الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون

في أوجه الضرورة وحرية الفن

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(4)]

لوحة: محمد الوهيبي
"ضرورة الشعر”، كلمتان كبيرتان ومعنى يوهم بالبساطة، لكنه ملتبس، جملة مكتنزة يحارُ بها معناها، وتحار بها الثقافات. فكيف يكون الشعر ضرورياً؟

لطالما تردّد هذا المعنى في كتب النقاد وبحوث ملتقيات الشعر وندواته. ولكن هل ثمة حقاً ضرورة في أن يكتب الشعراء شعرهم ويودعونه في مجاميع يندر أن تقتنى في زمننا ويندر أن تقرأ؟

سؤال يفتح الباب على أسئلة أخرى؛ لمن يكتب الشاعر، ومتى يكتب، وعلام يكتب؟ ما جدوى أن يكتب الشعراء الشعر في زمن الحرائق، والإبادة الجماعية والجموع الهاربة من الموت في جهات الأرض الأربع؟

ولكن هل من ضرورة للشعر أكبر من أن يكون الشعر حصانا نافراً في برية المخيلة، عصيا على كل ضرورة، فهو برق، وبئر أسرار، ونبع جمال غريب. هو الضرورة المقيمة في لغزها العصي. كوكب الكلمات السابح في كونه الشخصي يغامر في الوصول إليه عشاق مسحورون بالكلمات.

***

هل يكتب الشعراء الشعر وهم أحرار في شغفهم وإقبالهم على فن الشعر، أم أن الشعر طاغية لا مرئي ينتخب من الكائنات أنبياءه ويختارهم ليكونوا الشعراء ويكون له صوت في العالم؟

هل الشاعر مالك مصيره حقاً؟ أم هو جوقة المصير الجماعي وراء قناع مفرد، كل قصيدة من قصائده صوت من أصوات تلك الجوقة الكونية؟

***

كيف نكون بإزاء قصيدة الواقعة التراجيدية في شعر شاعر وقد اكتنزت بالأصوات والصور والرؤى؟ وكيف نكون بإزاء قصيدة أخرى، هي صوت كمان وحيد ليس إلا في شرفة نائية؟

ثمة خيط لامرئي يمر بين قصيدة الكمان المفرد وقصيدة الجوقة. ولكن من هو الشاعر من ذلك الخيط؟

هل الشاعر، وهو كائن رقيق هش، شخص كليّ القدرة بينما هو يعبر ذلك الخيط بين مسافتين وفضاءين، وبين تجربتين وعالمين. عالم الصوت المفرد، وعالم الأصوات المتعددة. أم هو شخص مسرنم تسيّره قوى لامرئية؟ وتحيله كلماته بقوتها الخالصة إلى فيلسوف ونبي؟

***

في الأزمنة العاصفة، أزمنة العذابات الكبرى، والمصائر الأليمة، أزمنة الفتية المنحورين في شوارع المدن المحطمة على ساكنتها، وعندما يتحول بشر إلى دمى عمياء وبلطات دامية في أيدي الموت، ويتحوّل غيرهم إلى أبطال مغمورين ودم مهراق في الحقول والبراري، وشوارع ما بعد الحداثة، لا ينقذ العالم من هاوية الجريمة سوى الشعر.

الشعر بوصفه طفولة العالم، والشعر بوصفه مدينة المستقبل.

لا ينقذ الإنسانية أن ننقذ لحمها ونترك روحها تموت. لذلك لا يعود السؤال عن جدوى الشعر ذا قيمة، ولكن عمّا إذا كان ثمة شيء آخر غير الشعر يمكن أن ينقذ روح الإنسان من شدق الهاوية.

الشعر هو الحلم وهو الحرية، هو السماء التي لا أرض من دونها، والميتافيزيق الذي لا معنى لشيء من دون غيومه الغريبة، وكيانه المفتوح على ماء الأعماق.

هو أسطورة الكلمات التي بها يمكن للبشر أن يحرروا مخيلاتهم من بؤس الواقع، ويخففوا من آلام وجودهم ورعب المصير الفردي للإنسان رهينة الزمن.

تخطيط: حسين جمعان

***

مآل الشعر، في زمننا، وربما في كل زمن، ولكن خصوصا في زمن التحولات الكبرى، يستدعي إعادة تعريف كل ما يتصل بالمغامرة الشعرية: اللغة، الخيال، الإيقاع، الرؤيا، النموذج الشعري، الصورة، فكرة القصيدة، أزياء الشعر، موقف الشاعر، زمن الكتابة، وظيفة الشعر، القراءة، القارئ، ضرورة الشعر، الجمال… إلخ، وإعادة تعريف الشاعر أيضا.

يا لها من مهمة شاقة، مهمة يستحيل على شخص واحد إنجازها بكفاءة تليق بحرية الشعر.

***

فلنكتب الشعر ولنترك الشعر يكتب نفسه في وجوده الخاص، ولنتركه يحلّق حرّاً في فضاء العالم، كما يحلّق الطائر البري في سماء مصيره. للشعر غريزته كما للكائنات الأخرى، وله بوصلته ووجهته ومصيره.

***

أعود إلى سؤال الضرورة، هل يمكن للقصيدة أن تسدّ جوع جائع إلى الخبز. هل في وسع بيت من الشعر أن يصير بيتا لشريد؟ أو يمكن للقصيدة أن تعيد الضحية إلى بيتها والرصاصة إلى بيت النار؟

أبداً، لا يمكن لشيء من هذا أن يحدث، لكن الشعر عزاء روحي، صعود يرتقي بالنفس الإنسانية من هاوية الألم إلى ذرى الجمال، مانحاً عاشقه أجنحة الخلاص من أسر المعلوم إلى حريّة المجهول ومن الوقائع القاسية إلى فضاء الرحابة، ومن موقع الذات الصغيرة المقيدة في عالمها، إلى الذات المتصلة بكل نأمة جمال في العالم، فهو ضرورة جمالية وشعراؤه حرّاس جمال العالم، وفرسان أزليون.

***

لم يكن الشعر يوما ضرورة كما هو الخبز، إلا لشاعر، ربما، ولكن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان؟

يستطيع البشر، بالتأكيد، أن يواصلوا حياتهم من دون شعر. لكن هل يستطيع الإنسان أن يحيا في جسد بلا حواس على أرض بلا سماء؟ الشعر نهر الحواس وسماء المخيلة.

***

ما الزمن بالنسبة إلى الشاعر وقصيدته؟

وهل يكتب الشاعر أمسه؟ أم يكتب يومه الذي لا ينتهي؟ اليوم نهضت من حلم أسود. وهرعت إلى كتابي “طريق دمشق” وهناك وجدت في قصيدتي “ابتسامة النائم” يومي المبلل بالدم.. يومي الذي لا ينتهي.

***

يكتب الشاعر الشعر من شرفة تطل على الوجود، مرئيا ومحدوساً في لامرئيته، من زمن آخر أبعد من الزمن الذي يتلقى فيه القراء شعره. لذلك يحتاج الشعر إلى قراء شجعان يسبحون خارج زمنهم ليصلوا إلى زمن الشعر.

***

تاريخ الشعر هو تاريخ التقليد، أما الاختراقات العابرة للزّمن فهي في تلك المغامرات الخارقة مع اللغة وقد شقت العتمة واصطادت الضوء.

لندن في نوفمبر 2016



مقالات أخرى للكاتب:

  • يا له من سؤال!
  • الخُرُوجُ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ
  • رنا‭ ‬قباني:‭ ‬ ‬الغرب‭ ‬يرفضني‭ ‬والأصوليون‭ ‬أيضا‭!‬
  • عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الإبن
  • ما في الكون من رجل
  • بلاغة النشيد الكوني
  • ثقافة‭ ‬تحطيم‭ ‬الأجنحة
  • نَهْرٌ‭ ‬عَلَى‭ ‬صَلِيبْ
  • العبد‭ ‬التكنولوجي
  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • اغترب‭ ‬تتجدد
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة