ما‭ ‬بعد‭ ‬القوة‭ ‬الأخلاقية

‎سؤال‭ ‬في‮ ‬العروبة‭ ‬ومصائرها‭ ‬الراهنة

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(10)]

لوحة: نهاد الترك
‎ليس‭ ‬لأحد‭ ‬مهما‭ ‬اشتط‭ ‬بمعاداة‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬ينفي‭ ‬واقعة‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬العرب‮»‬،‮ ‬إذ‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬كائن‭ ‬ما‭ ‬بأنه‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬إثنية‭ ‬ما،‮ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬الإثنية‭ ‬هذه‭ ‬ذات‭ ‬وجود‭ ‬ما‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬فقط،‭ ‬لكنه‭ ‬وجود‭.‬

‎العرب‭ ‬واقعة‭ ‬إثنية‭ ‬تاريخية‭ ‬ثقافية،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬واقعة‭ ‬موضوعية‭ ‬فالعروق‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬موجودة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬وجود‭ ‬الأمة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للنكران،‭ ‬وليس‭ ‬الإتنوس‭ ‬أو‭ ‬الرس‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الخام‭ ‬أمة‭ ‬أو‭ ‬قومية‭.‬

‎فالعربي‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬العائشين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬وتتكلم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وبحدود‭ ‬جغرافية‭ ‬واضحة‭ ‬باسم‭ ‬‮ ‬العرب‭.‬

وهناك أقوام‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬تميز‭ ‬نفسها‭ ‬عن‭ ‬العرب‭ ‬بإثنية‭ ‬مختلفة،‮ ‬كالأمازيغ‭ ‬والكرد‭ ‬والأرمن‭ ‬والشركس،‮ ‬وهي‭ ‬إذ‭ ‬تميز‭ ‬نفسها‭ ‬عن‭ ‬العرب‭ ‬تحدد‭ ‬العرب‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬نفي‭ ‬انتسابها‭ ‬للعرب‭.‬

‎وفي‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬العباسي‭ ‬عبرت‭ ‬الشعوبية‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬الأقوام‭ ‬عبر‭ ‬السلب،‭ ‬فجرى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الفرس‭ ‬والعرب‭ ‬وهما‭ ‬أهم‭ ‬أقوام‭ ‬وإثنيات‭ ‬الدولة‭ ‬العباسية‭ ‬الإسلامية‭.‬

‎وسأفترض‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬سلب‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬صفة‭ ‬العرب‭ ‬وحديثهم‭ ‬عن‭ ‬انتماء‭ ‬إثني‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭ ‬كالانتماء‭ ‬الفينيقي‭ ‬أو‭ ‬الآرامي‭ ‬أو‭ ‬الفرعوني‭ ‬كافٍ‮ ‬لتأكيد‭ ‬وجود‭ ‬العرب‭ ‬إثنية‭ ‬موضوعية‭ ‬بدليل‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬عبر‭ ‬تأكيده‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬إثنية‭ ‬غير‭ ‬عربية‭ ‬يؤكد‭ ‬وجود‭ ‬إثنية عربية‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الإثنيات‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬الانتماء‭ ‬لها‭.‬

‎وليس‭ ‬لأحد‭ ‬أن‮ ‬ينكر‭ ‬أن‭ ‬الشاعرين‭ ‬بانتمائهم إلى‭ ‬العرب‭ ‬هم‭ ‬أكثرية‭. ‬كما‭ ‬ليس‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يدحض‭ ‬واقعة‭ ‬وجود‭ ‬لغة‭ ‬فصيحة‭ ‬تحمل‭ ‬صفة‭ ‬العرب‭-‬اللغة‭ ‬العربية‭. ‬واللهجات‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬لهجات‭ ‬عربية‭.‬

‎نجن‭ ‬الآن لم‭ ‬نفعل‭ ‬سوى أننا‭ ‬أكدنا‭ ‬وجود‭ ‬العرب‭ ‬الموضوعي،‭ ‬بوصفهم‭ ‬قوماً‭ ‬ذوي‭ ‬لغة‭.‬

‎وسائل‭ ‬يسأل‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يحملك‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دليل؟‭ ‬هناك‭ ‬سببان‭: ‬السبب‭ ‬الأول‭ ‬تأسيس‭ ‬ما‭ ‬سأذهب‭ ‬إليه،‮ ‬والسبب‭ ‬الثاني‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نافين‭ ‬حتى لواقعة‭ ‬العربي‭ ‬بوصفه‭ ‬إثنية‭ ‬كبيرة‭ ‬وتسكن‭ ‬مساحاتٍ‮ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭.‬

‎الآن‭ ‬وقد‭ ‬دللنا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬إلى العروبة،‭ ‬هذا المصطلح‭ ‬الفكرة‭ ‬المشتق‭ ‬من‭ ‬العرب‭.‬

‎غير‭ ‬أني‭ ‬أسارع‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬اشتقاق‭ ‬العروبة‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬لا‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العرب‭ ‬والعروبة‭ ‬أمر‭ ‬واحد‭.‬

‎الفرق‭ ‬بين‭ ‬العرب والعروبة‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬وجود‭ ‬يعينه‭ ‬الإتنوس واللغة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬بهوية‭ ‬انتماء‭ ‬أساسية،‭ ‬وهو‭ ‬العرب‭ ‬وبين‭ ‬وجود‭ ‬اشتقق‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬الأول‭ ‬ليطرح‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خالقا‭ ‬لهوية‭ ‬انتماء‭ ‬كلية‭ ‬موعيّ‭ ‬بها‭.‬

‎ولأن‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬فالعرب‭ ‬واقعة‭ ‬بشرية‭ ‬قديمة‭ ‬فيما‭ ‬العروبة‭ ‬وعي‭ ‬جديد‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يفسر جدة الكلمة‭ ‬بوصفها‭ ‬مصدراً‭.‬

‎تنتمي‭ ‬العروبة‭ ‬إلى مرحلة‭ ‬وعي‭ ‬نخبة‭ ‬عربية‭ ‬مثقفة‭ ‬بأن‭ ‬للعرب‭ ‬حقاً‭ ‬مسلوباً‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬متعددة‭ ‬الأقوام‭. ‬وزيادة‭ ‬في‭ ‬الدقة‭ ‬فإن‭ ‬الوعي‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬مصطلح‭ ‬العروبة‭ ‬تعبيراً‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‮ ‬وبخاصة‭ ‬بعد‭ ‬انقلاب‭ ‬الاتحاد‭ ‬والترقي‭ ‬على‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭ ‬عبدالحميد،‭ ‬حتى‭ ‬ليمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬القومية‭ ‬التركية‭ ‬المتعصبة‭ ‬والشوفينية‭ ‬أسهمت‭ ‬إسهاماً‮ ‬كبيراً‮ ‬في‭ ‬نشأة‭ ‬الوعي‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬مصطلح‭ ‬العروبة‭.‬

‎أجل‭ ‬لقد‭ ‬جاء وعي‭ ‬النخبة العربية‭ ‬‭-‬الشامية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭-‬‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬انحطاط‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬ومحاولة‭ ‬إصلاحها‭.‬

‎إن‭ ‬الرابطة‭ ‬العثمانية‭ ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬تضعف‭ ‬ويضعف‭ ‬أساسها‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وظهور‭ ‬النزعة‭ ‬الطورانية‭ ‬وخطابها‭ ‬العنصري،‭ ‬وحضور‭ ‬أوروبا‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وثقافياً،‮ ‬وتكوّن‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬الشعور‭ ‬بالانتماء‭ ‬القومي‭ ‬لقوم‭ ‬كانوا‭ ‬لمرحلة‭ ‬طويلة‭ ‬جزءًا من‭ ‬إمبراطورية‭ ‬متعددة‭ ‬الأقوام‭ ‬إسلامية‭ ‬وحاصلة‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬عثمانية‭.‬

‎لقد‭ ‬انتشرت‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬الأقوام‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬منها‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭. ‬وليس‭ ‬صحيحاً‮ ‬أبداً‮ ‬أن‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬نزعة‭ ‬مثقفين‭ ‬مسيحيين‭ ‬فقط‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬بنشرها‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المثقفين‭ ‬المسيحيين‭.‬

‎وإذا‭ ‬كانت‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬نزعة‭ ‬مسيحيين‭ ‬فكيف‭ ‬نفسر‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬التركية‭ ‬وأصحابها‭ ‬من‭ ‬المسلمين؟

‎لقد‭ ‬ضمت‭ ‬الجمعيات‭ ‬العربية‭ ‬مثقفي‭ ‬الشرق‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأديان‭ ‬والطوائف‭ ‬وإذا‭ ‬اعتبرنا‭ ‬مؤتمر‭ ‬باريس‭ ‬عام‭ ‬1913‭ ‬محطة‭ ‬مهمة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬تكثيف‭ ‬أهداف الحركة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬ومنحها الملامح والأسس لها‭ ‬آنذاك،‮ ‬فإن‭ ‬هذا المؤتمر‭ ‬قد‭ ‬ضم‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬مسلمي‭ ‬الشام‭ ‬مساوياً‭ ‬لمسيحييها‭. ‬لقد‭ ‬جاء‭ ‬الخطاب‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬كثفته‭ ‬خطب المؤتمرين‭ ‬وقرارات‭ ‬المؤتمر‭ ‬معبراً‮ ‬عن‭ ‬مضمون‭ ‬وعي‭ ‬النخبة‭ ‬بمصالح‭ ‬العرب‭ ‬بوصفهم‭ ‬أمة‭ ‬ولأول مرة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬ولكنها‭ ‬أمة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‮ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬دعوة‭ ‬للانفصال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬عن‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬وحسبنا‭ ‬أن‭ ‬نورد‭ ‬قرارات‭ ‬المؤتمر‭ ‬‮ ‬العربي‭ ‬الأول‭ ‬لندرك‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬القومي‭ ‬آنذاك‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬مطالب‭ ‬خاصة‭ ‬بالعرب‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭.‬

•‭ ‬إن‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الحقيقية‭ ‬واجبة‭ ‬وضرورية‭ ‬للمملكة‭ ‬العثمانية‭ ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬تنفذ‭ ‬بوجه‭ ‬السرعة‭.‬

‎•‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مضموناً‭ ‬للعرب‭ ‬التمتع‭ ‬بحقوقهم‭ ‬السياسية،‭ ‬وذلك‭ ‬بأن‭ ‬يشتركوا‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬المركزية‭ ‬للمملكة‭ ‬اشتراكاً‭ ‬فعلياً‭.‬

‎•‭‬يجب‭ ‬أن تنشأ في‭ ‬كل‭ ‬ولاية‭ ‬عربية‭ ‬إدارة لا‭ ‬مركزية‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬حاجاتها‭ ‬وعاداتها‭.‬

‬انتشرت‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬الأقوام‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬منها‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭. ‬وليس‭ ‬صحيحاً‮ ‬أبداً‮ ‬أن‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬نزعة‭ ‬مثقفين‭ ‬مسيحيين‭ ‬فقط

‎•‭‬مطالبة‭ ‬المؤتمر‭ ‬بتنفيذ‭ ‬وتطبيق‭ ‬مطالب‭ ‬ولاية‭ ‬بيروت‭ ‬بتوسيع‭ ‬سلطة‭ ‬المجالس‭ ‬العمومية‭ ‬وتعيين‭ ‬مستشارين‭ ‬أجانب‭.‬

‎‭ ‬•‭‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معتبرة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬العثماني،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬كون‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لغة‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬العربية‭.‬

‎•‬تكون‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬محلية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬العربية‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬والأحيان‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬للاستثناء‭ ‬الأقصى‭.‬

‎•‬يتمنى‭ ‬المؤتمر‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬السنية‭ ‬العثمانية‭ ‬أن‭ ‬تكفل‭ ‬لمتصرفية‭ ‬لبنان‭ ‬وسائل‭ ‬ماليتها‭.‬

‎•‭ ‬يصادق‭ ‬المؤتمر‭ ‬ويظهر‭ ‬ميله‭ ‬لمطالب‭ ‬الأرمن‭ ‬العثمانيين‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬اللامركزية‭.‬

‎•‭ ‬سيجري‭ ‬تبليغ‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬للحكومة العثمانية السنية‭.‬

‎•‭ ‬وتبلغ‭ ‬أيضاً‮ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬للحكومات‭ ‬المتحابة‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭.‬

‎•‭ ‬يشكر‭ ‬المؤتمر‭ ‬الحكومة‭ ‬الفرنسوية‭ ‬فشكراً‮ ‬جزيلاً‭ ‬لترحابها‭ ‬الكريم‭ ‬بضيوفها‭.‬

‎هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الوعي‭ ‬القومي‭ ‬لحظة‭ ‬غموض‭ ‬الهوية‭ ‬وتعددها،‭ ‬فالعربي‭ ‬عثماني‭ ‬وإسلامي‭ ‬وعربي‭.‬

‎الأمة‭ ‬العثمانية‭ ‬رابطة‭ ‬دولة‭ ‬والأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬رابطة‭ ‬دينية‭ ‬والأمة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬العرب‭ ‬رابطة‭ ‬جنسية،‮ ‬حيث‭ ‬الأولى‭ ‬رابطة‭ ‬أقوام متعددة‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬الرابطة‭ ‬الإسلامية فيما‭ ‬الرابطة‭ ‬العربية‭-‬الجنسية‭ ‬خاصة‭ ‬بقوم‭.‬

‎عبر‭ ‬وعي‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬رابطة‭ ‬جنسية‭ ‬سيوضع‭ ‬أساس‭ ‬العروبة‭ ‬كما‭ ‬سنرى‭ ‬لاحقاً‭. ‬حتى‭ ‬أن الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬لسكنى‭ ‬العرب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدى أغلب‭ ‬المفكرين‭ ‬القوميين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬والعراق‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭.‬

