المتلاعبون بالعقول كيف تدمر بلدا في 30 سنة

‬أعرف‭ ‬شابا‭ ‬مصريا‭ ‬استهلك‭ ‬في‭ ‬مقاعد‭ ‬الدرس‭ ‬12‭ ‬عاما،‭ ‬منها‭ ‬تسع‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬المدرستين‭ ‬الابتدائية‭ ‬والإعدادية‭ ‬بقريته،‭ ‬وثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬ثانوية‭ ‬بالمدينة‭. ‬ولكنه‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬القراءة،‭ ‬ويكتب‭ ‬اسمه‭ ‬بصعوبة،‭ ‬يكاد‭ ‬يرسم‭ ‬حروفا‭ ‬يتشكل‭ ‬منها‭ ‬اسمه‭ ‬واسما‭ ‬أبيه‭ ‬وجدّه،‭ ‬ليوقّع‭ ‬الأوراق‭ ‬الرسمية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قذفه‭ ‬مركب‭ ‬صغير،‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬إلى‭ ‬شاطئ‭ ‬أوروبي،‭ ‬وربما‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬جنسية‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬لجأ‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬هجرة‭ ‬سرية،‭ ‬ثم‭ ‬وفّق‭ ‬أوضاعه‭ ‬واستقرت‭ ‬أحواله،‭ ‬ولا‭ ‬يشعر‭ ‬بالقلق‭ ‬من‭ ‬‮«‬أمية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬أحد‭ ‬ضحاياها،‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬لمفارقة‭ ‬نظام‭ ‬تعليم‭ ‬يخرّج‭ ‬أميين‭.‬

الجديد  سعد القرش [نُشر في 01/11/2016، العدد: 22، ص(82)]

لوحة: ياسر صافي
لهذا ‭ ‬الشاب‭ ‬قريبان‭ ‬يتمتعان‭ ‬بذاكرة‭ ‬خارقة،‭ ‬كانا‭ ‬زميليه‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الابتدائية،‭ ‬وقد‭ ‬ساعدتهما‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحفظ‭ ‬واستظهار‭ ‬الدروس‭ ‬على‭ ‬تخطي‭ ‬عقبات‭ ‬المناهج‭ ‬وشراك‭ ‬الامتحانات،‭ ‬ولم‭ ‬يجدا‭ ‬مشقة‭ ‬في‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالكليةـ‭ ‬الحلم،‭ ‬للعائلة‭ ‬ولهما،‭ ‬وصار‭ ‬أحدهما‭ ‬طبيبا‭ ‬والآخر‭ ‬مهندسا‭.‬

الأول‭ ‬‮«‬الأمي‮»‬‭ ‬أعفى‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬المعرفة؛‭ ‬فلا‭ ‬يقرأ‭ ‬ولو‭ ‬صفحة‭ ‬الرياضة‭ ‬في‭ ‬صحيفة،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالكتابة‭ ‬أن‭ ‬يوقع‭ ‬اسمه‭ ‬كلما‭ ‬أضاف‭ ‬إلى‭ ‬ممتلكاته‭ ‬بيتا‭ ‬أو‭ ‬أرضا‭ ‬أو‭ ‬استخرج‭ ‬جواز‭ ‬سفر‭ ‬جديدا‭. ‬والآخران‭ ‬انتهت‭ ‬علاقتهما‭ ‬بالقراءة،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التخصص،‭ ‬كلاهما‭ ‬نموذج‭ ‬للموظف‭ ‬التقليدي‭ ‬المطمئن‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تراب‭ ‬الميري‮»‬،‭ ‬ويتنافسان‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن،‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬الأربعون‭ ‬النووية‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬يليها‭.‬

لم‭ ‬يعهد‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬الثلاثة‭ ‬اهتمام‭ ‬بالشأن‭ ‬العام،‭ ‬وبعد‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬2011،‭ ‬أصابهم‭ ‬هوس‭ ‬بحازم‭ ‬صلاح‭ ‬أبو‭ ‬إسماعيل‭ ‬مرشح‭ ‬اليمين‭ ‬الديني‭ ‬‮«‬المحتمل‮»‬‭ ‬لرئاسة‭ ‬الجمهورية‭. ‬سمعت‭ ‬أبو‭ ‬إسماعيل‭ ‬في‭ ‬سهرات‭ ‬مطولة‭ ‬بميدان‭ ‬التحرير‭ ‬قبيل‭ ‬خلع‭ ‬حسني‭ ‬مبارك،‭ ‬وكان‭ ‬خطابه‭ ‬عاقلا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬شبهة‭ ‬الطائفية‭. ‬وبعد‭ ‬قضاء‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬مبارك‭ ‬أصبح‭ ‬نجما‭ ‬تلفزيونيا،‭ ‬واتسعت‭ ‬دائرة‭ ‬شهرته‭ ‬من‭ ‬الميدان‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي،‭ ‬وصار‭ ‬وجها‭ ‬مألوفا‭ ‬لمن‭ ‬يتابعون‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬الأعمار‭ ‬كافة،‭ ‬ومنهم‭ ‬ابنتي‭. ‬ثم‭ ‬تصادف‭ ‬أن‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬نقابة‭ ‬الصحافيين،‭ ‬ذات‭ ‬ليلة‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬‭(‬الجمعة‭ ‬26‭ ‬أغسطس‭ ‬2011‭)‬،‭ ‬وحضر‭ ‬حازم‭ ‬أبو‭ ‬إسماعيل‭ ‬ضيف‭ ‬شرف‭ ‬حفل‭ ‬تسليم‭ ‬جوائز‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬الفائزين‭. ‬ثم‭ ‬سألتني‭ ‬ابنتي‭: ‬هل‭ ‬حرّف‭ ‬المسيحيون‭ ‬الإنجيل؟‭ ‬وهل‭ ‬هم‭ ‬كافرون؟‭ ‬أدهشني‭ ‬الكلام،‭ ‬وتوقيته‭ ‬ومكانه،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أسألها‭ ‬قالت‭ ‬إنها‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬قاعة‭ ‬الاحتفال،‭ ‬وأغلب‭ ‬الحضور‭ ‬أطفال‭ ‬مع‭ ‬ذويهم،‭ ‬وسمعت‭ ‬الشيخ‭ ‬حازم‭ ‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسلم‭ ‬الجوائز‭. ‬سيكبر‭ ‬الأطفال‭ ‬وفي‭ ‬وجدانهم‭ ‬هذا‭ ‬اليقين،‭ ‬ويترسّخ‭ ‬في‭ ‬نفوسهم‭ ‬أن‭ ‬نقابة‭ ‬الصحافيين‭ ‬تخص‭ ‬المسلمين‭ ‬وحدهم؛‭ ‬وهي‭ ‬امتداد‭ ‬للمساجد،‭ ‬إذ‭ ‬يتردد‭ ‬فيها‭ ‬كلام‭ ‬يسمع‭ ‬مثله‭ ‬آباؤهم‭ ‬في‭ ‬خطبة‭ ‬الجمعة،‭ ‬وأن‭ ‬غير‭ ‬المسلم‭ ‬كافر،‭ ‬والكافر‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬الذّمي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬بالضرورة‭ ‬لا‭ ‬يستوي‭ ‬في‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنة‭ ‬بالمسلم‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الإسلام‭.‬

‭ ‬سيزهو‭ ‬الطبيب‭ ‬والمهندس‭ ‬ـ‭ ‬على‭ ‬صاحبهما‭ ‬‮«‬الأمي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ود‭ ‬لو‭ ‬يرسل‭ ‬توكيلا‭ ‬للمرشح‭ ‬الرئاسي‭ ‬من‭ ‬البلد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ـ‭ ‬بهجرتهما‭ ‬‮«‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‮»‬‭ ‬من‭ ‬قريتهما‭ ‬البعيدة‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة،‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬أغرب‭ ‬تجسيد‭ ‬بشري‭ ‬للموكلين‭. ‬كان‭ ‬قانون‭ ‬تنظيم‭ ‬الانتخابات‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬حصول‭ ‬المتقدم‭ ‬للترشح‭ ‬على‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬توكيل‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬محافظة،‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يقل‭ ‬عدد‭ ‬التوكيلات‭ ‬عن‭ ‬ألف‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬الواحدة‭. ‬وجاء‭ ‬من‭ ‬أقاصي‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬الألوف‭ ‬من‭ ‬مريدي‭ ‬أبو‭ ‬إسماعيل،‭ ‬لم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بحمل‭ ‬توكيلاتهم‭ ‬بأيمانهم‭ ‬وشمائلهم،‭ ‬وإنما‭ ‬ذهبوا‭ ‬بأنفسهم‭ ‬برهانا‭ ‬على‭ ‬حماستهم‭ ‬لنصرة‭ ‬من‭ ‬يظنونه‭ ‬رمزا‭ ‬للإسلام،‭ ‬وشكلوا‭ ‬بأجسادهم‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬القاهرة‭ ‬سلسلة‭ ‬بشرية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬لجنة‭ ‬الانتخابات،‭ ‬رافعين‭ ‬صور‭ ‬أبو‭ ‬إسماعيل،‭ ‬وهم‭ ‬يهتفون‭ ‬بالنصر‭ ‬‮«‬الله‭ ‬أكبر‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‮»‬‭. ‬ولولا‭ ‬استبعاده‭ ‬أو‭ ‬إبعاده‭ ‬عن‭ ‬السباق‭ ‬لفاز‭ ‬باكتساح،‭ ‬وفقا‭ ‬لديمقراطية‭ ‬الصناديق،‭ ‬وتجاوز‭ ‬منافسيه‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬الديني‭ ‬نفسه‭.‬

التعليم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ضحيته‭ ‬الشاب‭ ‬‮«‬الأمي‮»‬‭ ‬وزميلاه‭ ‬المهندس‭ ‬والطبيب‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬هوس‭ ‬الملايين‭ ‬بحازم‭ ‬أبو‭ ‬إسماعيل،‭ ‬ورهانهم‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬لإعادة‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‮»‬‭. ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يرتكب‭ ‬حسني‭ ‬مبارك‭ ‬جريمة‭ ‬غير‭ ‬تدمير‭ ‬التعليم،‭ ‬وتعميم‭ ‬التجهيل،‭ ‬لكانت‭ ‬كافية‭ ‬لإدانته‭ ‬بتهمة‭ ‬الخيانة‭ ‬العظمى،‭ ‬والتواطؤ‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬البلاد‭. ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بلجوء‭ ‬خائبي‭ ‬الرجاء‭ ‬إلى‭ ‬أقرب‭ ‬يقين‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يظنونه‭ ‬صحيح‭ ‬الدين،‭ ‬وإنما‭ ‬بفقدان‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬الضامن‭ ‬لتغيير‭ ‬حقيقي،‭ ‬لكي‭ ‬تخرج‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬ثنائية‭ ‬اليمينين‭.. ‬الديني‭ ‬والعسكري‭. ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬انتصار‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬سألت‭ ‬قناة‭ ‬فضائية‭ ‬مصرية‭ ‬‭(‬في‭ ‬بداية‭ ‬أكتوبر‭ ‬2016‭)‬‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬أسئلة‭ ‬عبثية،‭ ‬وجاءت‭ ‬الإجابات‭ ‬كارثية‭ ‬في‭ ‬عبثيتها‭. ‬سئلت‭ ‬‮«‬رباب‮»‬‭ ‬الطالبة‭ ‬بقسم‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الآداب‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة‭:‬‭ ‬هل‭ ‬سميت‭ ‬مدينة‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬قامت‭ ‬فيها؟‭ ‬فأجابت‭: ‬‮«‬أكيد،‭ ‬حرب‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‭ ‬حرب‭ ‬عظيمة‮»‬،‭ ‬وقال‭ ‬آخرون‭ ‬إنهم‭ ‬سيصومون‭ ‬يوم‭ ‬6‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وسيؤدون‭ ‬‮«‬صلاة‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‮»‬،‭ ‬وافتخر‭ ‬أحدهم‭ ‬بأنه‭ ‬يواظب‭ ‬على‭ ‬‮«‬صلاة‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‮»‬‭ ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬‮«‬أكيد‭ ‬طبعا‮»‬‭.‬

أرست‭ ‬مصر‭ ‬بعد‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬1952‭ ‬ديمقراطية‭ ‬التعليم‭ ‬المجاني‭. ‬كانت‭ ‬المدرسة‭ ‬مؤسسة‭ ‬صارمة‭ ‬للتربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬فيها‭ ‬يحتفظ‭ ‬‮«‬المعلّم‮»‬‭ ‬بهيبة‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬الإخلاص‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬مهامه،‭ ‬فلا‭ ‬يضطر‭ ‬التلميذ‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬استئجار‮»‬‭ ‬مدرّس‭ ‬يشرح‭ ‬له‭ ‬المنهج‭ ‬في‭ ‬درس‭ ‬خاص‭. ‬سلوك‭ ‬مهين‭ ‬يجعل‭ ‬المدرس‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬متسول‭ ‬ينتقل‭ ‬طوال‭ ‬الليل‭ ‬والنهار،‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬وتكون‭ ‬يد‭ ‬التلميذ‭ ‬هي‭ ‬العليا‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التعليم‭ ‬يكلف‭ ‬وليّ‭ ‬الأمر‭ ‬شيئا،‭ ‬وبحلول‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬أصبح‭ ‬التعليم‭ ‬يكلف‭ ‬الأسر‭ ‬المصرية‭ ‬سنويا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬14‭ ‬مليار‭ ‬جنيه،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬شعار‭ ‬المرحلة‭ ‬‮«‬مدارس‭ ‬بلا‭ ‬تعليم،‭ ‬وتعليم‭ ‬بلا‭ ‬مدارس‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مقولة‭ ‬أطلقها‭ ‬الدكتور‭ ‬شكري‭ ‬عياد‭ ‬‭(‬1921‭ ‬ـ‭ ‬1999‭)‬،‭ ‬ولخص‭ ‬بها‭ ‬الفوضى‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬اللاتعليمي‭ ‬بمصر‭ ‬رغم‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬المغدورة‭. ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقله‭ ‬شكري‭ ‬عياد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الجامعات‭ ‬نفسها‭ ‬هوت‭ ‬دون‭ ‬مستوى‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي؛‭ ‬إذ‭ ‬امتدت‭ ‬إليها‭ ‬عدوى‭ ‬الدروس‭ ‬الخاصة،‭ ‬واقتصرت‭ ‬أدوار‭ ‬أغلب‭ ‬‮«‬الدكاترة‮»‬‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬شيء‭ ‬يسمونه‭ ‬مجازا‭ ‬‮«‬الكتاب‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬مجرد‭ ‬مذكرة‭ ‬رديئة‭ ‬الطباعة‭ ‬متواضعة‭ ‬المضمون،‭ ‬تباع‭ ‬إكراها‭ ‬للطلبة‭. ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الإعلام‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬كانت‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الدفعة‭ ‬نفسها‭ ‬زميلتان‭ ‬شقيقتان،‭ ‬وأجبر‭ ‬المدرس‭ ‬كلتيهما‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الكتاب‮»‬‭ ‬نفسه‭.‬

تخريب‭ ‬التعليم‭ ‬مقصود‭ ‬ليسهل‭ ‬التلاعب‭ ‬بالعقول،‭ ‬واستقطاب‭ ‬الملايين‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬العاطلة‭ ‬عقولهم‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬ـ‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬سلطة‭ ‬دينية،‭ ‬تجيد‭ ‬كلتاهما‭ ‬إقناع‭ ‬الأتباع‭ ‬بوجود‭ ‬مؤامرة‭

كانت‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬تفتح‭ ‬ليلا‭ ‬لكبار‭ ‬السن،‭ ‬الفلاحين‭ ‬المقبلين‭ ‬بحماسة‭ ‬على‭ ‬دروس‭ ‬‮«‬محو‭ ‬الأمية‮»‬،‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬تستهدف‭ ‬تنمية‭ ‬مهارات‭ ‬من‭ ‬فاتهم‭ ‬التعليم،‭ ‬وتقليص‭ ‬نسبة‭ ‬الأمية،‭ ‬وتمنح‭ ‬الذين‭ ‬تجاوزوا‭ ‬‮«‬الإعاقة‮»‬‭ ‬امتيازا‭ ‬في‭ ‬الالتحاق‭ ‬بمهن‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬القراءة،‭ ‬فيصبح‭ ‬الفلاح‭ ‬أو‭ ‬الأجير‭ ‬عاملا‭ ‬في‭ ‬مصنع‭ ‬أو‭ ‬صاحب‭ ‬حرفة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬كان‭ ‬الأمل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬منع‭ ‬تسرّب‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬التعليم،‭ ‬فتحاصر‭ ‬الأمية‭ ‬تدريجيا‭ ‬بتجفيف‭ ‬المنبع،‭ ‬والسماح‭ ‬باجتذاب‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬المصب‭ ‬إلى‭ ‬دوائر‭ ‬النور،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬سبعينات‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬أفسدت‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وعمم‭ ‬مبارك‭ ‬هذا‭ ‬الخراب‭.‬

تسلم‭ ‬السادات‭ ‬الحكم‭ ‬وعدد‭ ‬المواطنين‭ ‬30‭ ‬مليونا‭ ‬تقريبا،‭ ‬وغادر‭ ‬السلطة‭ ‬والدنيا‭ ‬صريعا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬العدد‭ ‬40‭ ‬مليونا‭. ‬وعندما‭ ‬خلع‭ ‬مبارك‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬المواطنين‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬81‭ ‬مليونا‭. ‬لو‭ ‬حسنت‭ ‬النية‭ ‬لما‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬الأمية‭ ‬الكتابية‭ ‬حاليا‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬بالمئة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأميين‭ ‬خريجي‭ ‬المدارس‭ ‬ممن‭ ‬تتجاهلهم‭ ‬الإحصاءات،‭ ‬وهي‭ ‬جريمة‭ ‬تستحق‭ ‬وحدها‭ ‬محاكمة‭ ‬ثورية،‭ ‬عقابا‭ ‬على‭ ‬تعمد‭ ‬رئيس‭ ‬جهول‭ ‬أن‭ ‬يجرّف‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬السلّم،‭ ‬بإبعاد‭ ‬قطاع‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬عن‭ ‬المدارس‭ ‬لفقر‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صار‭ ‬التعليم‭ ‬استثمارا،‭ ‬ومن‭ ‬يوقعه‭ ‬حظه‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الرسمي‭ ‬فسوف‭ ‬يتخرج‭ ‬أميّا‭ ‬كما‭ ‬ولدته‭ ‬أمه‭. ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الأميين،‭ ‬هذا‭ ‬القطيع‭ ‬البشري،‭ ‬يصير‭ ‬كتلة‭ ‬مضمونة،‭ ‬يسهل‭ ‬تعبئتها‭ ‬نفسيا،‭ ‬والسيطرة‭ ‬والاحتيال‭ ‬عليها،‭ ‬والنطق‭ ‬باسمها،‭ ‬وأحيانا‭ ‬يتم‭ ‬التنازع‭ ‬عليها،‭ ‬واستمالة‭ ‬شرائح‭ ‬ممّن‭ ‬فقدوا‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬آدمية،‭ ‬إلى‭ ‬الشاطئ‭ ‬حيث‭ ‬ينتظرهم‭ ‬ـ‭ ‬بعد‭ ‬إقامة‭ ‬ما‭ ‬يسمونه‭ ‬الخلافة‭ ‬ـ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬عين‭ ‬رأت،‭ ‬في‭ ‬جنة‭ ‬افتقدها‭ ‬المساكين‭ ‬في‭ ‬دنيا‭ ‬ظلت‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬اللصوص،‭ ‬لصوص‭ ‬الوعي‭ ‬والأعمار‭.‬

سرقة‭ ‬الوعي‭ ‬والأعمار‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬أموال‭ ‬الأسر‭ ‬المصرية‭ ‬تسلب‭ ‬خريج‭ ‬الجامعة‭ ‬18‭ ‬عاما،‭ ‬يخرج‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬الدنيا‭ ‬كائنا‭ ‬هشا،‭ ‬مستلبا‭ ‬فاقد‭ ‬الإرادة،‭ ‬غير‭ ‬واثق‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬التفكير،‭ ‬إذ‭ ‬اعتاد‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬جاهز‭ ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬المناهج،‭ ‬وحرم‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الصواب‭ ‬والخطأ،‭ ‬بالاجتهاد‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬طرق‭ ‬مختلفة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬غير‭ ‬الذي‭ ‬سلكه‭ ‬المدرّس‭ ‬وأراده‭ ‬واضع‭ ‬الامتحان‭. ‬تخلو‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬من‭ ‬التدريب‭ ‬على‭ ‬المهارات‭ ‬العقلية،‭ ‬وتحوّلت‭ ‬المدارس‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬التلاميذ‭ ‬طوال‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬لأداء‭ ‬الامتحان‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الأذكياء‭ ‬هم‭ ‬الأوائل‭ ‬وإنما‭ ‬ينال‭ ‬الدرجات‭ ‬العلا‭ ‬من‭ ‬يدرّب‭ ‬ذاكرته‭ ‬على‭ ‬الحفظ،‭ ‬مستعينا‭ ‬بخبرة‭ ‬المدرس‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬تدريبه‭ ‬على‭ ‬الإجابة‭ ‬النموذجية،‭ ‬وقراءة‭ ‬سيكولوجية‭ ‬مشوهين‭ ‬نفسيا‭ ‬يضعون‭ ‬في‭ ‬امتحانات‭ ‬الثانوية‭ ‬العامة‭ ‬أسئلة‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬إنسان‭ ‬طوال‭ ‬عمره،‭ ‬ومنها‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬جمع‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬وحْي‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬بضع‭ ‬سنوات؛‭ ‬فلا‭ ‬يملك‭ ‬الطالب‭ ‬إلا‭ ‬الكفر‭ ‬بالوحي‭ ‬والتعليم‭ ‬والبلد،‭ ‬ويفكر‭ ‬في‭ ‬هجرة‭ ‬غير‭ ‬مشروعة،‭ ‬أيا‭ ‬كانت‭ ‬نتيجة‭ ‬المغامرة‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬مقامرة‭.‬

تخريب‭ ‬التعليم‭ ‬مقصود‭ ‬ليسهل‭ ‬التلاعب‭ ‬بالعقول،‭ ‬واستقطاب‭ ‬الملايين‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬العاطلة‭ ‬عقولهم‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬ـ‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬سلطة‭ ‬دينية،‭ ‬تجيد‭ ‬كلتاهما‭ ‬إقناع‭ ‬الأتباع‭ ‬بوجود‭ ‬مؤامرة‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الوطن،‭ ‬وتلجآن‭ ‬إلى‭ ‬اتهام‭ ‬المخالف‭ ‬بالتكفير‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬التخوين‭ ‬الوطني،‭ ‬ولكل‭ ‬منهما‭ ‬أسلحة‭ ‬إعلامية‭ ‬تستهدف‭ ‬جمهورا‭ ‬مستعدا‭ ‬لتلقي‭ ‬التعليمات‭ ‬والإرشادات‭.‬

قسّم‭ ‬السادات‭ ‬ومبارك‭ ‬المصريين‭ ‬إلى‭ ‬جزر‭ ‬صغيرة،‭ ‬تعزلها‭ ‬أسوار‭ ‬عالية،‭ ‬وإن‭ ‬تجاورت‭ ‬فلا‭ ‬تتفاعل‭. ‬نجحت‭ ‬الخطة‭ ‬بيسر‭ ‬مخادع‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬مضمون‭ ‬لاستثمار‭ ‬مصري‭ ‬وعربي‭ ‬وأجنبي‭. ‬حتى‭ ‬أوائل‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كانت‭ ‬القسمة‭ ‬ثنائية‭ ‬بين‭ ‬تعليم‭ ‬رسمي‭ ‬مدني‭ ‬عام‭ ‬وتعليم‭ ‬ديني‭ ‬‭(‬الأزهر‭)‬‭. ‬أما‭ ‬الآن‭ ‬فربما‭ ‬لا‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬حصر‭ ‬أنواع‭ ‬التعليم‭ ‬ومستوياته‭. ‬ففي‭ ‬التعليم‭ ‬الحكومي‭ ‬الرسمي‭ ‬توجد‭ ‬مدارس‭ ‬للتعليم‭ ‬العام‭ ‬‭(‬عربي‭)‬،‭ ‬ومدارس‭ ‬تجريبية‭ ‬‭(‬لغات‭)‬‭ ‬بمصروفات،‭ ‬ومدارس‭ ‬المعاهد‭ ‬القومية‭ ‬‭(‬لغات‭)‬‭ ‬بمصروفات‭. ‬ومدارس‭ ‬خاصة‭ ‬يملكها‭ ‬أفراد‭ ‬‭(‬عربي،‭ ‬ولغات‭)‬،‭ ‬ومدارس‭ ‬أجنبية‭ ‬ودولية‭. ‬وفي‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬لجأت‭ ‬الجامعات‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬الخاصة‭ ‬والأجنبية‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار،‭ ‬عبر‭ ‬تعليم‭ ‬صوري‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬المفتوح‮»‬،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ابتداع‭ ‬فروع‭ ‬للتعليم‭ ‬الرسمي‭ ‬بالإنكليزية‭ ‬والفرنسية‭ ‬بمصروفات‭ ‬عالية‭ ‬للقادرين،‭ ‬وتوجد‭ ‬أيضا‭ ‬الجامعة‭ ‬الأميركية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والألمانية‭ ‬والبريطانية‭ ‬والكندية‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1938‭ ‬رثى‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬‭(‬1889‭ ‬ـ‭ ‬1973‭)‬‭ ‬أحوال‭ ‬التعليم‭ ‬الرسمي‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتعليم‭ ‬الأجنبي‭ ‬الذي‭ ‬استظل‭ ‬‮«‬بالامتيازات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬غير‭ ‬حافل‭ ‬بالدولة،‭ ‬ولا‭ ‬خاضع‭ ‬لسلطانها،‭ ‬ولا‭ ‬ملتفت‭ ‬إلى‭ ‬حاجات‭ ‬الشعب‭ ‬وأغراضه،‭ ‬ولا‭ ‬معني‭ ‬إلا‭ ‬بنشر‭ ‬ثقافة‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬منها،‭ ‬والدعوة‭ ‬لهذه‭ ‬البلاد،‭ ‬وتكوين‭ ‬التلاميذ‭ ‬المصريين‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أجنبي‭ ‬خالص،‭ ‬خليق‭ ‬أن‭ ‬يبغّض‭ ‬إليهم‭ ‬بيئتهم‭ ‬المصرية،‭ ‬وأن‭ ‬يهوّن‭ ‬في‭ ‬نفوسهم‭ ‬قدر‭ ‬وطنهم‭ ‬المصري‭.. ‬وينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الشبان‭ ‬الذين‭ ‬يخرجون‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعاهد‭ ‬الأجنبية‭ ‬مهما‭ ‬يكن‭ ‬حبّهم‭ ‬لمصر،‭ ‬وإيثارهم‭ ‬لها،‭ ‬فإنهم‭ ‬يفكرون‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يخالف‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬عليه‭ ‬الذين‭ ‬يخرجون‭ ‬من‭ ‬المعاهد‭ ‬المصرية‮»‬‭.‬

كان‭ ‬جمال‭ ‬مبارك‭ ‬وفريق‭ ‬‮«‬الكشافة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬مصر،‭ ‬من‭ ‬الباطن‭ ‬طوال‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الصنف‭ ‬الذي‭ ‬حذّر‭ ‬منه‭ ‬طه‭ ‬حسين‭. ‬وبعد‭ ‬صعود‭ ‬الأمل‭ ‬متجسدا‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬25‭ ‬يناير،‭ ‬رجعنا‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬البداية،‭ ‬بالنكوص‭ ‬إلى‭ ‬قوسين‭ ‬ضاغطين‭.. ‬التعبئة‭ ‬الوطنية‭ ‬والاحتشاد‭ ‬الديني،‭ ‬وبينهما‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬المثقف‭ ‬الفرد‭ ‬فرصة‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬جماهير‭ ‬ربما‭ ‬تلعنه،‭ ‬ولا‭ ‬تعي‭ ‬أنه‭ ‬الأصدق،‭ ‬والأكثر‭ ‬إيمانا‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬وربما‭ ‬يصير‭ ‬خريج‭ ‬المدرسة‭ ‬‮«‬الأمي‮»‬‭ ‬بإلحاحه‭ ‬على‭ ‬الظهور‭ ‬التلفزيوني‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرا،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يحطم‭ ‬الوعي‭ ‬أضلاع‭ ‬مثلث‭ ‬احتكار‭ ‬الدين‭ ‬والوطنية‭ ‬والإعلام‭.‬


روائي من مصر