحدة، من قلق الهوية إلى استحقاق التنمية والتحديث الحقيقي لا المزيف‭.‬

أما الممر الصعب إلى هذا، فلا يخفي المفكر التونسي هشام جعيط تفاؤله نحوه‭.‬ يجزم بأنه لا “يوجد طريق سيء أو طريق جيد، الطريق هو ما يمليه التاريخ وموازين القوى على المستوى العالمي الآن، بصفة العولمة”‭.‬ وهذا ما يجعل الغد مفتوحاً أمام من التقطوا إشارة تونس، ليلتقطوها من جديد بعد سنين خمس دامية سيليها ما ستلده دون شك.


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا