ثيودوروس غريغورياديس غواية المتوسط

ثيودوروس غريغورياديس كاتب يوناني معاصر وعضو اتحاد الكتاب اليونان وعضو لجنة جائزة أثينا للآداب. ولد في مدينة كافالا عام 1956 ودرس الأدب الإنكليزي بجامعة أرسطوطيليس بسالونيكي، وعمل معلماً للغة الإنكليزية للمرحلة الابتدائية منذ عام 1972 وحتى 1979 في ثراكي (شمال اليونان) وأثينا.

الجديد  حنان‭ ‬عقيل [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(39)]

كتب غريغورياديس 15 عملًا ما بين الرواية والقصة القصيرة. في عام 1982 نشر ثلاث قصص قصيرة في إحدى الدوريات الأدبية ثم تلتها أول رواية له بعنوان «المختبئون». ونالت روايته «البحار» التي نشرت عام 1991 شهرة واسعة، وخلال تلك الفترة نشر العديد من المجموعات القصصية. فيما بين أعوام 1999 و2001 أقام حلقات دراسية حول الكتابة الإبداعية والقراءة والرواية بالتعاون مع المكتبة العامة في إقليم «سيريس».

تحولت بعض أعماله إلى أعمال مسرحية نالت قبولا واسعا، كما يكتب بانتظام نقدا للأعمال الأجنبية في أهم الصحف اليونانية. ومن أعماله « قضيب قديم» و»البحار» و»راقص البستان» و»مياة شبه الجزيرة» و»الخرقة» و»خارج الجسد» و»العزّى ألف عاشق وعاشق» و»خرائط» وغيرها من المؤلفات.

في «قضيب قديم» يُقدِم غريغورياديس ثمانِي قصص ورواية قصيرة، شخوص هذا العمل يقومون بالعديد من المغامرات من خلالها يتعرض الكاتب لمواقف مسلية في قصص لا تخلو من السخرية حينا واليأس والجنون في أحيان أخرى.

في روايته «البحار» المنشورة عام 1991 يحكي الكاتب قصة فتى يعيش في أحد الجبال بشمال اليونان وينطلق في رحلات حول البحر المتوسط وجزر بحر إيجه بحثا عن ابنة زوجته. الرواية تخلط الحقيقة بالخيال ولا تزال واحدة من أفضل القصص في تسعينات القرن العشرين والأكثر مبيعا في اليونان.

في «راقص البستان» تحكي بطلة الرواية عن الأجيال الجديدة في اليونان وعن مآزق العلاقات البشرية ولا معقولية الحياة التي باتت من سمات ذلك العصر من خلال أحداث الرواية التي تجذب القارئ للمشاركة في عالمها الغرائبي والجريء.

أما في روايته «مياه شبه الجزيرة» فيتناول الكاتب من خلال مناخ شعري وتخييلي الكثير من الوقائع التاريخية في بداية القرن العشرين، بينما يكشف في روايته «الخرقة» قضايا الهوية والسياسة بأشكال سردية متعددة ومفتوحة لجميع التأويلات. متعرضا للتاريخ الحديث لليونان بعد الدكتاتورية عام 1974.

في «خارج الجسد» يسخر الكاتب من استخدام اليونان الحديثة للأساطير القديمة للحفاظ على الهوية المتغيرة. وفي روايته «العزّى.. ألف عاشق وعاشق»، التي صدرت مؤخرا في ترجمة عربية عن المركز القومي للترجمة في مصر، يكشف الكاتب الحدود الثقافية والتاريخية بين اليونان والعالم العربي.

في العام 2007 نشر الكاتب مجموعته القصصية «خرائط» التي تتضمن 70 قصة قصيرة، وفي «الميلاد الثاني» يخوض الكاتب عوالم الأنثى والأمومة، بينما يعاود السفر ما بين تركيا واليونان في «المصارع والدرويش» في حديث مزدوج عن السياسة والحب، وهي الرواية التي رُشحت للجائزة الوطنية للرواية، ذلك الترشيح الذي تكرر مرة أخرى مع روايته «سر إيلي» المنشورة عام 2012.

في رواية «حدود الحياة» المنشورة عام 2015 تدور الأحداث في تراقيا (جنوب شرق البلقان) في الثمانينات من القرن الماضي، وهي الجزء الثاني من رواية «الخرقة»، بينما يستعدّ الكاتب لنشر روايته الجديدة «مدينة جديدة» التي تعد الجزء الأخير من تلك الثلاثية الروائية.

«الجديد» كان لها هذا الحوار مع ثيودوروس غريغورياديس على خلفية صدور الترجمة العربية لروايته «العُزَّى.. ألف عاشق وعاشق» في القاهرة.. تلك الرواية التي قاد فيها القارئ نحو رحلة ثرية في بلدان البحر المتوسط لاكتشاف ذلك الجسر الرابط بين ضفافه.

أن تُحِرك هذه الرواية تلك العناصر التاريخية وأن تومض بريق أمل في البحر المتوسط الذي يمتلئ الآن بقوارب اللاجئين الغارقة

الجديد: لنبدأ بروايتك «العُزَّى» التي كتبتها عام 2005، وترجمت هذا العام إلى العربية وصدرت قبل أسابيع قليلة في القاهرة. ما الذي يعنيه لك نشر هذه الرواية باللغة العربية خاصة وأنها العمل الأول لك الذي يُتاح للقراء العرب بلغتهم؟

غريغورياديس: في الحقيقة أشعر بحماسة أكبر بكثير مما لو كانت تُرجمت إلى أيّ لغة أخرى. اللغة العربية لغة كبيرة ومصر بلد كبير وهام. في نفس الوقت أشعر بالرضا والسعادة إذ أن كل هذا الشرق الذي أحمله بداخلي تم تبريره وإبرازه وتحقيقه بشكل ما.

مابعد الحدود

الجديد: انطلاقا من أبيات الخلق التي كُتِبت في القرن الثامن قبل الميلاد في بابل «عندما لا يكون ثمة اسم في السماء العالية، فالأرض تحتها ليس لها اسم» تدور أحداث رواية «العُزّى» بين العالمين العربي واليوناني بشكل تغيب عنه فكرة الحدود. ما سبب اهتمامك بمسألة الارتباط بين الحضارات والكتابة عنها روائيا؟

غريغورياديس: بالفعل إن تجول البطلة في شرق المتوسط ولا سيما في البلدان العربية يمحو الحدود الجغرافية بشكل ما. أعود إلى البحر القديم والأساطير حيث كان الناس يسافرون في كل مكان وعصر مهيمن مثل العصر الهلينستي الذي نجده في شعر كفافيس. بطلة روايتي تمثل اقتران هذه الحضارات اليونانية والعربية. يهمني أيضاً شيء آخر بدرجة كبيرة وهو الحضارة العربية الإسلامية والبحث عن عناصر الفكر اليوناني فيها ومناطق التفاعل التي أدت إلى إثراء كلتا الحضارتين مثل أثر أرسطو وأفلاطون في الفكر العربي.

أيضاً أنا أتوق إلى بحر مفتوح، إقليم تتواصل فيه كل بلاد شرق البحر المتوسط لما لها من ثقافة كبيرة. أتمنى أن تُحِرك هذه الرواية تلك العناصر التاريخية وأن تومض بريق أمل في البحر المتوسط الذي يمتلئ الآن بقوارب اللاجئين الغارقة.

الجديد: حتى منتصف الرواية تقريبا سيواجه القارئ المولع بالتصنيفات الكثير من الغموض بخصوصها، هل هي أدب نسوي، إيروتيكي، رحلات. لتسقط كل تلك التصنيفات في النصف الثاني منها.. هل كان ذلك مقصودًا بشكلٍ خاص؟

غريغورياديس: هي رواية أدبية فوق كل شيء. فيها الأسطورة والحبكة والقصة والشخصيات والتجول والسفر والرحلات والحب. الشخصية الرئيسية هي امرأة قوية يونانية عربية. العنصر الإيروتيكي هو حجة لسفر العزّى إلى أعماق التاريخ والأساطير والتواصل بين الشعوب المختلفة.

زرت القاهرة والإسكندرية مرتين كمراسل لإحدى القنوات التلفزيونية في الفترة التي أشيعت فيها أخبار عن قبر الإسكندر الأكبر

مصباح إدوارد سعيد

الجديد: الاهتمام بالثقافة العربية يبدو جليّا في روايتك «العُزَّى»، وهو ما يدفعنا لسؤالك من هم كُتَّابك العرب المفضلون، خصوصًا منهم الروائيون، سواء القدماء أو المعاصرون؟

غريغورياديس: أحاول أن أقرأ كل ما يصل إلينا مترجماً عن العربية. في البداية طبعاً دراسات إدوارد سعيد الذي فتح لي الطريق الصحيح لتناول موضوع الشرق دون أن أسقط في فخ الأورينتالية.

قرأت لكُتَّاب من الغرب آخرين تناولوا البلدان العربية وتأثروا بالحضارة العربية مثل الإسباني خوان غوتسولو والفرنسي جان رينيه في عمله المشوق عن الفلسطينيين «أسير عاشق»، كما قرأت ترجمات لكتاب مغاربة للأميركي بول بولز.

في مكتبتي توجد بشكل دائم أعمال لنجيب محفوظ وأمين معلوف وطارق علي وياسمينة خضرا وجمال الغيطاني وسحر خليفة وأهداف سويف وعلاء الأسواني ومحمد شكري وأدونيس وإبراهيم الكوني وغيرهم. في السنوات الأخيرة تترجم أعمال لكتاب من المنطقة العربية لكن عدد الأعمال المترجمة يبقى قليلًا للغاية مقارنة بما يترجم عن الآداب واللغات الغربية ولاسيما الإنكليزية.

ولع عربي

الجديد: أغلب دول البحر المتوسط والدول العربية الأخرى مثل لبنان والأردن وسوريا وفلسطين، طافت بها الرواية عبر الحكايات التي ترويها البطلة. أيٌّ من تلك البلاد زرتها؟ وهل قمت برحلات إلى أيّ من هذه الدول لإتمام بعض تفاصيل الرواية؟

غريغورياديس: بطلة روايتي هي امرأة متحررة إلى حد كبير وربما تكون الرواية أيضاً، ربما هناك نساء كاتبات وصفن في روايات ذاتية تجربتهن ومعاناتهن في الزواج من عرب، لكن هذا النوع من الكتابة يندرج تحت نوعية كتابات السيرة الذاتية بشكل أكبر. بالتأكيد هناك كاتبات كثيرات يكتبن أدباً رفيعاً وهاماً.

زرت سوريا وليبيا قبل سنوات عديدة. المشاهد التي أصفها في الرواية جاءت من دراسات جادة. زرت مصر والقاهرة والإسكندرية مرتين كمراسل لإحدى القنوات التلفزيونية في الفترة التي أشيعت فيها أخبار عن قبر الإسكندر الأكبر في بداية تسعينات القرن الماضي. كانت رحلة جميلة.. ومن الإسكندرية وصلت إلى سيوة وكتبت عنها قصة في إحدى مجموعاتي القصصية «خرائط»، وقمت برحلة نيلية إلى أسوان. زرت تونس التي ذكرتني بمسقط رأسي واليونان التي عشتها صغيراً.

العناية بالمهاجرين

الجديد: تعطي الرواية الكثير من التفاصيل لحياة مهاجرين من الشرق إلى بلاد اليونان.. هل تلك التفاصيل المذكورة محض خيال في إطار الرواية؟ أم أنها لا تخلو من حقائق ما؟

غريغورياديس: نشرت روايتي في 2005 وهي تصف أثينا التي بدأت في قبول المهاجرين واللاجئين من الأكراد والإيرانيين في بدايات عام 2000. اليوم في المدينة هناك الآلاف من المهاجرين من كل مكان، يأتون بشكل يومي من الجزر. لقد تغيرت حياتنا وعلاقتنا بالمهاجرين كثيراً. هؤلاء الذين تعرفت عليهم في ذلك الوقت كانوا شخصيات حقيقية. الآن أحاول أن أقدم بعض المساعدة قدر استطاعتي في المدارس التي تعتني بالمهاجرين وأبنائهم في أثنيا.

بطلة رمزية

الجديد: هل من مقصد ما رميت إليه من تعدد العلاقات الجنسية لبطلة الرواية؟ هل كانت «تنتقم من الرجال لمسؤوليتهم عن تهميش النساء، والفصام الذي كان يجعلها تقف بين عالمين» كما روت في مذكراتها؟ أم أن هناك أبعادًا أخرى؟

غريغورياديس: إيروتيكية بطلة الرواية هي رمزية إلى حد ما. مثل الحكايات في ألف ليلة وليلة. تطلب ألف رجل مميز. الأمر فيه قليل من الرمزية والسخرية. وكما تقول هي بشكل ما لا تسعى إلى الاستمرارية في العلاقات، ولكنه يصب في خانة تبديل أو تعدد الرجال في حياة المرأة وهذا ما يجعلها مختلفة. بالطبع بسبب جذورها العربية تكسر نموذج العلاقات الوحدوية التي تفرضها العائلة والزوج على المرأة وبالمناسبة هذا الأمر كان شائعاً في بلادي قبل سنوات مثل أمور متعددة كالمهر الذي كان يتعين على أهل الزوجة دفعه.

كاتب محترف

الجديد: بدأت رحلتك مع الكتابة عام 1982 حينما قررت أن تهجر مسقط رأسك إلى أثينا. حدثنا عن دوافع اتجاهك نحو الكتابة والصعوبات التي واجهتك في بداية هذا الطريق؟

غريغورياديس: بدأت العمل كمعلم في المدرسة الابتدائية في مدينة ثراكي على الحدود مع تركيا. لكنني كنت أكتب باستمرار وأقرأ كثيرًا منذ صغري. كنت أكتب القصة وفي لحظة ما تحولت إحدى قصصي إلى سيناريو في التلفزيون الرسمي للدولة.

فكرت أن أجرّب حظّي في الكتابة والنشر فذهبت إلى إحدى دور النشر. وهكذا انتقلت إلى أثينا عام 1990 ونشرت أولى رواياتي. لا أستطيع أن أقول إن الأمر كان صعباً بالنسبة إليّ كي أجد ناشراً. منذ ذلك الحين تقريباً أنشر كتاباً كل عامين. انتقالي هذا إلى العاصمة كان مفيداً لي لأنه منحني صفة الكاتب وجعلني أتفرّغ للكتابة. أفتقد مسقط رأسي بالتأكيد لكنه صار موقع أحداث لأكثر من رواية لي. الحنين لشمال اليونان أو «العودة إلى الوطن» كما يسميه هوميروس يعد بمثابة محرك حساس وبشكل ما يزيد من مستوى الوعي لديّ.

أعشق الأسطورة، فهي المعرفة الأولية إلا أنها تحمل دوماً عناصر معاصرة. أظن أننا في حاجة إلى الأساطير في عصرنا

الصوت الأنثوي

الجديد: في معظم أعمالك يكون الصوت الرئيسي لامرأة أو مجموعة نساء، يتّضح ذلك جليّا في روايات مثل «سر إيلي» و»الميلاد الثاني» و»العزى». ما السبب؟ ما الذي كوَّن لديك هذا الاهتمام بالصوت الأنثوي؟ وما الذي يتطلبه منك ذلك؟

غريغورياديس: هذا حقيقي، لقد كتبت عن النساء كثيراً. المرأة كائن مركب، تُعبِر عن الكثير من المشاعر. الرجل يتعلم أن يتصرف بشكل نمطي. لكن التحدي بالنسبة إلى الكاتب الرجل هو أن يكتب بصوت الجنس الآخر فبهذا الشكل تُختبر قدراته.

إيلي، في رواية «سر إيلي، هي امرأة وحيدة تعشق رجلاً أصغر منها في العمر ومتزوجا مع بداية فترة الأزمة الاقتصادية. في»الميلاد الثاني» هي أمّ تموت ابنتها الطالبة في نص درامي مؤثر للغاية فيما يخص الطريقة التي تناولت بها فكرة الأمومة. أما رواية «العزّى» فهي امرأة رحالة في التاريخ والعشق، كما قرأتِ في النسخة العربية. في رواية «حدود الحياة» امرأة أخرى متحررة ومسيّسة تناضل في الريف اليوناني في عقد ثمانينات القرن العشرين.

في كل الأحوال أبني الشخصيات النسائية من خلال الملاحظة ومن خلال صديقاتي المقربات لكن أيضاً من خلال المشاعر المتداخلة التي يعيشها الرجال والنساء معاً.

عشق الأساطير

الجديد: ثمة شغف بالرحلة والمغامرات في أعمالك كلها تقريبا مع اهتمام كبير بالأساطير القديمة، كما في روايات مثل «البحار» و»قضيب قديم» و»العُزّى»، ما السبب؟

غريغورياديس: أودّ أن أضيف أيضاً روايات أخرى مثل «مياه شبه الجزيرة» العمل الروائي التاريخي الوحيد الذي كتبته والذي يبدأ في «إيمريت» (التكية) في كافالا وينتهي في إسطنبول 1906.

أيضاً «خارج الجسد» التي تدور أحداثها في جبل بناغيو «قريتي» ويعتبر هذا الجبل مقدسًا لأن على قمته في العالم القديم كان معبد ديونيسوس. المونولوج الشعري «آخر ملائكة عائلة فيليبوس» قُدِم قبل عام في مهرجان المسرح القديم في مسرح «فيليبون» (عائلة فيليبب المقدوني) خارج كافالا. كانت لحظة هامة بالنسبة إليّ أن يقدم نص لي في مكان عتيق كهذا وخاصة أنني أشير إليه كثيراً في كتاباتي.

أعشق الأسطورة، فهي المعرفة الأولية إلا أنها تحمل دوماً عناصر معاصرة. أظن أننا في حاجة إلى الأساطير في عصرنا، وكلما استطعت أدمجها بشكل ما في عصرنا قدر الإمكان. هكذا تتحول بشكل ما القصص العتيقة إلى قصص يومية. يمكن أن تكون التكنولوجيا قد غيرت حياتنا لكن الحاجة إلى القص والحكاية والأسطورة لن تغيب أبداً.

ثلاثية التحولات

الجديد: تكتب حاليا رواية «مدينة جديدة» كجزء أخير من ثلاثية روائية بدأت برواية «الخرقة» ثم «حياة على الحدود»، ما الذي أردت تقديمه من خلال هذه الثلاثية؟

غريغورياديس: رواية «الخرقة» هي عن صحبة من الطلاب في مدينة سالونيكي في عقد سبعينات القرن العشرين بعد سقوط الدكتاتورية التي استمرت لسبع سنوات. هي فترة الحلم والتحول الديمقراطي والتحرر والأمل في حياة جديدة بلا قمع اجتماعي أو تابوهات في العلاقات. الشخصيات الرئيسية هي زوي ومانوليس ومايك.

في رواية «حدود الحياة» الطالبة ذات الميول اليسارية تتخرج وتعين كمعلمة في أقاليم نائية في عقد الثمانينات من القرن الماضي وتناضل من أجل حريتها كامرأة وتدعم حقوق الإنسان بشكل أساسي.

في روايتي الجديدة «مدينة جديدة»، والتي ستنشر قريبًا، تدور أحداثها حول الطالب مانوليس الذي درس الفلسفة ويأتي إلى أثينا في تسعينات القرن العشرين باحثاً عن حياة جديدة. في مدينة أثنيا في ذلك العقد الذي انتشر فيه نمط الحياة الاستهلاكية فيما يخص المظاهر وطريقة الحياة وبورصة الأموال (وهو الأمر الذي دفعنا للوضع الذي نحن فيه الآن). هكذا تكتمل الثلاثية في ثلاثة عقود بشخصيات مختلفة ومراحل اجتماعية مختلفة.

قارئ الأدب

الجديد: أيّ نوع متخيل من القراء تتوجه له ذهنيًا أثناء الكتابة؟ وإلى أيّ مدى يؤثر ذلك على ما تكتبه؟

غريغورياديس: أكتب من أجل قارئ الأدب. هذا القارئ الذي يمكنه أن يفهم نواياي ومقاصدي. لذا أغير دوماً من أسلوبي وموضوعاتي. بعد رواية «البحار» والتي صارت الأكثر مبيعا وكذلك «راقص في البستان» كانت روايتي التاريخية «مياه شبه الجزيرة» تلتها رواية متعددة الأصوات «الخرقة» التي فاجأت الكثيرين. في كل مرة هناك تحدّ جديد. هذا بالطبع يضع بعض القراء في حيرة لكن الهدف هو أن يكون مع التغيير.

أنا البحار

الجديد: يبدو الأفق الذاتي لك ككاتب حاضرا في عدد من الأعمال بشكل ما، لكن هل هناك شخصية روائية كتبتها تتطابق تمامًا معك؟

غريغورياديس: بالتأكيد كل كتاب له طابع يخفي جانباً من نفسيتي الأدبية. لكن أكثر الأعمال أقرب إلى السيرة الذاتية بمعنى أن له علاقة بمراهقتي ونشأتي فكانت رواية «البحار». أما رواية «الخرقة» فكان فيها عناصر من حياتي الدراسية الجامعية في ثيسالونيكي. لكنني أشعر أنني في كل مكان لأنني أكتب ما أعيشه بشكل ما، لو أننا وضعنا ما أكتبه في تسلسل زمني ستشكل نوعاً من الموزاييك أو بورتريها اجتماعيا لعصري ولبلدي من ستينات القرن العشرين وحتى يومنا هذا.

رواية جندرية

الجديد: تبدو مهتما بالعوالم الغرائبية المفارقة التي تعبر عنها أحيانا بالسخرية كما في «قضيب عتيق» وأحيانا أخرى بنزعة «كافكاوية» مثلما في «راقص البستان». حدثنا عن هذه العوالم في أعمالك وما تحققه من خلالها.

غريغورياديس: شخصيات رواياتي يعيشون تجارب مختلفة وغير منطقية. لديهم هواجسهم ومشاعرهم وخصوصياتهم ويسعون نحو هويات جديدة. دائماً ما أهتم أن تكون لي نظرة مختلفة للأشياء وللشخصيات. في مجموعتي القصصية «خرائط» التي تحتوي على 70 قصة فهناك العديد من الشخصيات. لكن الشخصية الرئيسية في «الخرقة» وتحولاتها هي أكثر الشخصيات المتميزة التي كتبتها. هذه الرواية ترجمت إلى الفرنسية وتُدرّس في جامعة سالونيكي وتحولت إلى عمل مسرحي تم تقديمه في مهرجان أثينا المسرحي الدولي. هذه الشخصية الروائية صارت من المرجعيات الأساسية في «الدراسات الجندرية».

شخصيات حرة

الجديد: لا تخلو أعمالك من الأبعاد الكاشفة سواء عن مشاكل راهنة للإنسانية أو في اليونان بصفة خاصة أو عن أبعاد تاريخية مضمرة أو نقد سياسي أو غيره. هل تعتقد بالدور الكاشف والإصلاحي للرواية؟ هل العمل الأدبي ينبغي أن يضطلع بدور ما برأيك؟

غريغورياديس: في كل قصة لي هناك هدف أساسي: حرية الاختيار بالنسبة إلى الإنسان. لا أسيّس الأمور لكن لو احتاج الأمر فإن أبطالي سيقومون بالتصويت. على سبيل المثال شخصية زوي في رواية «حدود الحياة» هي فتاة يسارية تقوم بالتصويت في ثمانينات القرن الماضي لحزب الائتلاف اليساري أي أنه الحزب الذي صار اليوم «سيريزا»، الحزب الحاكم. عقد ثمانينات القرن العشرين كان الفترة التي انضمت فيها البلاد إلى الاتحاد الأوربي. الرواية بأكملها هي محض تعليق عمّا يحدث اليوم. يمكن للمرء أن ينتقد اليوم لو أنه رأى كيف تشكلت العشرون عاماً السالفة. انطلاقاً من وجهة النظر هذه يمكنني القول إنني كاتب لديّ وعي اجتماعي لكن بدون أيّ توجه سياسي. ليس من الجيد أن يكون للكاتب توجهات حزبية.

كاتب متغير

الجديد: منذ روايتك الأولى «المختبئون» وحتى الأخيرة «مدينة جديدة» كيف تنظر إلى مسارك الروائي؟ وكيف تنظر بصورة خاصة إلى أعمالك الأولى؟ هل تراودك أحيانا رغبة في التعديل أم أنك راضٍ تمامًا عنها؟

غريغورياديس: لا أندم على أيّ عمل روائي لي. منذ 1990 أعتقد أنني قد غيرت من أسلوب كتابتي. الأعمال الأولى التي كانت ذات طابع قصصي بشكل أكبر كانت أكثر براءة. فيما بعد وبعد قراءات أكثر غزارة وتعمقاً في الأدب العالمي والنظرية الأدبية يمكنني أن أقول إن كتاباتي قد صارت أكثر كثافة ومتعددة الأصوات.

لكن رواية «العزّى» هي عمل متعدد المستويات احتاج إلى بحث عميق من أجل بناء الخلفية التاريخية للماضي. لكن على الرغم من أنني أعتبر كاتبا جريئا بشكل عام، أشعر أنني أفرض رقابة ذاتية على نفسي باستمرار، وأرغب أن أكون أكثر جرأة.

أكتب من أجل قارئ الأدب. هذا القارئ الذي يمكنه أن يفهم نواياي ومقاصدي. لذا أغير دوماً من أسلوبي وموضوعاتي

جائزتا نوبل

الجديد: برأيك ما أبرز سمات الأدب اليوناني الحديث؟ وما هي أوجه اختلافه عن الأعمال الكلاسيكية القديمة؟

غريغورياديس: هناك أدب يوناني جيد لكن لا يمكن أن يتبارى مع الأدب الكلاسيكي. فعصرنا هذا متعدد المستويات ولا سيما في السنوات الأخيرة، نمر بظروف صعبة لا توحي إلا بالبؤس. من يستطيع أن يتبارى مع أوديب وأنتيجون أليون؟ لكن، وجود هذه الأعمال في الأدب اليوناني يعد نعمة في حد ذاته.

أود أيضاً أن أضيف أن الأدب اليوناني المعاصر جيد وخصب للغاية ونرى أن هذا يتوازى مع لغتنا. دعونا لا ننسى أن اليونان حصلت على جائزتي نوبل في الشعر، يورغيوس سيفيريس وأوديسيوس إيليتيس.

الدارسون قبل النقاد

الجديد: كيف تعامل النقاد مع أعمالك؟ ما أكثر الأعمال التي نالت الاستحسان؟ وهل هناك عمل أثار استياء النقاد؟

غريغورياديس: رواية «البحار» 1991 كانت الرواية التي نالت الاستحسان الأكبر لدى النقاد والجمهور. «مياه شبه الجزيرة» و»الخرقة» أيضاً نالتا استحساناً واسعاً. أما رواية «خارج الجسد» فلا. «الميلاد الثاني» نالت قبولاً واسعاً كنوفيلا. نفس الشيء «سر إيلي». أما رواية «حدود الحياة» فانقسم النقاد حولها. هناك دائماً تحفظات وهذا له علاقة بالناقد، وأين ينشر وبخبراته أيضاً.

أنا أهتم بشكل أكبر برأي الأساتذة من اليونانيين والأجانب من الباحثين والأساتذة في الأدب اليوناني في اليونان وخارجها (أميركا وأستراليا وإنكلترا وإسبانيا والدانمارك). هناك بالفعل في تلك المحافل العلمية بعض من أعمالي تقرأ وتُدرس في أقسام الأدب اليوناني.

فضاء المتوسط

الجديد: يُشكّل المتوسط «سرة العالم» كما عبر مراراً الشاعر نوري الجراح، ويعتبر من وجهة نظره الضفاف الشرقية للمتوسط، وهي التي يشترك بها اليونان مع سوريا الطبيعية وصولا إلى الإسكندرية، ما الذي يمكن أن يشترك فيه اليوم كتاب ومبدعو اليونان مع جيرانهم عرب المتوسط؟

غريغورياديس: هي ثقافة عريقة، ما أصفه في رواية «العزّى» هو شرق المتوسط، بحر يوحد وينقل البشر والأفكار، يدفئ القلوب. كلما يمر الزمن أدرك كيف كانت بلادنا متقاربة. في الصيف عندما أذهب إلى مسقط رأسي في إقليم كفالا، أرى الصيادين المصريين في الميناء وهم الذين يأتون إلى هناك منذ عقود ويعملون كأنهم في بلدهم. عندما أرشف القهوة في «إيمريت» (تكية)، التي بناها محمد علي هناك أشعر بعبق التاريخ وأبديته بشكل ما.

إن مصر واليونان هما الجسر النموذجي كي يعبر المرء من الشرق إلى الغرب والعكس، وربما يجب التأكيد على هذا في المستقبل ويُستغل من قبل البلدين كوسيط للصداقة والسلام.

ربيع عربي

الجديد: مرت البلدان العربية بتغيرات جذرية في السنوات الأخيرة إبان ثورات الربيع العربي.. كيف نظرت إلى تلك الثورات ومآلات الأوضاع بعد ذلك؟

غريغورياديس: التغيرات والتحولات في المنطقة كبيرة ومستمرة، أتابعها بطبيعة الحال من خلال وسائل الإعلام الغربية لكن أشعر أنه من الصعب أن أكوّن رأياً كاملاً. مثلما في رواية جوزيف كونراد «Under the western eyes» هناك دائماً نظرة مختلفة للغربي عمّا يحدث للذين يعايشون الأزمة. بالرغم من هذا أتمنى كل الخير ونهايات إيجابية لكل دول الربيع العربي. فالجميع يستحق ويجب أن يعيش في سلام وحرية وديمقراطية.

إقرأ أيضا:

مدن حجرية