الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة

الأسئلة‭ ‬الطائشة‭ ‬والفرد‭ ‬المغلول‭ ‬والجماعة‭ ‬التائهة

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(4)]

لوحة: محمد الوهيبي
I

لا تتوقف‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬عن‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭. ‬وهي‭ ‬غالبا‭ ‬أسئلة‭ ‬كبيرة‭ ‬وباهظة،‭ ‬لكونها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬نقاش‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬جمالي‭ ‬تطال‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬الأفكار‭ ‬والمصطلحات‭ ‬والقضايا‭ ‬ومشكلات‭ ‬جمة‭ ‬تتصل‭ ‬بالعملية‭ ‬الجمالية‭ ‬والمغامرة‭ ‬الفكرية‭ ‬والإبداعية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬بمستويات‭ ‬تطال‭ ‬مجمل‭ ‬المنظومة‭ ‬المعرفية‭ ‬وعلاقة‭ ‬المجتمع‭ ‬بالثقافة‭ ‬والثقافة‭ ‬بالمجتمع‭ ‬والتاريخ‭.‬

ولكن‭ ‬هل‭ ‬ازدحام‭ ‬الأسئلة‭ ‬وتكدّسها‭ ‬وتحوّلها‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬عويصة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المثقفين‭ ‬والمبدعين،‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬طارئ‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬علة‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬لأسباب‭ ‬اجتماعية‭ ‬وتاريخية‭ ‬ماتزال‭ ‬لم‭ ‬تظهَّر‭ ‬جميعها،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬درس‭ ‬متعمق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤرخين‭ ‬والمفكرين‭ ‬وأهل‭ ‬القلم؟

من‭ ‬تجاربنا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العربية‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬نقاش‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬مهما‭ ‬صغرت‭ ‬أو‭ ‬كانت‭ ‬جزئية،‭ ‬إلا‭ ‬ويقود‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬المعقدة‭ ‬المرجأة‭ ‬والمراوحة،‭ ‬كما‭ ‬الحياة‭ ‬العربية‭ ‬المرجأة‭ ‬والمراوحة‭ ‬في‭ ‬أمكنتها،‭ ‬بل‭ ‬والناكصة‭ ‬المتقهقرة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬السؤال‭ ‬والجواب‭ ‬معا‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ظل‭ ‬يضع‭ ‬الجميع‭ ‬أمام‭ ‬جدار‭ ‬عال‭ ‬يسد‭ ‬السبيل‭ ‬على‭ ‬السائل‭ ‬والمتسائل‭ ‬ومعهما‭ ‬جمهور‭ ‬عريض‭ ‬من‭ ‬الأحياء‭ ‬المنتظرين‭ ‬عند‭ ‬فتحة‭ ‬النفق،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬احتلوا‭ ‬لقرن‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬رقعة‭ ‬المتاهة‭ ‬العربية‭.‬

***

المثقف‭ ‬العربي‭ ‬أثبت‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬واقعياً‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬دراما‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬المتفاقمة‭ ‬والتي‭ ‬تحمّله‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يحتمل‭ ‬كائن‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬قدراته‭.‬

لطالما‭ ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الفرد‭ ‬وإمكاناته‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬المناقشات‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬برحت‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬المتاهة‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المناقشات‭ ‬كان‭ ‬مصيرها‭ ‬غالبا‭ ‬أن‭ ‬ترجئها‭ ‬وقائع‭ ‬داهمة‭ ‬سيرجئ‭ ‬النقاش‭ ‬فيها‭ ‬ومن‭ ‬حولها‭ ‬انهدام‭ ‬وتقهقر‭ ‬جديدان،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬أخيرا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحريق‭ ‬الكبير‭.‬

وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يهتدي‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬الأسئلة‭ ‬المفاتيح‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬مخارج‭ ‬تنقذهم‭ ‬أفرادا‭ ‬ومجتمعات،‭ ‬إذا‭ ‬بالمتاهة‭ ‬العربية‭ ‬تتسع‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬وتطبق‭ ‬عليهم‭ ‬بل‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬جغرافيا‭ ‬أسطورية‭ ‬مقيمة‭ ‬داخل‭ ‬جغرافية‭ ‬الحاضر‭ ‬العربي‭.‬

***

لن‭ ‬يهتدي‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬أبواب‭ ‬المستقبل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يهتدوا‭ ‬إلى‭ ‬أنفسهم‭ ‬أولا‭. ‬ولن‭ ‬يهتدوا‭ ‬إلى‭ ‬أنفسهم‭ ‬كجماعة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يهتدوا‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬الفرد‭ ‬منهم،‭ ‬ليس‭ ‬بوصفه‭ ‬واحداً‭ ‬في‭ ‬قطيع‭ ‬يرعاه‭ ‬راع‭ ‬يسوق‭ ‬القطيع‭ ‬حيثما‭ ‬شاء‭ ‬من‭ ‬وهم‭ ‬إلى‭ ‬وهم‭ ‬ومن‭ ‬كارثة‭ ‬إلى‭ ‬كارثة،‭ ‬ولكن‭ ‬بوصفه‭ ‬كينونة‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬مصونة‭ ‬الحقوق‭ ‬صائنة‭ ‬للواجبات،‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬خلاقة‭ ‬للفرد‭ ‬بالجماعة‭ ‬تطلق‭ ‬طاقاته‭ ‬المبدعة،‭ ‬جاعلة‭ ‬من‭ ‬الفرد‭ ‬أسوة‭ ‬منظورة‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬الأفراد‭. ‬ولأجل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬أمام‭ ‬سليلي‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يستلهموا‭ ‬ما‭ ‬أنجزته‭ ‬الحضارات‭ ‬فلا‭ ‬تتقوقع‭ ‬جماعتهم‭ ‬ولا‭ ‬تنغلق‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬حاضر‭ ‬عالمي‭ ‬متصارع‭ ‬نعم،‭ ‬لكنه‭ ‬متصل‭ ‬ومترابط‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬لازدهار‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الأجزاء‭.‬

هنا‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬الفرد‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالمجتمع‭ ‬وصيرورة‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬يتراءى‭ ‬السؤال‭ ‬الأول‭ ‬وحجر‭ ‬الزاوية‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬المجتمعات‭ ‬وخلاصها‭ ‬من‭ ‬النكوص‭ ‬والتقهقر‭ ‬الحضاريين‭.‬

فلنفكر‭ ‬بالفرد،‭ ‬فليتفكر‭ ‬الفرد‭ ‬بنفسه،‭ ‬فلنكن‭ ‬أفراداً‭ ‬أولاً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬جموعاً،‭ ‬أفراداً‭ ‬أحراراً‭ ‬ولهم‭ ‬كرامات،‭ ‬كيانات‭ ‬وكينونات‭ ‬ثمينة‭. ‬وهو‭ ‬بالضرورة‭ ‬سؤال‭ ‬فاتح‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬أسئلة‭ ‬العلاقة‭ ‬لهذا‭ ‬الفرد‭ ‬بالمجتمع‭ ‬والحضارة‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬جوهرية،‭ ‬عندما‭ ‬يأتي‭ ‬زمن‭ ‬يركع‭ ‬فيه‭ ‬الفرد‭ ‬ويعطي‭ ‬رأسه‭ ‬ليصبح‭ ‬مجرد‭ ‬عنق‭ ‬تجزها‭ ‬السكين‭.‬

فلنردد‭ ‬إذن‭ ‬مع‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭:‬

أتحسب‭ ‬أنك‭ ‬جرم‭ ‬صغير‭ ‬وفيك‭ ‬انطوى‭ ‬العالم‭ ‬الأكبر

II

الحياة‭ ‬الحرة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأفكار،‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نفكر‭ ‬فيه‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬نعبر‭ ‬مفردين‭ ‬في‭ ‬الجموع‭. ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬نعبر‭ ‬ويهيأ‭ ‬لنا‭ ‬واهمين‭ ‬أننا‭ ‬بتنا‭ ‬أنفسنا‭. ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬بفعل‭ ‬تلقين‭ ‬لئيم‭ ‬يحتّم‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أسوياء‭ ‬مندرجين‭ ‬في‭ ‬السوية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وقد‭ ‬خسرنا‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬نملك‭ ‬أنواتنا‭ ‬العميقة؛‭ ‬سجيّتنا‭ ‬الخالصة‭ ‬صاحبة‭ ‬الأنا‭ ‬الحرة‭. ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الخضوع،‭ ‬نخضع‭ ‬لهذا‭ ‬التقليد‭ ‬ونخضع‭ ‬لتلك‭ ‬الفكرة،‭ ‬ونصبح‭ ‬عبيداً‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬أحرار‭.‬

لوحة: فادي يازجي

أن‭ ‬يعيش‭ ‬المرء‭ ‬حقاً،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فرداً‭ ‬وأن‭ ‬يظل‭ ‬عابراً‭ ‬حراً‭ ‬في‭ ‬العالم‭.. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬القصيدة‭.‬

***

الشعر‭ ‬سؤال،‭ ‬والأسئلة‭ ‬هي‭ ‬المفاتيح‭. ‬وما‭ ‬ولع‭ ‬الشاعر‭ ‬بالأسئلة‭ ‬سوى‭ ‬استجابة‭ ‬لمغامرة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬اللغز‭. ‬الشاعر‭ ‬المبتهج‭ ‬بغرابة‭ ‬وجوده‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يهتف‭: ‬أنا‭ ‬جاهل‭ ‬كبير‭.‬

***

كل‭ ‬قصيدة‭ ‬يكتبها‭ ‬الشاعر،‭ ‬وهو‭ ‬فرد‭ ‬ثائر‭ ‬في‭ ‬جماعة،‭ ‬هي‭ ‬جملة‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬تودّع‭ ‬العالم‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬تستقبله،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬عمل‭ ‬الشاعر‭ ‬مع‭ ‬الكلمات‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬ومع‭ ‬المستقبل،‭ ‬فإن‭ ‬فكرة‭ ‬الوداع‭ ‬نفسها‭ ‬تصبح‭ ‬التباساً‭ ‬كبيراً‭.‬

***

مهما‭ ‬كانت‭ ‬قصيدة‭ ‬الشاعرة‭ ‬موارَبة‭ ‬في‭ ‬قصدها،‭ ‬وفي‭ ‬زينتها‭ ‬ولعبها،‭ ‬فإن‭ ‬طاقة‭ ‬الحدس‭ ‬والخبرات‭ ‬الشعورية‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬الرؤى‭ ‬الشعرية‭ ‬إنما‭ ‬أورثت‭ ‬شاعرها‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬الأزمان‭ ‬الحس‭ ‬الفادح‭ ‬بالفقد،‭ ‬بالهارب‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬والهارب‭ ‬من‭ ‬الجمالات،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬المغترب‭ ‬أبداً‭ ‬في‭ ‬مرايا‭ ‬العالم،‭ ‬فإن‭ ‬أساه‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬شغفه‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬خيالات‭ ‬طفولته‭ ‬يواجه‭ ‬بنصال‭ ‬الزمن‭ ‬والمواضعات‭ ‬اليومية‭ ‬المعادية‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬طفولي‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تدين‭ ‬للسجيّة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ولا‭ ‬للفردي،‭ ‬أو‭ ‬للعفوي،‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬تدين‭ ‬للقناع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وأعماله‭ ‬الشريرة‭.‬

***

عندما‭ ‬تتجلى‭ ‬القصائد‭ ‬في‭ ‬خيالات‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الكوابيس‭ ‬والهواجس‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬بستان‭ ‬الألوان‭ ‬الضاحكة‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬ضاحك،‭ ‬إذ‭ ‬ذاك‭ ‬ننفذ‭ ‬من‭ ‬قشرة‭ ‬الوجود‭ ‬إلى‭ ‬لبّه‭ ‬نحو‭ ‬الأعمق‭ ‬في‭ ‬الكينونة‭.‬

والشعر‭ ‬الذي‭ ‬يطلع‭ ‬من‭ ‬الأعمق‭ ‬هو‭ ‬شعر‭ ‬جارح‭ ‬ويائس‭ ‬وحزين‭ ‬بالضرورة‭. ‬وما‭ ‬قصائد‭ ‬الشعراء،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للمستقبل‭ ‬أن‭ ‬يعتدّ‭ ‬بها،‭ ‬إلا‭ ‬نداءات‭ ‬يائسة،‭ ‬صرخات‭ ‬أناس‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يغرق‭. ‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬الصوت‭ ‬الحقيقة‭ ‬الذي‭ ‬اغتيل‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مُرهق‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬الخيانة‭ ‬والجريمة،‭ ‬فهل‭ ‬بقي‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يُضاء‭ ‬بالكوابيس؟

***

الشعر‭ ‬هو‭ ‬الشعلة‭ ‬الكونية‭ ‬والشعراء‭ ‬رسل‭ ‬أبطال‭ ‬في‭ ‬مارثون‭ ‬العالم‭. ‬هو‭ ‬الروح‭ ‬الكونية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬اقتسمها‭ ‬الشعراء‭ ‬وأضاؤوا‭ ‬بها‭ ‬وجودهم‭ ‬ولغاتهم‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬شعر‭ ‬وطنيا‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الشعر‭. ‬أسوأ‭ ‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬الشعر‭ ‬الوطني‭.‬

III

مسألة‭ ‬قلما‭ ‬ناقشها‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب،‭ ‬قلما‭ ‬بذلوا‭ ‬جهدا‭ ‬في‭ ‬تأملها‭ ‬وأعني‭ ‬بها‭ ‬علاقة‭ ‬الشعر‭ ‬بالفلسفة‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬فلسفة‭ ‬الشعر‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬شعراً‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬عالية‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬رؤاه‭ ‬ولا‭ ‬يبلور‭ ‬أسئلة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علاقة‭ ‬الشعر‭ ‬بالرؤى‭ ‬الكونية،‭ ‬وهذه‭ ‬بالفلسفة؟‭ ‬ولا‭ ‬يغامر‭ ‬ليكون‭ ‬له‭ ‬موقف‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬والوجود‭.‬

القصيدة‭ ‬أولا‭ ‬وأخيراً‭ ‬موقف‭ ‬فلسفي‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وموقف‭ ‬رؤيوي‭ ‬من‭ ‬الوجود‭. ‬جدير‭ ‬بالشعراء‭ ‬أن‭ ‬يتساءلوا‭ ‬عن‭ ‬السبب‭ ‬الجوهري‭ ‬لهذا‭ ‬الإهمال‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬الشعرية‭ ‬المعاصرة‭. ‬أهو‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬أم‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الشاعر‭ ‬ووعيه‭ ‬بظاهرة‭ ‬الشعر‭ ‬وبالصنيع‭ ‬الشعري‭ ‬وموقعه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكينونة‭ ‬المتصلة‭ ‬وأسئلتها‭ ‬الجوهرية‭.‬

يخيّل‭ ‬إليّ‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬رؤيا‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬قصيدة‭ ‬ولدت‭ ‬بلا‭ ‬رأس‭. ‬قصيدة‭ ‬مقطوعة‭ ‬الرأس‭.‬

‭***‬

منذ‭ ‬سنوات‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬شاعر‭ ‬من‭ ‬جيلي‭ ‬كنت‭ ‬أحب‭ ‬شعره‭: ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬الشيء‭ ‬الغريب‭ ‬الذي‭ ‬تكتبه؟

قلت‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أكتبه؟‭ ‬قال‭ ‬هل‭ ‬تعتبره‭ ‬شعراً‭ ‬؟‭ ‬قلت‭ ‬ماذا‭ ‬تعتبره‭ ‬أنت؟‭ ‬قال‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭. ‬قلت‭ ‬أنا‭ ‬أيضا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭!‬

وهكذا‭ ‬سكت‭ ‬بيننا‭ ‬كل‭ ‬كلام‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬وكل‭ ‬سؤال‭.‬

ومذ‭ ‬ذاك‭ ‬وأنا‭ ‬ألجأ‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬شعري‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬شعري‭ ‬أجد،‭ ‬متخذاً‭ ‬مكاني‭ ‬بين‭ ‬شعراء‭ ‬شباب‭ ‬وافقوا‭ ‬على‭ ‬اعتباري‭ ‬واحداً‭ ‬منهم‭. ‬شعراء‭ ‬صار‭ ‬في‭ ‬وهمهم‭ ‬أن‭ ‬زمنهم‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬بعد‭. ‬فلأكن‭ ‬إذن‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭.‬

***

يقول‭ ‬الشّاعر‭ ‬العاشق‭ ‬للكلمات‭ ‬أحبّ‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬شاعرا‭ ‬غير‭ ‬متحقّق‭ ‬لأعيش‭ ‬طويلا‭ ‬وأغامر‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أتحقق‮»‬،‭ ‬وبمناسبة‭ ‬أنّني‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أتحقّق‮»‬أخدع‭ ‬خاطف‭ ‬الأرواح‭ ‬وأرسل‭ ‬روحي‭ ‬على‭ ‬ميل‭ ‬آخر،‭ ‬لأعيش‭ ‬أكثر‭.‬

***

ويقول‭ ‬الشاعر‭: ‬كنت‭ ‬أحبّ‭ ‬أن‭ ‬أموت‭ ‬شابا‭ ‬لتكون‭ ‬لي‭ ‬أسطورة‭ ‬ما،‭ ‬والآن،‭ ‬فلأمت‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬متّ‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬شعري‭ ‬نضراً‭ ‬ووسيما‭ ‬كشاب‭ ‬لعوب؟‭!‬

تلك‭ ‬أنانية‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يمت‭ ‬شاباً‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬هو‭ ‬عبث‭ ‬وجودي‭ ‬خالص،‭ ‬ما‭ ‬دمنا‭ ‬نحن‭ ‬الشعراء‭ ‬لا‭ ‬نكف‭ ‬عن‭ ‬الجري‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬الضوء‭ ‬الغريب‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬ضوء‭ ‬نجم‭ ‬محترق‭ ‬منذ‭ ‬ملايين‭ ‬السنوات‭ ‬يلمع‭ ‬لأعيننا‭ ‬المشدوهة‭ ‬ويختفي،‭ ‬ونحن‭ ‬نطارده‭ ‬ونسمّيه‭ ‬الشعر‭.‬

IV

الشعر‭ ‬زائغ‭ ‬مراوغ‭ ‬متغير‭ ‬أبداً‭ ‬لا‭ ‬يقرّ‭ ‬على‭ ‬حال،‭ ‬ولا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬تجلّ‭ ‬إلا‭ ‬ليفارق‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬تجلّ‭ ‬آخر،‭ ‬ربما‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬جوهر‭ ‬ما،‭ ‬ومعنى‭ ‬ما،‭ ‬إنما‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬صورة‭ ‬سبقت‭ ‬إليها‭ ‬العين‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يأس‭ ‬خلاق؛‭ ‬نبش‭ ‬وراء‭ ‬أمل‭ ‬ما‭ ‬يفضي‭ ‬بشاعره‭ ‬إلى‭ ‬يأس‭ ‬آخر‭. ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬ضربا‭ ‬من‭ ‬العبث‭.‬

‮«‬كأننا‭ ‬والماء‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬قوم‭ ‬جلوس‭ ‬حولهم‭ ‬ماء‮»‬،‭ ‬كم‭ ‬أحب‭ ‬هذا‭ ‬السطر‭ ‬الشعري‭.‬

وبينما‭ ‬كثرة‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬تستدل‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬البساطة‭ ‬الفاشلة‭ ‬والسذاجة‭ ‬لدى‭ ‬شاعر‭ ‬أعتبره‭ ‬من‭ ‬أطرف‭ ‬وأجمل‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭.‬

فلنتأمل‭ ‬مليا‭ ‬ومديدا،‭ ‬ولنتخيل‭ ‬الصورة‭ ‬والطلب‭ ‬الذي‭ ‬طلبه‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬صوّر،‭ ‬وهو‭ ‬يصطاد‭ ‬صورته‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬صور‭ ‬من‭ ‬جلسوا‭. ‬المفتاح‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬كأننا‭. ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الزمن‭ ‬لتكون‭ ‬صورة‭ ‬اللحظة،‭ ‬هي‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬هربت،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬يستعيدها‭.. ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مراوح‭. ‬عاشها‭ ‬ورآها‭ ‬هاربة‭ ‬واستعادها،‭ ‬في‭ ‬كأننا‭. ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬إننا‭. ‬ولكنه‭ ‬اقترح‭ ‬‮«‬كأننا‮»‬‭ ‬المخاتلة‭.. ‬وليست‭ ‬الكاف‭ ‬هنا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬تشبيه‭.‬

eأولم‭ ‬ير‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬الشعري‭ ‬ضرباً‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقول‭ ‬شيئاً‭.‬

***

هل‭ ‬الشاعر‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬إلا‭ ‬فشل‭ ‬ذريع‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬اصطياد‭ ‬الطريدة‭ ‬الكبرى؛‭ ‬الجمال‭ ‬النهائي،‭ ‬أوليس‭ ‬هذا‭ ‬الفشل‭ ‬الرائع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ظلّ‭ ‬يحبل‭ ‬بالشعراء‭ ‬ويلدهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عصر؟

أخيراً،‭ ‬ما‭ ‬سلف‭ ‬تأملات‭ ‬تصل‭ ‬الأسئلة‭ ‬ببعضها،‭ ‬الجارح‭ ‬منها‭ ‬واللطيف،‭ ‬وتنفتح‭ ‬بالشعر‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬الإنساني،‭ ‬فالشاعر‭ ‬الذي‭ ‬تحدّر‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬وادي‭ ‬عبقر،‭ ‬ليس‭ ‬نبياً‭ ‬في‭ ‬كهف،‭ ‬إنه‭ ‬مواطن‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بوظيفة‭ ‬نبيٍّ‭. ‬هو‭ ‬سارق‭ ‬النار‭ ‬الملعون،‭ ‬وهو‭ ‬راء،‭ ‬وصاحب‭ ‬سؤال‭.

لندن‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬يوليو‭ ‬2016‭ ‬



مقالات أخرى للكاتب:

  • يا له من سؤال!
  • الخُرُوجُ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ
  • رنا‭ ‬قباني:‭ ‬ ‬الغرب‭ ‬يرفضني‭ ‬والأصوليون‭ ‬أيضا‭!‬
  • عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الإبن
  • ما في الكون من رجل
  • بلاغة النشيد الكوني
  • ثقافة‭ ‬تحطيم‭ ‬الأجنحة
  • نَهْرٌ‭ ‬عَلَى‭ ‬صَلِيبْ
  • العبد‭ ‬التكنولوجي
  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • اغترب‭ ‬تتجدد
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة