أقاصيص مجنون

الجديد  سليم مطر [نُشر في 01/11/2016، العدد: 22، ص(27)]

تخطيط: حسين جمعان
ذئب الماضي ونحل الحاضر

كل مساء عندما أعود، أجد أبي ينتظرني عند باب غرفتي. أسلّم عليه وأقبّل يده، وأتركه ينحرني ويبدل رأسي برأس ذئب جريح، ويحتضنني ويبكي.

وعند سريري أجد أمي بانتظاري، أسلّم عليها وأقبّلها من جبينها، وأتركها تقلع قلبي وتلفه بفوطتها السوداء، وتضع محله خلية نحل. وتحتضنني وتغني لي:

ـ دلٌّولّوه يا بني.. عدوك ذليل وساكن الجول (البادية)..

فأنام وأنا أسمع عويل ذئبي في بوادي طفولتي، وطنين نحلي يصنع عسل محبتي..

غناء الروح

فتحت المذياع وبدأت أسمع أغنية مؤثرة.

كانت تعلو بالتدريج وتصبح صاخبة.

حاولت أن أخفّض صوت المذياع، لكنه استمر بالارتفاع!

أطفأته قاطعا عنه الكهرباء، لكنه استمر يعلو!

زادت حيرتي وغضبي ولم أعد أطيق الصخب، فمسكته ورميته على الأرض وانتثرت أجزاؤه.

لكن الأغنية استمرت تعلو وتعلو!

جلست يائسا وأصابعي تسد أذني.

لكن الصوت استمر يعلو ويعلو في داخلي!

حينها فقط أدركت أنّي كنت أغني!

كنت أبكي!

كنت أضحك!

كنت أصرخ!

وأنا أرقص وأرقص وأهتزّ بجنون.

والكون كله معي، يبكي ويضحك ويصرخ ويرقص بجنون!

بحر اللذة

لا أدري كم من زمن وأنا أعيش هذه الحالة. ربما لحظات أو أيام أو آلاف الأعوام. هكذا أجد نفسي في سفينة بلا شراع ولا مجداف تائها في بحر معتم بلا آفاق. ريح متصاعدة تشدني إلى دوامة سوداء. أمواج تكبر وتشتد وتصير جبالا تغرقني وترفعني وتتهادى بمركبي في جميع الأنحاء. وحيدا أصارع مجهولا. صرخاتي عويل وزئير ينطلق من كل خلية في جسدي ومن كل نفحة من روحي. تمتزج بعصف ريح وهدير أمواج وانكسارات سفينة وارتعاشات وجود. أنشودة كونية من لذة وعذاب.

بينما الدوامة تبتلعني في ظلماتها أنا ومركبي، وتنقطع أنفاسي وأفقد كياني، إذا بمخالب سماوية تمزق ظلمة الكون فتقدح شرارات حمراء وتتوهّج أنوار فضية وتشرق شمس ذهبية، وأذوب أنا وأتبدد بلمح البصر..

لكني بالتدريج أحس بحياة ما تنمو في كياني وأطفو بعيدا عن دوامتي ويسري هدوء في وجودي وتختفي العاصفة وتنقشع السماء.. فأشعر بأمان وأفتح عيوني..

وكانت دهشتي..!؟

وجدت نفسي في أحضان حبيبتي وهي تهمس في أذني بصوت لذة وعرفان:

ـ شكرا يا حبيبي، جعلتني أحس كأني كنت سفينة وأنت ملاّحي، نتهادى في بحر اللذة العاصف.


كاتب من العراق مقيم في جنيف