'عين الشرق' لإبراهيم الجبين استراتيجيات التشكيل وكتابة التاريخ

لربما تنبثقُ قوةُ الفعل السَّردي في هذه الرِّواية من اشتغال الروائيِّ على استراتيجيات القول وكذلك على محاولة كتابة تاريخ الرغبة، الرغبة في سلطويتها بحضورها المريع وشؤون أخرى. وهكذا ترتهن كينونة الممارسات الخطابية في بعدها الفني باستراتيجيات التشكيل البنائي للخطاب حيث تستأثر بانتباه القارئ عملية بَنْيَنَةِ السَّرد والعنونة المركزية للخطاب الروائي ثم البداية النَّصية مع نظيرتها خاتمة النّص. فالتشابك والتخطيب بين هذه البؤر يمنحان كينونة النَّص طاقة كبيرة على الحضور بنوعٍ من «اللؤم الفني» الذي أتقنه الروائيُّ في إنتاج نصه.

الجديد  خالد حسين [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(146)]

جاء في الرواية «قررت أن أكتب مذكراتي. لم أقرر بعد، فكثير من أحداثها لا أريد أن أرويه. ليس لأنه لا يعجبني، بل لأنني لم أكن فيه اللاعب الأساسي. كانت تحركني الرياح، وكنت طياراً يتقن ترْكَ ذاته للهبوب»، هذه الرياح والهبوب سوف تؤسِّسُ لشكل الكتابة في النّص وتمنحه هويتها المتغايرة والمتقلبة عبر التداخل بين المذكرات والتاريخ والشعري، لنكتشف من ثَمَّ أحد مكامن السرِّ للنص الذي يتمثل باستراتيجية الكتابة التي اعتمدت «مناهضة التسريد والتشويق» وزجّ القارئ في خطوط سردية متقطعة ومكثَّفة تلتفُّ على بعضها البعض في حركة متغايرة لتتداخل الأزمنة التاريخية فيما بينها بإيقاع متسارع وفي إطار وعي جمالي بالنَّوع الأدبي. وهذا ما منح الروائي القدرة على التحرك بحرية في الانتقال بين الأزمنة وإفساح المجال لكثرة كثيرة من الشخصيات تحضر وتغيب في المشهد الروائي.

غير أن هذه الاستراتيجية في الإمساك بالقارئ ما كانت لتمارس إغواءها لولا استراتيجية العنونة التي اتبعها النَّصُّ لاصطياد القارئ ليمنحه الرغبة في القراءة والمراودة. أقصد توسيم النَّص بتسميةٍ سوف تمثِّلُ البؤرة المركزية للنّص حدثاً وشخصياتٍ وأزمنةً، إنها لدمشق وإنها لـ»عين الشرق: هايبرثيمسيا 21»، أما لماذا توسيم الرواية بالـ»عين»؟ فالعين هي النافذة التي تطلُّ على العالم وهي العتبة التي يحدث فيها التلاقي.

وفي الثقافات العالمية تكتنز «العين» بدلالات سيميائية كثيفة يمكن أن نشير في هذا السياق إلى كونها ترمز إلى المعرفة غير المحدودة والعلم الإلهي والضياء والتنوير والعقل واليقظة والحماية.. إلخ، وهذا هو ديْدنُ «عين الشرق» دمشق ذات الطاقة الهائلة على الجذب والاكتواء بعشقها الأسطوري.

وفي هذا الصدد يرى المرء أنَّ العنوان الرئيسي يملك طاقة دلالية مكتفية بذاتها في شؤون إغواء القارئ وإحداث فعل القراءة ومن ثم تجعله بغنى عن العنوان الثانوي الذي يؤدي هنا دور المفسِّرة الشارحة أو للإشارة إلى فضاء التفاصيل الصغيرة التي تعصف بالرواية. لكن ذلك لا أهمية له في الموقع الذي يحتازه في فضاء الغلاف لأن الكتابة الروائية ذاتها تتأسس على التفاصيل الصغيرة.

لا يرمي الروائيُّ هذه التسمية على عواهنها، إذا ينبغي إبرامُ عهدٍ بين العنوان و»جسده-النص» حيث تكشف الرواية من خلال «عهد التلازم» هذا عن دور العنوان في تنظيم إيقاع الرواية وانتظام الأحداث والشخصيات والأزمنة المتنوّعة في سياق الرواية ضمن بنية تؤوّل ذاتها بذاتها. إن عنوان الرواية كما أشرت يرتبط بأمور عدة، فاقتناصُ دمشق لهذا الاسم يأتي من الإمبراطور الروماني «يوليان» الذي رأى في دمشق «قاعدة سوريا المجوّفة، وسماها «عين الشرق»، كما لو أنَّ الإمبراطور الروماني يدرك تماماً أن الشرق رهين دمشق. فمعرفة الشرق والسيطرة عليه مرتهن بالاستحواذ على هذه «العين الساحرة: دمشق»، العين التي تتدفق ماءً وسحراً، لتشكّل فضاءً لسحر الكلام المتقاطع مع هسيس الشعر «دمشق مدينة شعرية. سحريتها قادمة من هناك، من شعريتها. لغتها شعرية، وعمارتها شعرية. أشجارها مرسومة كما ترسم الأشجار في القصائد، وأنهارها السبعة شعر، مصائر كائناتها مصائر شعرية لا مصائر روائيةة.» لكن هذا العنوان «عين الشرق»، حيث الإبصار والحدس والجمال، يستدرجنا إلى نبوءة رجيمة مقتبسَة من العهد القديم «وحيٌ من جهة دمشقَ: هوذا دمشقُ تُزالُ من بين المدنِ وتكونُ رُجمةَ ردمٍ» جعلها الروائيُّ نصاً-تمهيداً لروايته كنايةً عن المآل الذي آل إليه «الهدير السوري» بعد أن تكالب عليه كلُّ قوى الشر في العالم لإخماده ومنع الحلم السوري من الانبثاق في صورة عين ساحرة.

لوحة: فؤاد حمدي

لا شك أن النبوءة الرجيمة انعكاس لمآلات «الانفجار الكبير» الذي تحوّل إلى «دمار كبير»، فالنبوءة الرجيمة تمثل نهايةً للفعل السردي، نهاية للنَّص في الحقيقة. لكن استراتيجية اللعب السردي تدفع بالنهاية إلى «البداية» و»البداية إلى النهاية»، «كانت لحظة غير عادية، عمرها آلاف السنين، تلك التي سبقت صوت الطباشير والألوان البدائية، وهي تحفّ جدار مدرسة في درعا جنوب سورياة.».

إن العناصر المحيطة بالنّص مع السرد المنفلت في كل الاتجاهات تُشكّلُ الفضاء الذي وقع فيه حدث كتابة تاريخ غير رسمي عبر السَّرد، كتابة تاريخ مخفي، وهذه الكتابة-الجريئة تستمدُّ ثيماتها من قراءة العلائق التي نمت وتنمو في «عين الشرق».

فالتاريخ ليس تأريخاً، تأريخَ «حدثٍ» فحسب كالصَّرخة السورية! وإنما لعبة سردية قوامها التأويل أيضاً، فالاستراتيجيات التي لجأ إليها «الدكتاتور-الأب» في السلطة جعلته «إلهاً» في نظر «طائفته» التي استمدت كينونتها في الرغبة المتسلطة من رغبة «الإله» -إله العلويين- في الحضور الأبدي، ولذلك «لم يكن الموت قدراً، للذين حملوا السلاح للدفاع عن إلههم، كان اختيارا»، وسيترتَّب على هذا «الاختيار» اللاعقلاني دمارُ بلدٍ بأكمله أرضاً وبشراً؛ لكي يستمر ابن «الإله» في السيطرة لأن فيه استمرار «الرعية» بالحضور اقتصاداً واجتماعاً وسياسةً. ولذلك كان الأمر متوقعاً، وما هو أشدُّ توقعاً منه أن ينضم مثقفو الطائفة بمختلف مشاربهم -حتى اليسار الراديكالي إلا فيما ندر- إلى هذا «الاختيار» المدمّر بدعوى الخوف من «إرهاب» قامت السلطة برسم ملامحه وتشكيله ثم إطلاقه وذلك لإغلاق كل إمكانيةٍ من شأنها أن تمضي بسوريا إلى فضاء ديمقراطي! يحضر التاريخُ المخفيُّ بكثافةٍ في السياق الروائي ويتولى الراوي رسم ملامح الحدث التاريخي ثم تأويله، سواء تعلّق الأمر بحدثٍ واقعي جرى في حماه «قال ياكوب: إن أجساد الضحايا السوريين كانت من ضمن مواد البناء التي اختلطت مع الأساسات حينها» أو بتاريخ بعض الشخصيات كشخصيةِ الشاعر أدونيس الذي تكشف الخيوط المخفية لتاريخه الشخصي أن اصطفافه مع السلطة الطائفية ليس بالأمر المستغرب.

كتابةُ التاريخ بالسرد وفي السرد أيضاً تتجه نحو تأويل الشخصيات الروائية الأخرى بوصفها أحداثاً تصنع التاريخ بهذا الشكل أو ذاك حيث تتحرك في المشهد الروائي كثير من الشخصيات بعضها تاريخية (عبدالقادر الجزائري) الذي يتعقب الراوي سيرتَهُ تأويلاً وتفسيراً، وبعضها الآخر بأسماء رمزية لكن ببرامج سردية طائفية (جماعة حراس الأرض) أو ببرامج سردية انتهازية. وفي المقابل ثمة شخصيات بأسماء صريحة (هائل اليوسفي، سليم بركات، صبحي حديدي، بشار عيسى، يوسف عبدلكي،ة إلخ). ولا يخفي الراوي إعجابه بالبرامج السردية التي تقود حيوات هاته الشخصيات.

وهكذا فـ»عين الشرق» من الممارسات الخطابية التي تقرأ «دمشق» المكان-البؤرة برؤية فنية تسكن مسار الجرأة تسريداً وتجريباً.


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا