تـأنـيـث الكـتـابـة

وَسْم‭ ‬العالَم‭ ‬بالمؤنَّث مطْلبٌ‮ ‬متجدِّد‭ ‬لكنه ليس بالجديد،‮ ‬فالعالم‭ ‬منذ‭ ‬بدء الخليقة‭ ‬فضاء‭ ‬مشترَك‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬‮ ‬لكن قـضت‭ ‬السلطة‭ ‬الاجـتماعية والفكرية والديـنية والسـياسية بـروافدها‭ ‬الـمادية‭ ‬والرمزية أن‭ ‬تحاصِر‮ ‬‮«‬الأنثى‮»‬‮ ‬وأن‭ ‬تكيل‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬شريكها‭ ‬في‭ ‬الحياة والفعل والوجود‭ ‬والخلود‭ ‬‮«‬الذَّكر‮»‬‮ ‬‭ ‬كلَّ‭ ‬مواثيق التقييد‭ ‬والاستبداد‭ ‬والاستغلال‭.‬‮ ‬لقد رصفت‭ ‬شهرزاد‮ ‬‭(‬التي‭ ‬صنَعها‭ ‬المجتمع الذكوري‭)‬‮ ‬من‭ ‬قبل لياليها بوهم‭ ‬سطوة‭ ‬التأنيث‭ ‬لكنها ظلَّت‭ ‬رهينة‭ ‬الليل‭ ‬والغبش والعتمة‭ ‬تقتات‭ ‬الحياة‭ ‬حكايةً‮ ‬ممتدَّةً‭ ‬على‭ ‬حواشي‭ ‬سرير‭ ‬شهريار،‭ ‬تُحكِم‭ ‬عليه‭ ‬سطوة الحكي‮ ‬بما‭ ‬تعــلَمُه‭ ‬وتُنــتِجه‭ ‬من‭ ‬سحر‭ ‬السرد‭ ‬ليلاً‮ ‬ويُحكِمُ‭ ‬عليها‭ ‬سطوة‭ ‬الذكورة‭ ‬والفحولة والقوة‭ ‬بما‭ ‬يعلَمُه‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬وبما‭ ‬تعلَّمَه‭ ‬منه‭ ‬وبما‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬إنتـاجه‭ ‬وإعـادة‭ ‬إنـتاجه‭ ‬من‭ ‬قـيم‭ ‬وأعـراف‭ ‬لـبـاقي‭ ‬اليوم.

الجديد  سعيدة تاقي [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(54)]

لوحة: مايسة محمد
الجارية ‮ ‬‮«‬تودُّد‮» ‬‭(‬سليـلة‭ ‬حكايات‭ ‬شهـرزاد‭) ‬بزّت‭ ‬‮ ‬الفـقـهاء‭ ‬والعلماء‭ ‬وأهل‭ ‬النظر والحكمة‭ ‬وجرَّدتهم‭ ‬أمام‭ ‬الخليفة‭ ‬هارون‭ ‬الرشيد‭ ‬من‭ ‬ثيابهم‭ ‬نكاية‭ ‬بفضلهم‭ ‬وعلمهم،‭ ‬لكنها‭ ‬ظلت‭ ‬‮«‬الجارية‮»‬‭ ‬في‭ ‬حُكْم‭ ‬التاريخ‭ ‬والرواية‭ ‬والسرد‭ ‬شخصيةً‭ ‬تخرج‭ ‬من المخدع‭ ‬لتعود‭ ‬إليه‭.‬‮ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الـكـتـابة‭ ‬أو‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬الفـعــل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬إبـداعا‭ ‬يُـسلِمُ‭ ‬مـقـاليدَه‭ ‬للأنـوثة‭ ‬بصدق‭ ‬ونزاهة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬الفحولة‭ ‬تلوِّن‭ ‬كلَّ‭ ‬اللوحات،‭ ‬وكانت‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬ومازالت،‭ ‬تجأر‭ ‬بذكورة‭ ‬المجتمع‭ ‬وباستبداد‭ ‬الفحولة‭ ‬بكل‭ ‬موازين‭ ‬التساوي‭ ‬أو‭ ‬العدالة‭ ‬أو الأنسنة‭.‬

ولقد‭ ‬اسـتـوت‭ ‬بـين‭ ‬أرفـف الـتـاريـخ،‭ ‬قـبـل‭ ‬ذلـك‭ ‬وبعـده،‭ ‬وبين أرفـف الـفـن‭ ‬والـعـلـم‭ ‬والأدب‭ ‬والشـعـر‭ ‬والـقـصة‭ ‬والـرواية‭ ‬والمـسرح‭ ‬والفكر والفلسـفة والنـقـد‭ ‬والإعلام‭ ‬والسياسة أفعال‭ ‬مقاومة عديدة‭ ‬أعادت‭ ‬تنضيد‭ ‬الرؤى‭ ‬الجامدة‭ ‬وبثَّت‭ ‬في‮ ‬الخوابي‮ ‬شعلة‭ ‬تجدُّد‭ ‬وبعث‭ ‬وإحياء‭.‬‮ ‬وسعت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يغدو‭ ‬فعل‭ ‬الكتابة‭/‬التفكير‭ ‬مخلِصا‭ ‬للذات‭ ‬الكاتبة‭ ‬التي‭ ‬أنتجته‭ ‬دون‭ ‬اتكال‭ ‬على‭ ‬استبداد‭ ‬مطلق،‭ ‬أو‭ ‬اختفاء‭ ‬خلف ظل‭ ‬ذلك‭ ‬الآخر‭. ‬لكن‭ ‬اللغة وهي‭ ‬‮«‬مَسْكَـن‭ ‬الإنسان‮»‬،‭ ‬وفق هايدغر،‭ ‬سابقة‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬والحدود‭ ‬والتسميات‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الكائن‭ ‬الإنساني،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬اللغة‭ ‬لا‮ ‬يتكلَّمُها الإنسان‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تتكلَّمه إذ‭ ‬تحدِّدُه‭ ‬وتسِمُه‭ ‬وتسمِّيه‭. ‬لأجل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬المرأة المميَّز مثلا‭ ‬في‮ ‬الكتابة‭ ‬وننسى‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬تضع‭ ‬مدخل‭ ‬صيغة‭ ‬‮«‬أَمرأ‮» ‬في‭ ‬معجم‭ ‬‮«‬المعاني‮» ‬كالآتي‭:‬

مَرَأ‭:‬‮ ‬‭(‬اسم‭)‬

مَرَأ‮ ‬‭: ‬مصدر مَرِئَ

مَرَّأ‭:‬‮ ‬‭(‬فعل‭)‬

مَرَّأْتُ‮ ‬،‮ ‬أُمَرِّئُ‮ ‬،‮ ‬مَرِّئْ‮ ‬،‭ ‬مصدر تَمْرِئَةٌ

مَرَّأَ‮ ‬الضَّيْفَ‭ : ‬قَالَ‭ ‬لَهُ‭ : ‬هَنِيئاً‭ ‬مَرِيئاً

مرَأ‭:‬‮ ‬‭(‬اسم‭)‬

مرَأ‮ ‬‭: ‬فاعل‭ ‬من مَرُؤَ

مرَأَ‭:‬‮ ‬‭(‬فعل‭)‬

مرَأَ‮ ‬يمرَأ‮ ‬،‮ ‬مَراءةً‮ ‬،‭ ‬فهو‭ ‬مَرِيء

مرَأ الطّعامُ‭: ‬كان‭ ‬سائغًا‭ ‬مقبولاً،‭ ‬سهُل‭ ‬في‭ ‬الحَلْق،‭ ‬وحُمِدت‭ ‬عاقبتُه

هنأني‮ ‬ومرأني‮ ‬الطّعامُ

مَرَأَ‮ ‬فلانٌ‭: ‬طَعِمَ

ولنعتد‭ ‬بأنّ‭ ‬‮«‬امرأة‮»‬‮ ‬وهي‭ ‬الصيغة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬للجنس‭ ‬المؤنث هي‮ ‬في‭ ‬مداخل‭ ‬معجم‭ ‬اللغة‭:‬

امرأة

أنثى‭ ‬المرء،‭ ‬جمع‭: ‬نساء‭ ‬ونسوة‭ ‬‭(‬من‭ ‬غير‭ ‬لفظها‭)‬

في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬‮«‬امرؤ‮»‬

أمرؤ‭-‬‭ ‬و إمرؤ

‭-‬‮ ‬رجل‭ ‬،‭ ‬مؤنث امرأة‮ ‬‭.‬‮ ‬وتحرك‭ ‬‮«‬الراء‮»‬‭ ‬بحركة‭ ‬آخره،‭ ‬فيقال‭: ‬‮«‬امرؤ‭ ‬،‭ ‬امرأ‭ ‬،‮ ‬امرئ‮»‬‭. ‬ولا‭ ‬تدخل‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬أل‮»‬‭ ‬التعريف‭.‬

وفي‭ ‬ضـوء‭ ‬ذلك‭ ‬نـرى‭ ‬أن‭ ‬اللـغـة‭ ‬لـيـسـت‭ ‬بــريـئــة‭ ‬مـنـذ‭ ‬زمـن‭ ‬الـوضـع‭ ‬والاصـطـلاح‭ ‬والمواضعة والاتـفـاق أوالتوفيق،‭ ‬ومـازالت‭ ‬كذلك،‭ ‬تحمل‭ ‬بين‭ ‬ثـنـايـاها‭ ‬فوق‭ ‬المعـنى‭ ‬معـانٍ‭ ‬ومـبانٍ‭ ‬وكـيـانات وفلسفات وتواريخ‭ ‬وأيديولوجيات‭.‬‮ ‬فكيف‭ ‬باللغة‭ ‬أن‭ ‬ترتدي‮ ‬زيّ‮ ‬‮«‬المؤنَّث‮»‬‮ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬كتبتها‭ ‬ذات‭ ‬مؤنثة؟‭ ‬وهل‭ ‬تستطيع‭ ‬اللغة‭ ‬أن‮ ‬يطالها‮ ‬‮«‬التمكين‮»‬‭ ‬المؤنِّث‭ ‬للعالَم‭ ‬لأن‭ ‬الذات‭ ‬التي‭ ‬صاغتها‭ ‬ذات‭ ‬كاتبة‭ ‬مؤنَّثة؟

لوحة: جبران هداية

إن اللغة‭ ‬ليست‭ ‬لغة‭ ‬الرجل‭.‬‮ ‬هو‭ ‬لم‭ ‬يمتلِكها‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬وحده‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬للمرأة،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬صاغـها‭ ‬منذ‭ ‬قـرون‭ ‬بأثر‭ ‬رجعي،‭ ‬يخـلِّد‭ ‬لحـظة‭ ‬سـابقة‭ ‬في‭ ‬الـزمـن‭ ‬اسـتـبد‭ ‬فيـها‭ ‬بالـتـاريـخ‭ ‬واللغة‭ ‬والفكر‭ ‬والمجتمع‭ ‬والدين‭ ‬والسياسة‭ ‬والفن،‭ ‬وتملَّك‭ ‬بسطوة‭ ‬ذلك‭ ‬الامتلاك‭ ‬تاريخيا كلَّ‭ ‬الامتيازات‭ ‬التي‭ ‬جعلتْ‮ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬القِوامة‮»‬‭ ‬الفقهي‭ ‬يمتد‭ ‬خارج‭ ‬أصول‭ ‬الفقه‭ ‬لكي‭ ‬ينسحب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭ ‬والمتون‭ ‬والهوامش‭. ‬فغدا‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬فضاء‭ ‬للرجل بمفرده‮ ‬يخضع لمزاجيته وأهوائه‭ ‬واكتساحاته أو انسحاباته‭.‬‮ ‬وامتد‭ ‬الأمر‭ ‬ليلحق‭ ‬كل‭ ‬الفضاءات‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬حقيقي‭ ‬أو‭ ‬كتابي‭ ‬أو‭ ‬سردي‭ ‬أو تخييلي‮ ‬أو أدبي‭ ‬أو ثــقافي‭ ‬أو‭ ‬اجـتماعي‭ ‬أو‭ ‬ديـني‭ ‬أو‭ ‬سـياسي‭ ‬أو‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬وجودي‭.‬‮ ‬إن الأثر‭ ‬استبد‭ ‬حتى‭ ‬بامتلاك‭ ‬الجسد‭ ‬فالمجتمع‭ ‬ملَّك‭ ‬الـرجلَ‭ ‬جـسده‭ ‬الخاص‭ ‬وجسد‭ ‬المرأة‭ ‬كذلك،‭ ‬ووضعه‭ ‬رقيبا‭ ‬على‭ ‬وجودها‭ ‬المادي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬عبر‭ ‬تسلُّطه‭ ‬على‭ ‬جسدها‭ ‬وحضوره‭ ‬وغيابه‭ ‬وخواصه‭ ‬وأزيائه‭ ‬و‭ ‬حركاته‮…‬‭ ‬والتبس‭ ‬زمن الليل‭ ‬برداء‭ ‬الفحولة،‮ ‬وما‭ ‬أمكَـنَه‭ ‬أن‭ ‬ينعطف‭ ‬ولو‭ ‬قليلا‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬تلابيب ما‭ ‬يقتضيه‭ ‬ذلك‭ ‬الرداء‭ ‬من‭ ‬خيالات‭ ‬وأوهام‭ ‬وأطياف‭.‬

وحين تمكّنت‭ ‬الكاتبة‭ ‬من‭ ‬تملُّك‭ ‬أدوات المقاومة والرفض‭ ‬والفعل‭ ‬المضاد‭ ‬ضد‭ ‬كل‭ ‬صيغ‭ ‬التقــييد‭ ‬والاستــبداد‭ ‬والاحــتكار‭ ‬والاستــغلال عبر‭ ‬التعبير‭ ‬بصوتها‭ ‬الخاص‭ ‬عن‭ ‬رؤيتها‭ ‬للعالَم‭ ‬وللحياة‭ ‬وللوجود‭ ‬وللإنسان‭ ‬وللموجودات‭ ‬وللآخر‭/‬الرجل،‭ ‬فإن‭ ‬الكــتابة‭ ‬منذ‭ ‬المنطلق‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الخلق‭ ‬والصياغة‭ ‬والتشكيل‭ ‬والتوليف‭ ‬فعلُ‭ ‬وجود‭ ‬مؤنَّث ومؤنِّــث‭ ‬يُنفي‭ ‬بدايةً‮ ‬قالبَ‭ ‬‮«‬المفعول‭ ‬به‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬المفعول‭ ‬فيه‮»‬‮ ‬أو‭ ‬‮«‬الموضوع‮»‬،‭ ‬ذلك‭ ‬القالب‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬لقرون‭ ‬طويلة‭ ‬لصيقا‭ ‬بالفنون‭ ‬والآداب‭ ‬منذ‭ ‬الشعر‭ ‬الغنائي‭ ‬وأغراض‭ ‬الغزل‭ ‬والنســيب‭ ‬والتشــبيب‭ ‬إلى‭ ‬العــذريات‭ ‬أو المُــجُـونيات والنحت‭ ‬والتجسيم‭ ‬والتشكيل‭ ‬والرسم‭.‬

ويلغي‮ ‬فعل‭ ‬الكتابة المؤنَّثة‭ ‬والمؤنِّثة ثانياً‭ ‬منطق‭ ‬الغلبة‭ ‬للأقوى‭ ‬أو‭ ‬للذي‭ ‬يملك‭ ‬‮«‬القِـوامة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الامـتـياز‭ ‬الـتاريخي‭ ‬بوضع‮ ‬يده‭ ‬‭(‬الرجل‭/‬الذكر‭)‬‮ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬والكتابة‭ ‬والتفكير‭ ‬والإبـداع‭.‬‮ ‬ويروم‭ ‬فعل‭ ‬تأنيث‭ ‬الكتابة‭ ‬ثالثا‭ ‬أن‭ ‬يشيِّد‭ ‬من‭ ‬منظور‮ ‬‮«‬الذات‭ ‬الكاتبة‮»‬‭ ‬كل‭ ‬‮«‬الموضوعات‮»‬‮ ‬التي‭ ‬تراها‭ ‬أو‭ ‬تتحدَّد‭ ‬خارج‭ ‬وعيها‭ ‬بذاتها‭ ‬تلك‭ ‬الذات‭ ‬الوجودية‭ ‬المؤنَّثة‮ ‬‭(‬بفتح‭ ‬النون‭)‬‮ ‬والذات‭ ‬الكاتبة‭ ‬المؤنِّثة‭ ‬‭(‬بكسر‭ ‬النون‭)‬‮ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وفق‭ ‬منظورها‭ ‬ورؤيتها‭ ‬وإدراكها‭. ‬ولنتأمل في‭ ‬هذا‭ ‬المنعـطف‭ ‬الـثـالث بقـليل‭ ‬من‭ ‬الـسذاجة‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الحيطة‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح مقاميا للنقاش‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬مقالات‭ ‬الملف،‭ ‬لماذا‭ ‬نتساءل‭: ‬هل‭ ‬تحقَّق‭ ‬صوت‭ ‬المرأة‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬كتاباتها‭ ‬أم‭ ‬إنها‭ ‬تكتب‭ ‬بصوت‭ ‬المرأة‭ ‬ولغة الرجل؟

هل لأن‭ ‬صوت‭ ‬الرجل‭ ‬هو‭ ‬الأصل‭ ‬بالفطرة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والطبيعة‭ ‬ومادام‭ ‬صوت‭ ‬المرأة‭ ‬يلــوح‭ ‬في‭ ‬الأفــق‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬ينــافس‭ ‬صوت‭ ‬الــرجل‭ ‬ويــواجهه‭ ‬ويقاومه‭ ‬من‭ ‬منطلقات‭ ‬الندية‭ ‬والمبارزة والتفوق‭ ‬والفوز؟

أم‭ ‬لأن‭ ‬صوت‭ ‬الرجل مجرَّدٌ‮ ‬ومحايد وأبيض‭ ‬لا‭ ‬لون‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬تميُّز‭ ‬له،‮ ‬بـريء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬انـتماء‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬الجنـسـيـن‭ ‬‭(‬الرجل‭ ‬ـ‭ ‬المرأة‭)‬،‭ ‬وعلى‭ ‬صوت‭ ‬المرأة‭ ‬أن‭ ‬يوسَم‭ ‬بصوت‭ ‬المرأة‭ ‬ولغتها‭ ‬وكتابتها‭ ‬لأن‭ ‬المرأة‭ ‬تبني‭ ‬موقفاً‭ ‬وقضيةً‭ ‬تلونُ‭ ‬صوتها‭ ‬وتجعله‭ ‬مختَلِفاً‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬سائد‭ ‬أو‭ ‬غالب أو‭ ‬مستبد؟

أم‭ ‬لأن‭ ‬صوت‭ ‬الرجل‭ ‬صوت‭ ‬ذكوري‭ ‬يعـبِّـر‭ ‬عن‭ ‬الـذكر‭ ‬وعن‭ ‬اســتبداده‭ ‬بكل‭ ‬الامتيازات‭ ‬والحقوق‭ ‬من‭ ‬منطلقات‭ ‬الاحتكار‭ ‬والسيادة‭ ‬التاريخيين‭ ‬وعلى‭ ‬صوت‭ ‬المرأة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كفؤا‭ ‬في‭ ‬المقاومة‭ ‬والدفاع‭ ‬والنضال‭ ‬لصالح‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتمكين‭ ‬النسائي؟

قد تكــون‭ ‬الإجــابات‭ ‬مترددة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مُبصِرة والأســئلة‭ ‬بمفــردها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬بعمق‭ ‬وبعـد‭ ‬بصيرة‭ ‬وتأمل‭.‬‮ ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬القـول‭ ‬بإيـجاز‮ ‬إن تـأنيث الكـتابة‭ ‬والفـكر‭ ‬والإبـداع‭ ‬والتـشكيل والعـلم والدين‭ ‬والفـقه‭ ‬والشريعة‭ ‬والتفسير وكذلك‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬تُنتَج بالموازاة‭ ‬من‭ ‬خطابات اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬وحضارية‭ ‬وسياسية‮ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تمكين‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬سُلبت‭ ‬كل‭ ‬امتيازاته‭ ‬باسم‭ ‬كل السُّـلط‭ ‬لقرون‭ ‬عديدة،‭ ‬لكنه‮ ‬يعني‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬العالَم‮ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يسَع‭ ‬بعـدالة‭ ‬الصوتـين‭ ‬معاً‭ ‬بتـميُّـز‭ ‬كل‭ ‬منهما بحقِّه‭ ‬في‮ ‬إعــمال‭ ‬النـظـر‭ ‬والـقـول‭ ‬والخطاب‭ ‬والإبداع‭ ‬والكتابة،‭ ‬وبحق‭ ‬الكاتبة‭ ‬الأنثى‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬المضادة‭ ‬المُقاومة‭ ‬لكل‭ ‬تحجـيم‭ ‬أو‭ ‬استـبداد‭ ‬واحـتكـار‭ ‬حَصَرها‭ ‬لزمن‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬‮«‬الموضوع‭ ‬المتحدَّث‭ ‬عنه‭/‬المفعول‭ ‬به‮»‬‭ ‬وألغى‭ ‬إمكاناتها‭ ‬بوصـفها‭ ‬‮«‬ذاتــا فاعــلـة‮»‬‭ ‬قـادرة‭ ‬على المبادرة‭ ‬والإنـجاز‭ ‬والإنـتاج‭ ‬والفعل‭.‬

إن‭ ‬تأنيث‭ ‬الصوت وتأنيث الكتابة سيفضيان بالضرورة إلى‭ ‬تأنيث‭ ‬اللغة‭ ‬رغم إكراهات الأبنية‭ ‬والصيغ‭ ‬والاشتقاقات،‮ ‬لأن‭ ‬الحفر‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬متون‭ ‬اللغة بمنظور‭ ‬الأنثى‭ ‬سيولِّد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬اللغة المؤنَّث حيزاً‭ ‬أرحب‭ ‬يسع‭ ‬الكائن‭ ‬البشري‮ ‬بكل‭ ‬إمكاناته‭ ‬واحتمالاته‭ ‬وافتراضاته‭ ‬مثلما‮ ‬يسَع‭ ‬جنسَه‭ ‬أو‭ ‬وسْمَه‭ ‬أو‭ ‬تسميَتَه‭.‬


كاتبة من المغرب

مقالات أخرى للكاتب:

  • تلك‭ ‬الكينونة‭ ‬الأولى