‎الزهراوي‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬حدود‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج،‮ ‬فصاحب‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬العرب‭ ‬الكبرى”‭ ‬أسعد‭ ‬داغر‭ ‬حدد‭ ‬حدود‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬البلاد‭ ‬العربية”‭ ‬ببلاد‭ ‬الشام‭ ‬والعراق‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬الحجاز‭ ‬واليمن‭ ‬وعسير‭ ‬ونجد‭ ‬وحضرموت‭ ‬وعمان‭ ‬وقطر‭ ‬والبحرين‭ ‬والكويت‭ ‬وبادية‭ ‬الشام‭.‬

‎وهناك‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الكواكبي‭ ‬مؤسس‭ ‬للفكرة‭ ‬القومية‭ ‬قبل‭ ‬مثقفي‭ ‬باريس،‮ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬مؤسساً‭ ‬لفكرة‭ ‬العروبة‭.‬

‎والحق‭ ‬أن وعي‭ ‬الكواكبي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭ ‬الشعوبي‭ ‬العباسي‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الوعي‭ ‬القومي،‮ ‬بل إن‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمة‭ ‬لديه‭ ‬ظل‭ ‬غامضاً،‭ ‬فمرة‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬الجماعة،‮ ‬ومرة‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬الرابطة‭ ‬الإسلامية‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬الكواكبي‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الإسلامية”،‮ ‬ففي‭ ‬الإسلامية لا‭ ‬يشكل‭ ‬العرب‭ ‬لديه‭ ‬أمة‭ ‬واحدة،‭ ‬ولم‭ ‬يصدر‭ ‬عنه‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬قيام دولة‭ ‬عربية‭ ‬موحدة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬قيمة‭ ‬العرب‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬أهميتهم‭ ‬الإسلامية‭ ‬وأرستقراطية‭ ‬الدولة‭ ‬المسلمة‭ ‬بوصفهم‭ ‬مسلمين‭ ‬أصلاء‭ ‬ولغتهم‭ ‬لغة‭ ‬القرآن‭.‬

‎بل‭ ‬إن‭ ‬الجزء‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬عليه‭ ‬الكواكبي‭ ‬–ويقصد‭-‬‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينسب،‮ ‬أي‭ ‬عرب‭ ‬الجزيرة‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬إلا‭ ‬الأكثر‭ ‬تخلفاً‮ ‬آنذاك‭.‬

‎وإن‭ ‬يقترح‭ ‬الكواكبي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الخليفة‭ ‬عربياً‮ ‬ومن‭ ‬قريش‭ ‬فهذا‭ ‬بعد‭ ‬ليس‭ ‬وعياً‮ ‬قومياً‮ ‬أبداً‭ ‬إنه‭ ‬ببساطة‭ ‬شخص‭ ‬يكره‭ ‬الترك‭ ‬ويحب‭ ‬العرب،‭ ‬الذين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬سادة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬دعا‭ ‬إليها‭ ‬في”‭ ‬أمّ‭ ‬القرى”‭.‬

‎ينتهي‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬العربية‭ ‬بأمّ‭ ‬الكوارث‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تاريخ‭ ‬الكوارث‭ ‬العربية،‮ ‬فكارثة‭ ‬هزيمة‭ ‬الدولة‭ ‬الطورانية‭ ‬‭-‬ذات‭ ‬الإهاب‭ ‬العثماني‭ ‬الشكلي‭-‬‭ ‬واقتسام‭ ‬تركة‭ ‬الرجل‭ ‬المريض،‭ ‬كارثة‭ ‬وقوع‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها‭ ‬‭-‬واستثناءات‭ ‬بسيطة‭-‬‭ ‬تحت‭ ‬نير‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي‭ ‬ورسم‭ ‬حدود‭ ‬تجزئة‭ ‬سياسية‭ ‬لمنطقة‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬حدود التجزئة‭ ‬هي‭ ‬الكارثة‭ ‬التي‭ ‬أودت‭ ‬بإمكانية‭ ‬كانت‭ ‬متوافرة‭ ‬لقيام‭ ‬دولة‭ ‬أمة‭ ‬عربية‭.‬

‎في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحربين‭ ‬يستعيد‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أطاريح‭ ‬النهضة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬شرط‭ ‬تاريخي‭ ‬مختلف‭. ‬زوال‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬ذات‭ ‬الرابطة‭ ‬الإسلامية،‮ ‬وخضوع‭ ‬المنطقة‭ ‬مجزأة‭ ‬للاستعمار‭ ‬الغربي،‮ ‬وبدء‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬برعاية‭ ‬بريطانية‭ ‬وغربية‭ ‬كاملة‭.‬

‎في‭ ‬الصراع‭ ‬ضد‭ ‬الاستعمار‭ ‬يتعمق‭ ‬الشعور‭ ‬القومي‭ ‬العام،‭ ‬وفي‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬الصهيونية‮ ‬يبرز‭ ‬الخطر‭ ‬على آمال‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الأمة،‭ ‬وبعد‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬مؤتمر‭ ‬باريس‭ ‬يعقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬بلودان‭ ‬عام‭ ‬1937‭ ‬تحضره‭ ‬نخبة‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬والعراق،‮ ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمر مصطلح‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬دون‭ ‬لبس،‮ ‬ودون‭ ‬تشويش‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬هوية‭ ‬أخرى‭.‬

‎وكانت‭ ‬أغراض‭ ‬المؤتمر‭ ‬هي‭ ‬إنقاذ‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬الصهيونية،‭ ‬وتحرير‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬الخاضعة‭ ‬للاستعمار،‭ ‬وتوحيد‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية،‭ ‬وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬المؤتمر‭ ‬فكرة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬بجلاء‭.‬

‎أخذت‭ ‬العروبة‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬معانيها‭ ‬آنذاك،‭ ‬هناك‭ ‬أمة‭ ‬عربية‭ ‬تنزع‭ ‬نحو‭ ‬وحدتها‭ ‬القومية،‭ ‬أي‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬والوقوف‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬السيطرة‭ ‬والاحتلال‭ ‬الخارجيين،‭ ‬فالرابطة‭ ‬القومية هي‭ ‬الرابطة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬العرب‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬انتمائهم‭ ‬الديني‭.‬

‎ومن‭ ‬المفيد‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قبل‭ ‬انعقاد‭ ‬المؤتمر‭ ‬بلودان‭ ‬عام‭ ‬1937‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬عام‭ ‬1931‭ ‬والذي‭ ‬ضم‭ ‬النخبة‭ ‬العربية‭ ‬آنذاك‭ ‬وأعضاء‭ ‬الجمعية‭ ‬العربية‭ ‬الفتاة‭ ‬وحزب‭ ‬العهد،‭ ‬واتفقوا‭ ‬على‭ ‬ميثاق‭ ‬قومي‭ ‬عربي‭ ‬أهم‭ ‬بنوده‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬وحدة‭ ‬تامة‭ ‬لا‭ ‬تتجزأ،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يطرأ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬التجزئة‭ ‬لا‭ ‬تقره‭ ‬الأمة‭ ‬ولا‭ ‬تعترف‭ ‬به،‭ ‬وتوجه‭ ‬جميع‭ ‬الجهود‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قطر‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬استقلالها‭ ‬التام‭ ‬موحدة،‭ ‬ومقاومة‭ ‬كل‭ ‬فكرة‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬للسياسات‭ ‬المحلية‭ ‬والإقليمية‭. ‬والأمة‭ ‬العربية‭ ‬ترفض‭ ‬وتقاوم‭ ‬بكل‭ ‬قواها‭ ‬الاستعمار‭ ‬لأنه‭ ‬يتنافى‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله‭ ‬وصيغه‭ ‬كل‭ ‬التنافي‭ ‬مع‭ ‬كرامة‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬وغالبيتها‭ ‬العظمى‭.‬

‬أخذت‭ ‬صيغة‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وأصبحت‭ ‬منطلقاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لمفكرين‭ ‬يعلنون‭ ‬انتماءهم‭ ‬للعروبة‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬العرب،‭ ‬وشيئاً‭ ‬فشيئاً‭ ‬أخذت‭ ‬طابعاً‭ ‬شبه‭ ‬مقدس

‎المفكر‭ ‬القومي‭ ‬صار‭ ‬عروبياً‭ ‬وأكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬خطابه‭ ‬معاصرٌ‭ ‬لنا‭ ‬بامتياز،‭ ‬وإن‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬نبيه‭ ‬العظمة‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬بلودان‭ ‬عام‭ ‬1937‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬القائل‭ ‬يعيش‭ ‬بين‭ ‬ظهرانينا‭ ‬الآن‭. ‬فلنستمع‭ ‬إليه‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬فقد‭ ‬اتسعت‭ ‬الآفاق‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬العرب،‭ ‬وأصبح‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬منهم‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬فوق‭ ‬وطنه‭ ‬القطري‭ ‬الصغير،‭ ‬وطناً‭ ‬عربياً‭ ‬شاملاً‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬أبنائه‭ ‬روابط‭ ‬اللغة‭ ‬الواحدة‭ ‬والجهاد‭ ‬والتاريخ‭ ‬والثقافة‭ ‬والآلام‭ ‬والآمال‭ ‬والمصالح‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية‭ ‬المشتركة،‭ ‬لتكون‭ ‬منهم‭ ‬جميعاً‭ ‬أمة‭ ‬تامة‭ ‬تطمح‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬دولة‭ ‬متحدة‭ ‬تحفظ‭ ‬كيانها‭ ‬وتؤمّن‭ ‬مصالحها‭ ‬وتحقق‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬تطلبه‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬ورفاه‭ ‬وطمأنينة‮»‬‭.‬

‎والحق‭ ‬أن‭ ‬العروبة‭ ‬آنذاك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬أبداً‭.. ‬وغدت‭ ‬مصطلحاً‭ ‬متداولاً‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭. ‬وصار‭ ‬من‭ ‬المألوف‭ ‬قراءة‭ ‬عناوين‭ ‬مقالات‭ ‬تبدأ‭ ‬بالعروبة،‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1928‭ ‬يكتب‭ ‬الريحاني‭ ‬روح‭ ‬العروبة،‭ ‬ويدافع‭ ‬شكيب‭ ‬أرسلان‭ ‬عن‭ ‬العروبة‭ ‬بوصفها‭ ‬قديمة‭ ‬قدم‭ ‬تاريخ‭ ‬العرب،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬ساطع‭ ‬الحصري‭ ‬والمازني‭ ‬ورئيف‭ ‬فوزي‭ ‬وعفلق‭.‬

‎أما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬فإن‭ ‬العروبة‭ ‬صارت‭ ‬الفكرة‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬حركات‭ ‬قومية‭ ‬أخذت‭ ‬صيغة‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وأصبحت‭ ‬منطلقاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لمفكرين‭ ‬يعلنون‭ ‬انتماءهم‭ ‬للعروبة‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬العرب،‭ ‬وشيئاً‭ ‬فشيئاً‭ ‬أخذت‭ ‬طابعاً‭ ‬شبه‭ ‬مقدس‭ ‬يمكن‭ ‬ببساطة‭ ‬للعروبي‭ ‬أن‭ ‬يقسم‭ ‬بها‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬صدقه‭.‬

‎لقد‭ ‬انتشرت‭ ‬حركة‭ ‬البعث‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬العربي‭ ‬الاشتراكي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬وكان‭ ‬لانتشاره‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة،‭ ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬انتشار‭ ‬حركة‭ ‬القوميين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬والعراق‭ ‬وبعض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬واليمن‭. ‬وانتصار‭ ‬عبدالناصر‭ ‬لفكرة‭ ‬العروبة‭ ‬أعطى‭ ‬العروبة‭ ‬حقلاً‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬حيث‭ ‬صار‭ ‬هو‭ ‬بطلها‭. ‬ولقد‭ ‬صارت‭ ‬العروبة‭ ‬فكرة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬البداهة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وأداة‭ ‬تقويم‭ ‬للعرب‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قربهم‭ ‬أو‭ ‬بعدهم‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬حتى‭ ‬أنك‭ ‬لن‭ ‬تجد‭ ‬إلا‭ ‬نادراً‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعلن‭ ‬أنه‭ ‬ضد‭ ‬العروبة‭. ‬حتى‭ ‬أشد‭ ‬السُلط‭ ‬المعادية‭ ‬للعروبة‭ ‬كانت‭ ‬تعلن‭ ‬أنها‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬العروبة‭ ‬ومصالح‭ ‬العرب‭ ‬وأهداف‭ ‬العرب‭.‬

‎على‭ ‬المستوى‭ ‬المضموني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬إثراء‭ ‬ملحوظ‭ ‬لفكرة‭ ‬العروبة‭ ‬لكنها‭ ‬صارت‭ ‬عقيدة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬للكلمة‭. ‬ويعلن‭ ‬نبيه‭ ‬أمين‭ ‬‭(‬مارس‭ ‬عام‭ ‬1947‭)‬‭ ‬‮«‬عقيدتي‭ ‬العروبة‭ ‬بأوسع‭ ‬معانيها‮»‬،‭ ‬‮«‬‭ ‬لماذا؟‭ ‬العروبة‭ ‬أساس‭ ‬صالح‭ ‬للتقدم‭ ‬البشري‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حضارة‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬‮«‬دفعت‭ ‬العروبة‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭ ‬نبراس‭ ‬العلم‮»‬،‭ ‬‮«‬عقيدتنا‭ ‬العروبة،‭ ‬وحدة‭ ‬صالحة‭ ‬حية‭ ‬فعالة‮»‬‭.‬

‎وهذا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬عقيدة‭ ‬البعث‭ ‬فالعروبة‭ ‬رسالة‭ ‬حضارية،‭ ‬والعروبة‭ ‬وحدة‭ ‬عربية‭ ‬والعروبة‭ ‬إنسانية‭.. ‬إلخ‭.‬

‎يقول‭ ‬ميشيل‭ ‬عفلق‭ ‬‮«‬إن‭ ‬فهمنا‭ ‬للعروبة‭ ‬يختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬المفاهيم‭ ‬التقليدية‭.. ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تعريفنا‭ ‬للعروبة‭ ‬أيّ‭ ‬جمود‭ ‬أو‭ ‬تحجر،‭ ‬واعتزاز‭ ‬بالنسب‭ ‬والأصل،‭ ‬مفهومنا‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬القومية‭ ‬النازية‭.. ‬العروبة‭ ‬هي‭ ‬إنسانية ونحن‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬قوميتنا‭ ‬العربية‭ ‬بأنها‭ ‬الإنسانية‭ ‬الصحيحة‮»‬‭.‬

‎والملاحظ‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬وفكرة‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬مترادفتان‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬والقارئ‭ ‬لـ”في‭ ‬سبيل‭ ‬البعث”‭ ‬يجد‭ ‬هذا‭ ‬واضحاً،‭ ‬وحسبك‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬‮«‬قوميتنا‭ ‬المتحررة‭ ‬أمام‭ ‬التفرقة‭ ‬‮ ‬الدينية‭ ‬والعنصرية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لتدرك‭ ‬صحة‭ ‬قولنا‭.‬

‎العروبة‭ ‬بوصفها‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬حركة‭ ‬سياسية‭ ‬أصبحت‭ ‬وعياً‭ ‬شائعاً‭ ‬وبخاصة‭ ‬بعد‭ ‬وحدة‭ ‬1958،‭ ‬هدد‭ ‬الناصريون‭ ‬والبعث‭ ‬والقوميون‭ ‬العرب‭ ‬أنظمة‭ ‬عربية‭ ‬كثيرة،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الانفصال‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬عام‭ ‬1961،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العروبة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬رسمية‭ ‬وشبه‭ ‬رسمية‭ ‬لدول‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ومصر‭ ‬والجزائر‭ ‬وليبيا‭ ‬واليمن‭.. ‬ولأغلبية‭ ‬ساحقة‭ ‬بفضل‭ ‬الناصرية‭.‬

‎ولما‭ ‬كانت‭ ‬الممارسة‭ ‬هي‭ ‬معيار‭ ‬التقويم،‭ ‬فالممارسة‭ ‬تحملنا‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬أو‭ ‬نفي‭ ‬ما‭ ‬نعتقد‭ ‬به،‭ ‬فإن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬واجه‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬ليس‭ ‬أعداء‭ ‬العروبة،‭ ‬بل‭ ‬ممارسة‭ ‬العروبيين‭ ‬أنفسهم‭.‬

‎فالتجربة‭ ‬المؤلمة‭ ‬بين‭ ‬البعث‭ ‬وعبدالناصر‭ ‬بعد‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬الوحدة‭ ‬الثلاثية،‭ ‬مصر‭-‬العراق‭-‬سوريا،‭ ‬والصراعات‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬جعلت‭ ‬صورة‭ ‬العروبة أقل‭ ‬ضياءً،‭ ‬فيما‭ ‬الخلافات‭ ‬العراقية‭-‬السورية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬العروبة‭ ‬كالحة‭. ‬لقد‭ ‬صارت‭ ‬ممارسة‭ ‬العروبيين‭ ‬حجة‭ ‬لدى‭ ‬مناهضي‭ ‬العروبة‭ ‬سلطاً‭ ‬وأفراداً‭.‬

‎لقد‭ ‬أنذر‭ ‬حزيران‭ ‬67‭ ‬بعالم‭ ‬مختلف‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الهزيمة‭ ‬لم‭ ‬تلغ‭ ‬قوة‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬بمؤتمر‭ ‬الخرطوم‭ ‬لكنها‭ ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬هزيمة‭ ‬للعروبة‭. ‬وبعد‭ ‬تشرين‭ ‬73‭ ‬برزت‭ ‬أهمية‭ ‬التضامن‭ ‬العربي،‭ ‬وراحت‭ ‬المنطقة‭ ‬تبرز‭ ‬انتصار‭ ‬أهداف‭ ‬حرب‭ ‬حزيران‭. ‬وكان‭ ‬لموت‭ ‬عبدالناصر‭ ‬الأثر‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬حالة‭ ‬الإحباط‭ ‬من‭ ‬العروبة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬السياسية‭ ‬الساداتية‭ ‬كانت‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬الناصرية‭ ‬وما‭ ‬تعنيه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العروبة‭. ‬وقد‭ ‬حدثت‭ ‬القطيعة‭ ‬كما‭ ‬شاء‭.‬

‎لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬اذكر‭ ‬لكم‭ ‬التاريخ‭ ‬المعروف‭ ‬وحسبي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬لكم‭ ‬‮ ‬إن‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬ركود‭ ‬العروبة‭ ‬بوصفها‭ ‬وعياً‭ ‬بالمصير‭:‬

‎•‭ ‬التسوية‭ ‬مع‭ ‬العدو‭.‬

‎•‭ ‬الدخول‭ ‬الأميركي‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬معالم‭ ‬المنطقة‭.‬

‎•‭ ‬غياب‭ ‬السوق‭ ‬المشتركة‭.‬

‎•‭ ‬استقرار‭ ‬نظام‭ ‬سلطوي‭ ‬قمعي‭ ‬بامتياز‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬له‭ ‬تاريخ‭ ‬العرب‭ ‬مثيلاً‭ ‬وهو‭ ‬ذو‭ ‬أهداف‭ ‬سلطوية‭ ‬ضيقة‭ ‬فقط‭.‬

‎•‭ ‬انتشار‭ ‬التيار‭ ‬الأصولي‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬كخلاص‭.‬

‎•‭ ‬زوال‭ ‬القوة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬لفكرة‭ ‬العروبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تلجم‭ ‬أنظمة‭ ‬سياسية‭ ‬وأفراداً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يظهروا‭ ‬عداءهم‭ ‬للمصير‭ ‬المشترك،‭ ‬وأنانيتهم‭ ‬العاجزة،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬وقد‭ ‬سبتت‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬جماهيرية‭ ‬فاعلة‭ ‬تتحرك‭ ‬من‭ ‬وحيها،‭ ‬فقدت‭ ‬قوتها‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬وأبرزت‭ ‬فقدان‭ ‬الحياء‭ ‬المطلق‭ ‬لدى‭ ‬السُلط‭ ‬العربية‭.‬

‎وهكذا‭ ‬تواجه‭ ‬العروبة‭ ‬نفياً‭ ‬متعدد‭ ‬الأوجه‭:‬

‎•‭ ‬نفي‭ ‬أيديولوجي‭ ‬من‭ ‬المتصالحين‭ ‬مع‭ ‬العدوّ‭ ‬باسم‭ ‬الواقعية‭ ‬والعقلانية،‭ ‬متحالف‭ ‬مع‭ ‬نفي‭ ‬ليبرالي‭ ‬جديد‭ ‬باسم‭ ‬العولمة‭.‬

‎•‭ ‬نفي‭ ‬أيديولوجي‭ ‬سلطوي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام‭ ‬لتأكيد‭ ‬تاريخية‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬يحكمها‭ ‬واستقلالها‭ ‬القديم‭ ‬باسم‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬الأمن‭ ‬الخاص‭ ‬والمعبر‭ ‬عنها‭ ‬أولاً‭.‬

‎•‭ ‬نفي‭ ‬أيديولوجي‭ ‬أصولي‭ ‬إسلامي‭ ‬وباسم‭ ‬فشل‭ ‬العروبة‭ ‬بوصفها‭ ‬وعياً‭ ‬غربياً‭ ‬مستورداً‭ ‬وباسم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭.‬

‎•‭ ‬نفي‭ ‬أيديولوجي‭ ‬وعملي‭ ‬غربي‭ ‬يشكل‭ ‬استمراراً‭ ‬للنفي‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬ولن‭ ‬ينتهي‭ ‬أبداً‭.‬

لوحة: نهاد الترك

‎وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬أشكال‭ ‬النفي‭ ‬لفكرة‭ ‬العروبة‭ ‬لتدل‭ ‬على‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تستيقظ‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬إهاب‭ ‬جديد‭.‬

‎من‭ ‬وحي‭ ‬ذلك‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬لماذا‭ ‬العروبة‭ ‬الآن‭! ‬العروبة‭ ‬الآن‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬آن‭ ‬وعي‭ ‬بالمصير‭ ‬الواحد‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬التقدم‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭-‬الأمة‭ ‬مستحيل‭ ‬دون‭ ‬العروبة‭. ‬ففي‭ ‬شرط‭ ‬التكتلات العالمية‭ ‬الكبرى‭ ‬العروبة‭ ‬أساس‭ ‬لظهور‭ ‬اتحاد‭ ‬منطقة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

‎أجل‭ ‬ها‭ ‬نحن‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ركود‭ ‬تاريخي،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬العروبة‭ ‬هي‭ ‬الدرئية‭ ‬الأولى‭ ‬لرمي‭ ‬رصاص‭ ‬الخارج‭ ‬والسُلط‭ ‬والمثقفين‭ ‬التائبين،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬شخصاً‭ ‬كان‭ ‬قومياً‭ ‬نسيت‭ ‬اسمه‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬كتاباً‭ ‬سماه‭ ‬‮«‬وداع‭ ‬العروبة”،‭ ‬وقد كتب‭ ‬مرة‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬الكتاب‭ ‬الرديء للناقد‭ ‬ولكني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬لم‭ ‬ينشر‭.‬

‎لا‭ ‬نريد‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نبعث‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬بشحمها‭ ‬ولحمها،‭ ‬لكني‭ ‬مازلت‭ ‬معتقداً‭ ‬أن‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية‭. ‬وأن‭ ‬مستقبل‭ ‬العرب‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬حرا‭ ‬قويا‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬شكل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الدولة‭-‬الأمة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭.‬

‎ها‭ ‬أنا‭ ‬أطرح‭ ‬‮ ‬الآن‭ ‬العروبة‭ ‬كما‭ ‬أراها‭ ‬وكما‭ ‬أريدها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭:‬

‎أولاً‭: ‬العروبة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬اسم‭ ‬جغرافي‭ ‬تنتسب‭ ‬إليه‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬اسم‭ ‬إتنوس،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬وعياً‭ ‬بالهوية‭ ‬لدى‭ ‬سكان‭ ‬منطقة‭ ‬جغرافية‭ ‬ذات‭ ‬اسم‭ ‬منتمين‭ ‬إلى‭ ‬طوائف‭ ‬ومذاهب‭ ‬وأديان‭ ‬وإثنيات‭. ‬وببساطة‭ ‬فالسؤال‭ ‬هو‭ ‬التالي‭: ‬كيف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أجعل‭ ‬من‭ ‬السني‭ ‬والشيعي‭ ‬والكردي‭ ‬والأمازيغي‭ ‬واللبناني‭ ‬والسوري‭ ‬والشمري‭ ‬والقببي‭.. ‬إلخ‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬القول‭ ‬إنهم‭ ‬عروبيون،‭ ‬وإن‭ ‬الكردي‭ ‬يستطيع‭ ‬القول‭ ‬لك‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬واطمئنان‭ ‬إنه‭ ‬سوري‭ ‬أو‭ ‬عراقي،‭ ‬لكنه‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬أنا‭ ‬عربي،‭ ‬وإن‭ ‬قال‭ ‬ذلك‭ ‬سيكون‭ ‬محمولاً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القول‭.‬

‎إن‭ ‬الاسم‭ ‬الجغرافي‭ ‬يعني‭ ‬المساواة‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬بالانتماء‭.‬

‎ساكن‭ ‬أميركا‭ ‬العربي‭ ‬والصيني‭ ‬والأفريقي‭ ‬والأسكتلندي‭ ‬والأسباني‭.. ‬والمسلم‭ ‬والمسيحي‭ ‬والبوذي‭ ‬واليهود‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬أنا‭ ‬أميركي،‭ ‬لقد‭ ‬انتسب‭ ‬إلى‭ ‬الجغرافيا‭. ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الفرنسي‭ ‬والانكليزي‮ ‬‭-‬وقائل‭ ‬يقول‭ ‬هذه‭ ‬الآن‭ ‬دول‭-‬‭ ‬أجل‭ ‬لكنها‭ ‬دول‭ ‬ذات‭ ‬اسم‭ ‬جغرافي‭ ‬ينتسب‭ ‬إليه‭ ‬المرء‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الاسم‭ ‬الجغرافي‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مقومات أخرى‭ ‬كاللغة‭ ‬والدولة،‭ ‬فإذا‭ ‬سألت‭ ‬الروسي‭ ‬أو‭ ‬البلغاري‭ ‬أو‭ ‬الصربي‭ ‬من‭ ‬أنت‭ ‬سيقول‭ ‬لك‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬أنا‭ ‬روسي،‭ ‬بلغاري‭ ‬صربي‭.. ‬لن‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬أحدٌ‭ ‬منهم‭ ‬إنه‭ ‬سلافي،‭ ‬مع‭ ‬أنهم‭ ‬جميعاً‭ ‬سلافيون‭.‬

‎ولو‭ ‬كان‭ ‬لهذه‭ ‬المساحة‭ ‬الجغرافية‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬اسم‭ ‬واحد‭ ‬وحيد‭ ‬لكان‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬الجغرافي‭ ‬أمراً‭ ‬طبيعياً‭ ‬ولن‭ ‬يثير‭ ‬أيّ‭ ‬حساسيات‭ ‬إثنية‭.‬

‎ومشكلة‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة‭ ‬أن‭ ‬لديهم‭ ‬جنسيتين‭: ‬جنسية‭ ‬مكتوبة‭ ‬في‭ ‬بطاقة‭ ‬الهوية‭ ‬وجنسية‭ ‬مكتوبة‭ ‬في‭ ‬وعيهم‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬الجنسية‭ ‬المكتوبة‭ ‬في‭ ‬وعيهم‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الجنسية‭ ‬المكتوبة‭ ‬في‭ ‬بطاقة‭ ‬هويتهم‭ ‬وهي‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬أقوى‭ ‬فعلاً‭.‬

‎ونقول‭ ‬عندما‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬بهذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الممتدة‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬سابقاً‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬الأمة‭ ‬العربية،‭ ‬الشعب‭ ‬العربي،‭ ‬الصفة‭ ‬للإتنوس وليست‭ ‬للجغرافيا‭.‬

‎فلو‭ ‬ألفينا‭ ‬كلمات‭ ‬مثل‭ ‬وطن‭ ‬ومنطقة‭ ‬وشعوب‭ ‬ودول‭ ‬وأيضاً‭ ‬على‭ ‬‮«‬العربية‮»‬‭ ‬اسما‭ ‬لهذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الجغرافية‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬وجرى‭ ‬التواضع‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التسمية‭ ‬ولغة‭ ‬تواضع‭ ‬أصلاً‭ ‬لأصبح‭ ‬الاسم‭ ‬الجغرافي‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬صفته‭ ‬لساكنيه‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬أخرى‭ ‬إذ‭ ‬تغدو‭ ‬الصفة‭ ‬هنا‭ ‬هوية‭ ‬الجميع‭. ‬ومن‭ ‬العربية‭ ‬تقول‭ ‬عروبي‭ ‬ويصبح‭ ‬العروبي‭ ‬ساكن‭ ‬العربية‭. ‬وقائل‭ ‬يقول‭ ‬ولكنك‭ ‬أطلقت‭ ‬الاسم‭ ‬–العربية‭-‬‭ ‬مشتقاً‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬فأبقيت‭ ‬على‭ ‬الإثنوس‭ ‬مصدراً‭ ‬للاسم‭ ‬الجغرافي‭. ‬هذا‭ ‬صحيح‭ ‬ولكني‭ ‬أطلقت‭ ‬الصفة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬جغرافية‭ ‬كي‭ ‬أمنحها‭ ‬اسماً‭ ‬وجسداً‭ ‬قابل‭ ‬للتداول‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أيّ‭ ‬اسم‭ ‬آخر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العربية‭ ‬صفة‭ ‬الأكثرية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬صارت‭ ‬اسماً‭ ‬جغرافياً،‭ ‬للسكان‭ ‬أن‭ ‬ينتموا‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬مشتركة‭ ‬هي‭ ‬العروبة‭.‬

‎ولماذا‭ ‬تأخذون‭ ‬علينا‭ ‬ذلك‭ ‬وهناك‭ ‬الآن‭ ‬جنسيات‭ ‬بأسماء‭ ‬ومناطق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لجغرافيتها‭ ‬الكاملة،‭ ‬اسم‭ ‬دال‭ ‬عليها‭.‬

‎دول‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬أخذت‭ ‬أسماء‭ ‬المدن‭: ‬مراكش‭-‬المغرب،‭ ‬الجزائر،‭ ‬تونس،‭ ‬هناك‭ ‬دول‭ ‬أخذت‭ ‬اسم‭ ‬نهر‭ ‬الأردن‭ ‬هناك‭ ‬دول‭ ‬أخذت‭ ‬اسم‭ ‬جبل‭ ‬لبنان،‭ ‬دول‭ ‬أخذت‭ ‬اسم‭ ‬عائلة‭ ‬بل‭ ‬فرعا‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬السعودية‭. ‬ودول‭ ‬أخذت‭ ‬اسم‭ ‬الإمارة‭ ‬الإمارات‭. ‬فأيهما‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المعقولية،‭ ‬أن‭ ‬تسمّى‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬أما‭ ‬تسميها‭ ‬المغرب‭ ‬والسعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬والأردن‭ ‬ولبنان‭.. ‬إلخ‭.‬

‎إذا‭ ‬أطلقنا‭ ‬الاسم‭ ‬جغرافياً‭ ‬‭-‬العربية‭ ‬وصار‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬عروبي‭ ‬وليس‭ ‬عربي‭-‬‭ ‬تحولت‭ ‬كلمة‭ ‬عروبي‭ ‬إلى‭ ‬جنسية‭ ‬منتسبة‭ ‬إلى‭ ‬جغرافيا‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬عرق،‭ ‬طبعاً‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬منح‭ ‬الاسم‭ ‬للجغرافيا‭ ‬يحلّ‭ ‬مشكلة‭ ‬الهوية‭ ‬والانتماء،‭ ‬وإنما‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نخلق‭ ‬وعياً‭ ‬بالانتماء‭ ‬يسند‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي‭ ‬بالكفاح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الدولة‭-‬الأمة‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬شكلها‭ ‬وصورتها‭ ‬بل‭ ‬وبجوهرها‭.‬

‎ثانياً‭: ‬إن‭ ‬تحرير‭ ‬العروبة‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬حمولات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحولها‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬تخلق‭ ‬وعياً‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬وتحدد‭ ‬السلوك‭ ‬الضروري‭ ‬للمستقبل‭.‬

‎إن‭ ‬العروبة‭ ‬وعياً‭ ‬هوياتياً‭ ‬لا‭ ‬تحدد‭ ‬أشكال‭ ‬الوعي‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬بل‭ ‬تؤسس‭ ‬له‭ ‬بوصفها‭ ‬وعياً‭ ‬ثابتاً‭ ‬بالانتماء‭ ‬إذّاك‭ ‬العروبة‭ ‬ليست‭ ‬اشتراكية‭ ‬أو‭ ‬ليبرالية‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وعندها‭ ‬كل‭ ‬وعي‭ ‬أيديولوجي‭ ‬مؤسس‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬الهوياتي‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬عروبي،‭ ‬وعندها‭ ‬أيضاً‭ ‬يتحول‭ ‬الاشتراكي‭ ‬وهو‭ ‬يفكر‭ ‬بالمستقبل‭ ‬عروبياً‭ ‬والإسلامي‭ ‬عروبياً‭ ‬والليبرالي‭ ‬عروبياً‭ ‬والقومي‭ ‬عروبياً‭.‬

‎ولعمري‭ ‬أن‭ ‬تحرير‭ ‬العروبة‭ ‬من‭ ‬إهابها‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬وعياً‭ ‬بهوية‭ ‬تجري‭ ‬عليها‭ ‬سنن‭ ‬التطور‭ ‬والتاريخ‭ ‬والواقع‭ ‬يحررها‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬شبهة‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭. ‬وعندما‭ ‬تنطلق‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أيّ‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬الهوياتي‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬تناقض‭ ‬مع‭ ‬العروبة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬تناقض‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المصير‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬والثقافي‭ ‬والأخلاقي‭.. ‬إلخ‭.‬

‎إن‭ ‬وعياً‭ ‬كهذا‭ ‬بالعروبة‭ ‬وبالأيديولوجيا،‭ ‬وتحرير‭ ‬العروبة‭ ‬من‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬يخلق‭ ‬ساحة‭ ‬جديدة‭ ‬للتناقض‭ ‬في‭ ‬العربية،‭ ‬يخلق‭ ‬تناقضاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬بين‭ ‬عروبة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الواقع‭ ‬المادي‭-‬الموضعي‭ ‬التاريخي،‭ ‬وبين‭ ‬أشكال‭ ‬الهويات‭ ‬المعبر‭ ‬عنها‭ ‬أيديولوجياً‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تخلقها‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬والمدافعة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الراهن‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬الماضي‭ ‬السحيق‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬انتصار‭ ‬العروبة‭ ‬هوية‭-‬موضوعية‭ ‬للمنطقة،‭ ‬تحرر‭ ‬الهويات‭ ‬الأضيق‭ ‬من‭ ‬لبوسها‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬لنجعل‭ ‬منها‭ ‬هويات‭ ‬تاريخية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬محلي‭ ‬‮ ‬يثري‭ ‬جمال‭ ‬التنوع،‭ ‬ويقضي‭ ‬على‭ ‬تعصبها‭ ‬ونزعتها‭ ‬العتيقة‭ ‬النافية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬الهوية‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬زيف‭ ‬السلط‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬اختراع‭ ‬هويات‭ ‬على‭ ‬هواها‭ ‬يثري‭ ‬وعيها‭ ‬الانعزالي‭ ‬وانحطاطها‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وقلة‭ ‬حيائها‭ ‬الوطني‭.‬

‎ثالث‭: ‬يجب‭ ‬ألاّ‭ ‬تخلط‭ ‬العروبة‭ ‬بوصفها‭ ‬هوية‭ ‬جميع‭ ‬سكان‭ ‬العربية‭ ‬بأيّ‭ ‬هوية‭ ‬دينية‭ ‬أخرى‭. ‬ومن‭ ‬الطريف‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭. ‬وعندي‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬عدم‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭ ‬إطلاقاً،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬فض‭ ‬الترابط‭ ‬بينهما‭ ‬في‭ ‬الوعي‭. ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬الدنيوي‭ ‬والديني‭. ‬فالعروبة‭ ‬هوية‭ ‬ليست‭ ‬دينية‭ ‬لسكان‭ ‬العربية،‭ ‬والإسلام‭ ‬دين‭ ‬عالمي‭ ‬تدين‭ ‬به‭ ‬أقوام‭ ‬وشعوب‭ ‬وأمم‭ ‬كثيرة‭.‬

‎فالعروبة‭ ‬ليست‭ ‬إسلامية‭ ‬أو‭ ‬مسيحية،‭ ‬ليست‭ ‬سنية‭ ‬أو‭ ‬شيعية‭ ‬أو‭ ‬وهابية،‭ ‬إنها‭ ‬هوية‭ ‬أرضية‭ ‬لسكان‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالسماء‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها‭ ‬تقف‭ ‬موقفاً‭ ‬مناهضاً‭ ‬للعروبة‭. ‬وإذا‭ ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬حررنا‭ ‬العروبة‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬حمولات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬نحررها‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬حمولات‭ ‬دينية‭.‬

‎إن‭ ‬هذا‭ ‬التحرير‭ ‬يسمح‭ ‬لنا‭ ‬بتأكيد‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬قلناه‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬انتصار‭ ‬العروبة‭ ‬هوية‭ ‬كلية‭ ‬تغدو‭ ‬كل‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬هي‭ ‬عروبية‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هاجسها‭ ‬‮«‬العربية‮»‬‭.‬

‎رابعاً‭: ‬إن‭ ‬تأسيس‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬الوطني‭ ‬بوصفه‭ ‬المتحد‭ ‬مع‭ ‬العروبي،‭ ‬إذ‭ ‬يغدو‭ ‬كل‭ ‬كفاح‭ ‬عروبي‭ ‬هو‭ ‬كفاح‭ ‬وطني،‭ ‬فالعروبة‭ ‬هوية‭ ‬وطنية‭ ‬للعربية‭ ‬تلغي‭ ‬التناقض‭ ‬والاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي،‭ ‬بل‭ ‬وتلغي‭ ‬القومي‭ ‬من‭ ‬التداول‭. ‬إذ‭ ‬تغدو‭ ‬العروبة‭ ‬هوية وطن‭ ‬وعندها‭ ‬كل‭ ‬عروبي‭ ‬هو‭ ‬وطني‭ ‬وكل‭ ‬وطني‭ ‬هو‭ ‬عروبي‭. ‬أليست‭ ‬كلمة‭ ‬وطني‭ ‬هنا‭ ‬حكم‭ ‬قيمة‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن،‭ ‬انتساب‭ ‬إلى‭ ‬الوطن،‭ ‬الوطن‭ ‬بالضرورة‭ ‬هو‭ ‬العربية،‭ ‬وهويته‭ ‬إذن‭ ‬هي‭ ‬العروبة‭. ‬إن‭ ‬انتصار‭ ‬وحدة‭ ‬الوطن‭ ‬والعروبة،‭ ‬والوطني‭ ‬والعروبي‭ ‬يلغي‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬الأكاذيب‭ ‬الوعي‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬الانعزالي‭ ‬الطائفي‭ ‬المناطقي‭ ‬السلطوي‭ ‬الديني‭ ‬باسم‭ ‬الوطنية‭ ‬والوطن‭ ‬المتناقضة‭ ‬على‭ ‬الحقوقية‭ ‬والأمة‭.‬

‎وعندها‭ ‬أيضاً‭ ‬عبر‭ ‬مفهوم‭ ‬العروبة‭ ‬هذا‭ ‬تتحد‭ ‬الأمة‭ ‬والوطن‭. ‬لأننا‭ ‬إذّاك‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬العروبي‭ ‬وعن‭ ‬العربية‭ ‬بوصفها‭ ‬وطناً‭. ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يحرّرنا‭ ‬من‭ ‬شوائب‭ ‬كلمة‭ ‬قومي‭ ‬المشتقة‭ ‬من‭ ‬القوم،‭ ‬وهذا‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬وطناً‭ ‬والوطن‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬المواطنة‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬الحرية‭.‬

‎وبعد،‭ ‬فلا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬الطوباوية‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬خطابنا،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬رؤية‭ ‬الواقعيين‭ ‬جداً‭ ‬والعقلانيين‭ ‬جداً‭ ‬والخائفين‭ ‬جداً‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬تفكير‭ ‬طوباوي‭ ‬بالمطلق‭ ‬ولكن‭ ‬اعلموا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬طوباوي‭ ‬الآن‭ ‬قد‭ ‬يغدو‭ ‬واقعاً‭ ‬بالمستقبل‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬مستقبل‭ ‬عظيم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إلا‭ ‬وعياً‭ ‬طوباوياً‭ ‬في‭ ‬البداية‭.‬


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات