الموتى لا يحلمون

مونودراما في فصل واحد

الجديد  حسين علوان [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(50)]

لوحة: موفق الكزال
الشخصيّات:

الطبيب: مراد وهو طبيب عام في مستشفى المدينة التي دمرتها الحرب. ثلاثيني يبدو أكبر من عمره بكثير بفعل معاناته، مهلهل الهيئة والثياب ويبدو أنه أمضى في المكان (مكان المشهد الأول) زمنا تآلف فيه مع الخوف والترقب والحذر.

المشهد الأول

المكان: (سرداب تحت الأرض في أطراف مدينة صغيرة خارج بغداد تقع تحت النيران المتبادلة بين الجيش والمتطرفين.

الظلام يعم المكان وهناك أشياء مهملة مرمية على الأرض، ملابس معلقة بمسامير، حقيبة سفر تحمل على الظهر، بقايا قناني مياه فارغة وعلب طعام وما إلى ذلك، وهناك سرير متهالك في أحد الجوانب أو الوسط، هناك كوة في السقف أو إلى الخلف تبدو مغلقة بإحكام.

الإضاءة تنفتح على المكان المعتم بشكل مفاجئ مع صوت انفجار قوي خارج المكان، يتطاير التراب والطبيب يرتمي على الأرض مع صوت رشقات رصاص).

الطبيب: (يصرخ هازئا) خرائبُ خرائب.. لن تجدوا هنا شيئا أيها القاصفون غير الخرائب لكي تقلبونها على سافلها.

(قذيفة أخرى نسمع قدومها السريع وانفجارها، يرتمي الطبيب في مكان آخر مع انهيال التراب)

اضربوا هذه الأرض بكل ما لديكم من قوة، لم يعد يسكن هذه الخرائب أحد لكي يتشظى بعصف قنابلكم، وفيما يخصني فأنا في المكان المناسب ، لن تطالني كما يبدو حتى الساعة قنابلكم، أنا في سرداب تحت الأرض الحرام.. إنها مجرد بقايا بناية مهجورة أخرى تحطمت وسط الخرائب، فماذا عساكم تقصفون يا وحوش الأرض وأشباه البشر.

(يضحك عاليا هازئا)

فليرتفع زعيق قذائفكم، وليعلو رعيد رصاصكم حتى أستطيع الصراخ دون أن يسمعني أحد، لن تسمعني غير هذه الحيطان البائسة، ثم إن المدينة لم تعد آهلة بسكانها الذين هربوا إلى القرى المتناثرة في الأنحاء، ولم يبق هنا غير الخراب، بضع بيوت تسكنها الأشباح، وربما هاربون مثلي يختبئون في السراديب والأقبية، هاربون من الموت والاعتقال والصلب والتعذيب.. ثم الذبح، ضحايا تبحث عنهم تلك الوحوش المتعطشة للدماء، أولئك الذين يبحثون عني أنا كذلك، يبحثون عني وسط الحطام مثل كلاب صيد باطشة. يبحثون عن طبيب المدينة البارع ليداوي جراحهم الصدئة العفنة، (مشيرا إلى نفسه) الدكتور مراد طبيب المستشفى العام الذي أصبح الآن مجرد حطام بين الخرائب.

(صمت يتخلله رمي وإطلاق نار بعيد)

لقد فعل المهرّب حسنا حين اختار لي هذا السرداب للاختباء، مهرب بارع، وهو على أيّ حال سيقبض ثمن أتعابه بأن يهرّبني خارج مدينة الأشباح هذه. ولكن الهروب إلى أين؟ إلى أين ستهرب في لجّة مصيرك يا دكتور مراد؟

لم تعرف هذه البلاد منذ أن كنّا وصحونا على أقدارنا معنى ثابتا للمكان غير الخرائب، كأنها استبدلت اسمها من أرض السواد إلى أرض الحرب والخرائب، حروب تمرّ بلا عدد، أجيال تجيء وأخرى تذهب والحروب باقية، وكلما يمر الوقت بهذه الحروب وهي تتضخم وتكبر، وتزداد وحشية ونزف دماء.

بلاد ترعرعت في أحضان الحروب المستعرة، أجيال سكنت الخنادق والسراديب.. والحبل على الجرار، سيأتي يوم من الزمان على هذه البلاد أن مشعلي الحروب فيها لن يجدوا أحدا حيّا لكي يقتلوه، أجيال من الموتى لأجيال من الحروب.

(صوت رصاص بعيد يتردد بين الحين والحين)

(مخاطبا ابنه المتوفى الذي يتوهم حضوره معه)

يا للأسى يا حسام.. يا بني الحبيب، يا للأسى في أننا ولدنا في أرض الحروب، فما عرفنا طعما آخر للحياة بعيدا عن هذا القدر الرهيب. لكنّك تتّفق معي في أنها بلاد جميلة رغم كل شيء، أليس كذلك، طالما حفل دفتر رسمك بالبساتين الزاهرة والنهر الأزرق والسماء الساطعة، والقنطرة الصغيرة أمام منزلنا، حيث تمر مياه الساقية، كنت ستحبّها وتزداد التصاقا بها لو لم يأخذك القدر بعيدا عن صباك، لم يمهلك العمر غير أربع سنوات مضت كالهنيهة، مرت كأغنية لم تكتمل بعد، كأن القدر أراد أن يبقيك على صورة الطفل ذي الأربع سنوات وخاف عليك من أن تكبر فيشوّه الكبر جمال روحك، أخذها باكرا جدا، باكرا جدا يا بني.

هل تعلم يا حسام البعيد.. بالأمس وجدتك وعلى عادتك زائرا في أحلامي، أنيساً لوحدتي وأنا على هذا السرير البائس. لكنك ويا للعجب كنت مسرعا هذه المرّة، كنت تتعجل مغادرة حلمي ولم أكد أستحضر لتّوي محياك الحبيب في سباتي العميق، لماذا يا بني قررت المغادرة في حلم الأمس؟ ألا يكفي أنك غادرتنا أنا وأمك في عالم الحاضر المريع هذا، أمك التي أضحت شبه مجنونة لغيابك، حسنائي التي أسميناها (باهرة) أضحت جسدا خاملا جامدا بلا حراك ولا نأمة حياة غير عيون دامعة، وغادرتَ كذلك جدّك أبو باهرة الذي كنت بالنسبة إليه مثل ضوء عينيه ونبض قلبه.

(بألم بالغ وهدوء مستسلم)

لماذا تغادرنا يا حسام حتى في أحلامنا؟ أعرف بأنها أحلام في المنام فحسب وليست واقعا أعيشه وعيناي مفتوحتان على وسعهما، ولكن هل تبخل علينا حتى بالأحلام؟ لماذا يا حسام الضنين؟ لقد بعثت فيّ أحزانا لا توصف ليلة الأمس، لم تقلّ بفداحتها عن أحزاني حين أخذت أبحث كالمجنون عمّا كان جسدا لك وتطاير أشلاء على القنطرة، القنطرة التي كنت ترسمها دون أن تدري بأنها ستحمل بدل العابرين روحك في مثواها إلى السماء.

ولكن مهلا مهلا.. فلا أريد أن أنسى، لم أقل لك إنني عجبت أشد العجب أنك أتيتني شابا هذه المرة فحسب! لقد صعقتني كذلك وأنا أراك شابا، رأيتك في أحلامي شابا لأول مرة.. إلهي كم كنت وسيما.. أسمر جميلا.. تشابه تماما الشاب الذي طالما رسمته في خيالي لك.

وفي غمرة استغراقي الشديد في ذلك الحلم الزائل لم أنتبه إليك وأنت تتعجل المغادرة مرتديا ملابس الجندية! ليسامحك الله يا حسام، تزورني مرتديا ملابس الجندية وأنا أمقتها مقتا شديدا ولا أحتمل رؤيتها؟ فأنا على قدر ما أحب الجنود، أتشاءم من رؤية تلك الأردية المرقطة.

أنا طبيب عالجت في مستشفى هذه المدينة مئات الجنود بملابسهم الكاكية المبقعة بالدماء، أنا واثق أن تجار الحروب اختاروا لملابس الجند لونها الكاكي، لأن الدماء لا تبدو على صفحة ذلك اللون حمراء قانية، تبدو الدماء على ملابس الجنود وكأنها بقع ماء أو لطخات من أيّ سائل آخر غير الدماء، ليست ذلك الدفق الأحمر القاني الحي الذي يهبنا معنى أن نكون آباء أو أبناء أحياء يرزقون، فعلوا ذلك لكي لا يفزع الجنود من مرأى الدماء المتدفقة على أجساد الجرحى، فيهابون القتال.

إلهي كم كرهت أن أرى الشبان بملابس الجندية، إنها تعني أنهم يذهبون إلى الحرب، يذهبون إلى حيث لا يعودون، لم أكن لأسمح لك لو تكبر أن ترتديها ما حييت، ولكنك لم تعد قائما جنبي لتكبر، ولم تعد ملتصقا بجسد أمك باهرة لكي أنهرك مازحا وأقول متى تترك حضن أمك وتكبر،

(يستدرك سريعا)

ولكن تمهّل مرة أخرى واستمع إليّ، أنا منذ يوم غادرتنا لم أعد أكره ملابس الجنود. لماذا؟ من حقك أن تسأل.. والجواب لأن من قضى معك في ذلك الانفجار على القنطرة كانوا جنودا، كانوا جنودا في عربتهم التي طارت إلى الأعالي بسبب دفق الانفجار، كنتم مختلطين معا، أنت والجنود قطعا ممزقة على القنطرة. نعم نعم، احتفظ أنت بملابس الجنود تلك فلم أعد أمقتها، لأن فيها رائحة منك وبعضٌ من مصيرك.

(صمت تقطعه أصوات رشقات رصاص متقطعة وانفجارات بعيدة)

(بهدوء وهو يستمع لأصوات الرصاص البعيدة)

كم بهرتني يا حسام إذ وجدتك متعجلا، حازما، تريد المغادرة مودّعا، رجلا يتخذ قرارا بكل ثقة وشجاعة، دون أن يترك نفسه نهبا للعواطف والمشاعر، كان سينتابنا الجنون فرحا وانذهال أنا وباهرة أمك لو رأيناك شابا كما رأيتك في حلم الأمس، وهو أمر لم يعد في مستطاعنا أن نشهده وقد غادرتنا في ربيع مبكر.. كم نحن محظوظون بني البشر لأننا نستطيع أن نحلم، فنرى في أحلامنا ما لا يمكن أن نراه في صحونا، نتبصر فيها ما لا يمكن أن يخطر على بال، بل وحتى ما يمكن ألاّ نتذكره ويغوص في مهاوي النسيان، لشدّ ما يغمرني الآن فرح لا يوصف رغم آلامي لأنني سأبقى أراك في أحلامي طالما بقيت حيّا، ويا ليتك تبقى في جنّة الأحلام تلك ولا تغادرها هي كذلك، يا ليتك تبقى حلمي الأبدي الوحيد يا بني البعيد.

(متوسلا.. متأملا أن ابنه الغائب (المتوفى) سوف يقتنع برؤياه)

ابق هناك يا حسام، هناك في معجزة الأحلام تلك، لأنني أريد أن أنساك في صحوي، أجل، لا تتعجب، أريد أن أنساك في صحوي، لا في أحلامي، هذا هو قراري، أريد أن أنساك لكي لا أفقد وعيي الذي أراه ينهار أمامي ويتفتّت، سوف أهرب إلى المجهول، بعيدا عنك، لأنّي حالما أصحو منك في أحلامي كل يوم فأستيقظ فزعا، حتى أراك أمامي هنا شبحا وخيالا ووهما، ترسم في دفاترك المدرسية أمامي، أو تركض على القنطرة أو تنزل إلى الساقية، لقد أصبحتُ نهبا للأوهام يا حسام!، ولم يعد عقلي يطاوعني مثل ما كان..

ربما ستعاتبني في حلم من تلك الأحلام وتقول لماذا تريد أن تنساني أبتاه؟! لكن ذكراك الدامية تلك تحطمني يا بني، ذكراك عظيمة الوطء على أقسى الرجال وأشد القلوب صلابة، إنها تفتتني وتتركني هشيما بنيّ الحبيب، ذكراك تقودني إلى الهلاك وتسلبني وعيي وعقلي وكياني، قد يأخذني الموت أنا كذلك على حين غرّة بسبب أحزاني، فتموت معي ذكراك، فمن يحمل ذكراك على كاهله حين نموت؟ نموت نحن.. فتموت ذكراك.

أنا لا أخاف الموت بحد ذاته، وإنما أخافه لأنه سيُميت معي ذكراك.. هل عرفت الآن لمَ يتحتّم عليّ أن أنساك؟ أنا الوحيد الذي يمتلك شيئا من ثراك وندى ذكراك، أمك باهرة مضت بعيدا، بعيدا عن عالم التذكر والوجود الراهن، إنها في منزل جدك تجلس ولا تبرح.. صمّاء بكماء بعيون دامعة، كأن في عينيها نبعا لا ينضب من الدموع، أمك ذهبت بروحها إلى مكان مجهول لا يعرفه أحد منّا، وأحيانا هي تعود من ذلك اللامكان، يطعمونها ويسقونها ما يبقيها على قيد الحياة فحسب.

لقد أعيا داؤها أمهر من أعرفهم من الأطباء، وصارحوني بأنها غائبة عن الوعي حاضرة في جسد شبه ميت، لقد ذهبت الصدمة بوعيها وعقلها، لعلّها الآن في مكان قريب منك، أقرب إليك مني، تؤنسك في وحدتك وفي وحشتك، الراحلون من الصغار هم الأعظم والأشد وحشة ووحدة، لأنهم لم يعرفوا غير الصحبة شكلا من أشكال الحياة، لم يعرفوا حياة من دوننا نحن الأهل والآباء، لم يعرفوا كيف يمكن للإنسان أن يعيش وحيدا.. أولئك الصغار لا خبرة لهم مع الوحدة.. ومع ذلك يرحلون وحيدين.. لكن هذه هي الحياة يا بني، ضريبة من الروح ندفعها ما بين الهنا والهناك.. الأرض هنا، والسماء هناك.

[صمت متقطع مع أزيز الرصاص الخافت]

(يائسا ومحطما، وتائقا للقاء)

لماذا تركتماني وحيدا يا حسام، ها هي الوحدة تجتاحني أنا هذه المرة، إذا كانت تؤنس وحدتك أنت وأمك ملائكة ترحم بكما، فمن يبالي بي في وحشتي هذه، ها أنذا أتفتّت في سرداب مهجور، لا أملك غير حقيبة سفر، ووعد من مهرّب يتوجب عليه أن يصحبني إلى بغداد، إلى بغداد بعيدا عن قبرك، هناك حيث أستطيع أن أكون أكثر شجاعة لكي أنساك، ومن هناك سآخذ الطريق إلى المجهول، الوحدة والمجهول هما مصيري القادم يا بني، وربما مصيري الأبدي.

نحن نمر بتجارب الحياة، نخوضها بتفاصيلها المريرة، ثم نحتمل أهوالها كلّ على ما يملك من طاقة للنسيان والمراوغة، ويقول أغلبنا إن الزمن كفيل بأن يعلّمنا النسيان. لكن الزمان لا يحفل بنا أبدا، إنها مزحة نخدع بها أنفسنا. ليس لمرور الزمان أن يعلمنا النسيان، لاشيء يمكن أن يغتال الذاكرة.

(صوت خافت للهاتف الجوال، يلتقطه من جيبه، يتحدث)

ألو.. عمي؟ أشلونك يا عمي أبو باهرة؟ كيف أصبحت باهرة؟ لم تزل على حالها؟ صامتة دامعة؟ أنا؟ أنا لازلت في السرداب يا عمي أنتظر اتصال المهرب، إنه يغيب لأيام ثم يأتي بطعام وماء وأخبار شحيحة، قريبا عمي، قريبا سيهربني في الخفاء إلى بغداد، المكان يعج بهؤلاء المسلحين، سيعلقوننا على أعمدة الكهرباء لو أمسكوا بنا، لأني يا عمي سأرفض العمل كطبيب معهم.. أنت تعرف أنهم يبحثون عنّي من أجل ذلك.. لا يا عمي لا.. لا أستطيع مهاتفة المهرب بالموبايل، لأنه لا يستخدم الهاتف للاتصال أبدا، إنه حذر جدا.. حاول أن تطمئن يا عمي واعتني جيدا بحسنائي باهرة.. سأتصل بك أينما سأكون، ولن أقطع حبل الوصال لكي أطمئن عليكم. سأتصل بك حالما أصل بغداد.

(صوت أقدام راكضة بعيدة وحركة في الأعلى أو الخلف)

سأغلق الخط يا عمي يبدو أن هناك أناسا قريبين خارج السرداب.. وداعا.

(يغلق الهاتف، يلوذ صامتا في الزوايا وينتظر، تعود أصوات الأقدام وتبدو أكثر حذرا هذه المرة وأبطأ، ثم تبدأ بالتسارع حتى تختفي)

هل ذهبوا.. أم هم احتموا من النيران في مكان قريب، لا أعرف.. سحقا لهذه الوحوش الدّموية.. إنهم يمرّون هنا ما بين الحين والحين وهم يبحثون عنّي، أحدهم ذات مرة وقف على الكوة وقال إنه يشك بأنني مختبئ في مكان ما هنا، أنا طبيب طالما اعتبرتني المدينة ماهرا حاذقا في عمله، وهؤلاء الأوغاد يريدوني أن أعمل معهم، أن أطبب جراح الذين يصابون بفعل ضربات الجيش الذي يقصف جحورهم بلا هوادة، يريدونني أن أنقذ حياة من قتلوك يا حسام رغما عني، إنّ عليّ أن أوقف نزيف دماء من جعل دمك الطري ينزف حتى آخر قطرة.

(يدور في المكان سريعا حائرا ويائسا)

هذه الأقدام المتعجلة أضحت تأتي هنا كثيرا، ويبدو أن مكاني لم يعد آمنا مثلما كان، ثم إن الجيش أخذ مؤخرا يقصف هذه المدينة بمدافعه الثقيلة مرارا، ويبدو أنه يقترب شيئا فشيئا إلى هنا ليحرّر الخرائب هذه من قبضة الأوباش، لكن قذيفة ما يمكن أن تطيح بالسرداب أو تحطم الكوة فأكون مكشوفا إلى أولئك الأوغاد من سقط المتاع ولمائم الأرض ومجرمي القفار.

أفلا يجيء ذلك المهرب الآن ليحمل النذير بالخلاص أخيرا، ألا يبدو أن لهذا السرداب من نهاية.

(يتكّور حول نفسه وقد أخذ الضعف والألم منه كل مأخذ)

تعال أيها المهرب المجهول، كوّم هذه الشحنة البائسة من العظام في كيس لكي تهرّبها إلى مكان مجهول آخر، كتلة عظام نخرها الحزن ولم تعد تصلح لشيء غير النحيب على ابن مضيع. ألا تجيء بحق الملائكة أيها المهرب الشجاع؟ إذا كان عليّ أن أفقد البقية الباقية من عقلي فدعها تكون بين أناس وعقول لم يصبها العطب بعد، لا بين هذه الحيطان التي ترى كلّ شيء صامتا وخامدا وبلا حياة، مثل عقلي الذي لم يعد يسبق العقول متباريا في غرف العمليات الجراحية.

[صوت أقدام حذرة، ثم نرى الكوّة تنفتح ببطء فينزل عمود خافت من الضوء، ليسقط إلى السرداب كيس يرميه المهرب، ثم يغلق الكوة سريعا، الذهول ينتاب الطبيب، يسرع ويتلقف الكيس، يفتحه، هنالك صرة طعام، ورسالة، يحاول فتح الرسالة، يتوقف)

هذا الكيس من المهرب.. هذه رسالة؟ هل تحمل هذه الرسالة النذير بالرحيل؟

(يفتح الرسالة، يغلقها وقد قرأها على عجل وقد اهتز كيانه وأخذه الارتباك)

نعم، لقد حان وقت الرحيل، هو يقول إن عليّ أن أغادر بعد ما يقارب الساعة من الآن!

ساعة من الوقت فحسب لأترك هذا المكان؟ وأترك أحاديثي معك يا حسام.. تلك التي احتوتنا هنا لأيام وليال طويلة؟ ستصبح بعد رحيلي هباء منثورا.

وماذا تعني ساعة من الزمن أمام عمر كامل عشته معك في هذا السرداب.

(يعود إلى الرسالة ويقرأ)

يقول بأنه سيخبّئني في صندوق سيارة ويمضي بي تحت جنح الظلام في طريق نائية إلى بغداد.

(يتعجل في جمع أغراضه كالمجنون ويستعد للمغادرة)

هل من أجل هذا ولدنا وجئنا للحياة يا حسام؟ أن تنتهي أنت شبه جثمان في قبر وحيد، أن أشيّع أنا إلى السماء ابنا لم يبلغ الرابعة، بينما بلغ من الجسد ألف قطعة وقطعة، هل ولدنا من أجل أن يسلب رحيلك عقل أمك، من أجل أن تبقى صامتة كالتمثال في بيت جدك، حيث لا أثر للحياة فيها غير عين دامعة تدين العالم، كأنك برحيلك سلبتني كذلك امرأتي الحسناء باهرة؟ تلك التي لا تعلم الآن بأني إنما أرحل إلى المجهول.

(صوت انفجار مفاجئ قوي في الخارج وتراب ينهال، يرتمي بالطبيب على الأرض)

(إظلام)

المشهد الثاني

المكان:

(غرفة في عمارة بمدينة تركية، سرير وأثاث بسيط جدا، هناك تلفاز ظهره إلى الجمهور وبه صوت خافت جدا لبرامج بلغة تركية، السرير على جانب، شباك على جانب آخر، الطبيب يجلس إلى الكرسي ولم يتغير من هيئته شيء ما غير ملابس أنظف ربما ووجه حليق، حقيبة السفر التي تحمل على الظهر لم تزل بجانبه، وعلى طاولة صغيرة جهاز الموبايل، يغلق التلفاز)

(يضحك هازئا)

لا بأس.. أستطيع الحديث والضحك هذه المرة دون زعيق القنابل القاصفة ودون الخوف من أن يسمعني أحد، الأمر سيبدو عاديا في هذه المدينة التركية ولسكان هذه العمارة الغرباء حين يصل أسماعهم هذري وضحكي أنصاف الليالي، لأنهم يعرفون أن من يسكن جنبهم هو مهاجر آخر ينتظر دوره لركوب تلك الزوارق المطاطية، يبدو لهم هذا الجنون طبيعيا، فهل يمتلك امرئ ما وعيه الكامل وقد قرر أن يهجر بلاده إلى الأبد؟ الأوطان وجدت لنقيم فيها آبدين لا أن نرحل عنها رغم كل شيء.

لوحة: نرمين المصري

(ينهض إلى الشباك مراقبا مثلما يبدو أنه اعتاد أن يفعل)

هذه المدينة التركية على البحر تعجّ بطالبي الهجرة مثلي، أشاهدهم بعيني كل يوم. الحيرة والألم على وجوههم، والخوف من المجهول. لكنّي غريب عنهم، وهم كلهم غرباء عن بعضهم ولا يجمعهم جامع غير ذلك البحر الممتد إلى الجزر اليونانية البعيدة المجهولة. يجمعهم حلم مجهول بحياة لا تعصى على الاحتمال. حياة فحسب لا نار فيها ولا رصاص ولا خناجر تلمع تحت رقاب آيلة للذبح.

(يعود إلى شخصياته التي يتحدث معها في خياله)

صدقيني يا باهرة لو قلت لك إن المدينة هذه برمتها لا تنجح في أن تجعلني أشعر بها، بأشجارها وشوارعها، بكل ما يدور فيها كالماكنة، لا أجد في نفسي القدرة على الإحساس بها.

كأنها وهم آخر مازلت أعيشه في ذلك السرداب الذي تركته في العراق، حيث جرّني المهرب من بين الأنقاض بعد انفجار شديد عصف بالخرابة التي كنت أسكنها.. حمل جسدي الهزيل، رماني في صندوق سيارة.. وذهب بي إلى بغداد.

المدينة الغريبة هذه تفعل معي نفس الشيء، فلا تشعر بوجودي ولا تحسب لي أيّ حساب، مواطن عابر وحيد غريب، بل إنسان لم يعد ساكنا في أيّ مكان من هذا العالم كله، إنسان فقد الرغبة في الحياة وملَّها وأخذ يمقت طعمها الذي كان عذبا يوما ما إلى حد بعيد.

أين هذه المدينة من بغداد؟ بغداد التي أعرفها وتعرفين.

هل تذكرين يا باهرة كم كنا نشعر بالأسف لأن حسام لم يعرف بغداد يوما ولم يرها في حياته الغضة القصيرة.

بعد أن نجحت في الهروب من المدينة والسرداب، وقبل أن أغادر بغداد مسافرا إلى هذا البلد الغريب.. لم أجدها على النحو الذي عرفناه معا، كانت بغداد تبدو متعبة، حزينة إلى حد بعيد.. أعرف أن الحزن هو من طبعها، لكنّ حزنها ذلك اليوم كان غريبا حقا، ربما كان مجرد صدى لحزني أنا، إذ أغادرها مهاجرا.

هناك في بغداد درسنا، ثم التقينا، ثم تزوجنا، كم أحببنا الأشجار على السعدون والحدائق في الوزيرية، كم عشقنا الجسر على الكاظمية، كنت تشعرين بالحزن كلما تأملتِ ماء النهر، سكون دجلة كان يبعث فيك الحزن حسبما كنت تفسرين، في يوم الرحيل ذاك لمحت على صفحة الأمواج شيئا من الحزن الذي كنت تتحدثين عنه.

في ذلك الغروب المغبرّ جلست إلى ضفاف دجلة أتأمله كمن سيراه لآخر مرة ولن يسمع ذاك الخرير الخافت ثانية أبدا، ساعتها بالتحديد عرفت معنى أننا زائلون، وأن لا شيء يدوم ممّا اعتدنا عليه وتعلقنا به، إحساس لا يبعثه في أنفسنا حديث نسمعه أو جملة نقرؤها في كتاب، كلا.. الإحساس الأصيل نفسه بكل ما يملكه من ثقل وأسى وأسف، آه يا باهرة، كم هو جميل هذا العالم.. وكم هو حزين أننا سنغادره يوما ما إلى غير رجعة.

الساقية أمام منزلنا كانت تذهب بمياهها في النهاية إلى دجلة، وكانت تحمل إليه مع أمواجه حزنك، ربما لهذا بدا دجلة حزينا حين شهدته لآخر مرة، لأنه يحمل بين أمواجه الرقراقة كل حزن نساء البلاد اللواتي يراقبن بصمت سواقيه وغدرانه، وهن يندبن أبناء لهنّ قضوا في الحروب ورحلوا إلى الأبد.

والقنطرة على الساقية.. كنت تقولين إنها لا تملك علوّ الجسر عند الكاظمية الشاهق، لكنها تملك معنى الجسر ذاته، حيث أنه يباعد ما بين ضفتي النهر بدعاماته، ليسمح بعبور الماء.

الأنهار تعبر الأصقاع والبراري، لكنها بحاجة إلى نقاط للعبور لكي تلتقي الضفاف، كأنما كل جسر أو قنطرة هما نقطة عناق لروحين لاجئتين، كل جسر أو قنطرة على نهر هو.. لقاء بين ضفاف عاشقة.

مضيت إلى دجلة كي أودّعه، كان مغبرّا، وبدا لي كشيخ طاعن في السن اعتاد أن يودّع أحفاده.. كانت سيارات الأمن وعربات الجيش في كل مكان، الوجوه الملثمة تحدق بي وهي تطلب هويتي في السيطرات، أحدق أنا بملابسهم المرقطة وأتذكر قطع الملابس الملتصقة بأوصال حسام المقطعة.

كنت أجوب بغداد وحيدا دونك، وحقيبتي هذه على ظهري، فأحسّ بأن الذكريات مخبأة في هذه الحقيبة. أحملها معي، في طريقي مهاجرا إلى تركيا. قد يهاجر الناس أوطانهم، لكن ذكرياتهم التي يحملونها معهم لن تهاجر، إنها تبقى تحدث هناك في أصقاع الوطن، رغم أنها تُستعاد إلى الذاكرة في بلدان غريبة.

الذكريات لا تهاجر.. والأوطان لا تهاجر.. نحن فقط من يصلح للهجرة.. نحن البشر.

أجل يا ملاكي باهرة، جميلة النساء، لا أستطيع اختيار الصمت طريقة للحياة، حتى لو قالوا إن هذا الرجل ما هو إلاّ هاذٍ مجنون، لا بد أن أنطق بالذكريات كي أرسم لها صورا خارج مخابئها، لأنها تائقة بشكل لا يرحم لنوع لائج من الوجود، الذكريات حبيسة مثل موسيقى في جسد كمان. لا بد أن نعزفها، ليس بقوس عازف كمان فحسب، بل بمبضع جرّاح مثلي، الأمر سيّان، الجراح وعازف الموسيقى فنانان في مسرح الحياة، الاثنان يصنعان الحياة.

هكذا يا ملاكي فإنّ عليّ أن أخيط أوصال الذاكرة المتقطعة، لأننا نحن البشر لن يتذكرنا أحد بعد بضع عقود من السنين رغم ما عشناه من صخب الحياة، فكيف بذكرياتنا التي هي أشبه بسحب تمر عابرة على صفحة سماء منسية؟

نحن حائرون بأحجية الوجود، وإن علينا أن نحار بغيوم الذاكرة.

(يشعر بضيق كبير وهو مجبر على التذكر دائرا في أنحاء الغرفة)

ولكن ما أقساها من ذكريات يا إلهي الرحيم.

كانوا يقولون في الأزقة إن باهرة جنّت حزنا على ابنها مقطّع الأوصال.. لكن ماذا عنّي أنا، ماذا كانوا يقولون عني أنا؟ هل كانوا يقولون الأمر ذاته؟ عيون الناس لم تجرؤ حتى على النظر بوجهي.. إلاّ حينما تلمع بشيء من المواساة، ولكن ماذا أتوقع أكثر من ذلك، أولئك الناس شهدوا بأنفسهم مآسي كالقصص التي عشناها وفقدوا أحبابا لهم مثلما فقدنا. إنه عالم من المواساة وحسب، عالم من مشاطرة الحزن وحكايا المآسي، عالم من الفقدان المزمن، حيث يتحتم بنا أن نفقد دائما شيئا ما.

كانوا يشيحون عني بوجوههم وكأني امرئ أصبح خارج الوجود، نفسٌ تسير على غير هدى في الأزقة وتعتمر بألم لا ينبغي أن تعرفه تلك الأزقة والحواري، يعتمرها ألم لا ينبغي أن تعرفه الحياة.

ولكن هل كان لذكراكما أن تبقى حيّة لو أسلمت أنا نفسي للضياع والرحيل إلى تلك المناطق المجهولة من الروح؟ حيث اللاعودة.

(يخرج من الحقيبة الجلدية بقايا دفتر رسم ابنه حسام)

هذا هو دفتر رسمك يا حسام، بقاياه بالأحرى، هذا شيء من بقاياك سأحمله معي أينما حلّ بي المصير.

(يقلّب الدفتر ويتذكر)

أنت لا تعلم ما حدث بالضبط يا حسام يوم انفجرت القنبلة على القنطرة، لأن نفسك لا محالة رحلت حال انفجارها، لا أحد غيري وباهرة يعلم، كنت أنا على طرف القنطرة أراك تبتعد ذاهبا عنّي إلى أمك التي كانت على الطرف الآخر أمام المنزل.

تمشي باسما وحقيبتك المدرسية على ظهرك، كنت قد جلبتك من المدرسة إلى البيت لكي أعود بعدها قدما إلى المستشفى حيث أعمل، أمك اتكأت على الحائط غنجا ودلالا وهي تنظر إليّ وكلها اشتياق، وفي ذات الوقت تمد يدها لك، فأنت حبيبها الأخر.. من خلفي مرت ببطء عربة جند تعبر القنطرة في نفس الوقت، كان الجنود فيها يتضاحكون فيما بينهم وأتذكر أن أحدهم نظر إليك باسما معجبا وقد حياك بأن رفع يده، رفعت أنت يدك محييا، التفت الجندي إليّ وفي عينيه إعجاب شديد بك، ثم فجأة حدث أمرا أصاب الجميع بالجنون.

[يدق جرس الموبايل قاطعا خيط الذكريات في خياله، ينظر إلى الرقم، يجيب على الهاتف]

هذا هو رقم هاتف المهرب التركي ، ألو..

(يتحدث وسط آلامه وجسامة الذكرى)

أين أنت يا رجل، أنا أنتظر منذ أيام مكالمة منك وقد طلبت منّي ألاّ أتصل بك حتى تفعل أنت. ماذا؟ طبعا أنا جاهز فأنا لم آت لهذه المدينة اللعينة للسياحة. أنت تعرف ذلك وأخبرتك بقصّتي فأنت تعرف العربية جيدا، كلا كلا، لست بحاجة لشيء، أخرج بين الحين والحين لتناول شيء من الطعام وشراء بعض الاحتياجات، هيا بشرني يا رجل، هل أزف الوقت، هل حان وقت الرحيل وعبور البحر، آه، الحمد لله، ماذا، ماذا تقول؟ لا يهمني أن يكون البحر.. قد يكون عاصفا اليوم، أريد الرحيل حتى لو كان الموج نفسه عبارة عن عواصف هائجة في السماء.. أرجوك يا سيد، لا تخذلني أرجوك، لم أعد أستطيع الاحتمال، جد لي مكانا على أقرب زورق مهاجر.. اسمع.. ماذا؟ ماذا تقول؟ نعم.. انتظر، لا تغلق المكالمة.

(صوت انقطاع الهاتف)

اللعنة، قال بأن عليه أن ينهي المكالمة، وأنه سيحدثني بعد قليل، ربما يعاود الاتصال الآن . يجب أن يفعل ذلك، هذه مهنته وقد دفعت له المال الذي طلب مقابل تهريبي.. إنه يتنقل بين المهاجرين وينسّق لهم أوقات عبور البحر وتفاصيل عمليات الهجرة عبر مياه بحر إيجة.. وما أعجب أن الحياة أصبحت تمضي من مُهرّب إلى مُهرّب، مهرّب عراقي، ثم مهرّب تركي، ولا أعلم كم من مهرّب آخر سوف أقابل في هذه الرحلة.

(يتذكر)

آه تذكرت.. تحدث ذلك المهرب عن سترة النجاة وإن عليّ التأكد من سلامتها.

(يخرج من مكان ما سترة النجاة البرتقالية التي يرتديها المهاجرون عادة، ويجربها على قياسه)

هاهي السترة جاهزة، إنها في أحسن حال مثلما أظنّ فأنا لم أستخدم شيئا كهذا من قبل.

لقد أصبحت من علامات المهاجرين المميزة، هوياتهم الوحيدة في عالم البحر، صديرية منتفخة تجعل الجسد طافيا لو انقلب الزورق أو غرق.

هذه يا باهرة هويتي الجديدة، وهذا يا حسام جواز سفري الوحيد الجديد، هذه القطعة البائسة من البلاستيك ستبعدني عنكما إلى حينٍ قد يدوم إلى الأبد، وفي ذلك لن أتوسل إليكم لتعذروني، لأنه اختياري، والقرار قراري، واليوم، اليوم بالتحديد قد أستخدم جواز سفري هذا للعبور إلى الجزر الإغريقية. بعيدا عن تلك الذكرى العصيبة.. تلك التي لم أكمل لتوي سردها لك يا حسام .. دعني أكمل لك وصف ما حدث نهار ذلك اليوم على القنطرة.. دعني أغرق في لجّة الذكريات لأني قد لا أستطيع أن أفعل لاحقا وقد تبتلعني مياه البحر كغيري من غرقى المهاجرين.

في تلك اللحظة على القنطرة وفي غمرة ضحك الجنود وعربتهم تمرّ جنبك صاح أحدهم بأعلى صوته أن هناك عبوة ناسفة مزروعة على رصيف القنطرة، لقد شكّ الجندي بأنها كانت عبوة ناسفة رغم أنّنا لم نلحظ شيئا غريبا على الرصيف، لقد عرفها بدربته وخبرته، أخذ يصرخ ويطلب من سائق العربة أن يسرع..أخذنا أنا وباهرة نصرخ بك كالمجانين لكي تركض بعيدا عن المكان.

(يصرخ بأعلى صوته)

أهرب يا حسام، اركض قدما إلى أمك، اترك المكان سريعا.

كنت تركض نحو أمك مرعوبا، وكنت أرى أمك وهي تمدّ يدها إليك وكأنها تريد احتضانك رغم أنك كنت بعيدا عنها، الوقت لم يدع مجالا للتصرف والتفكير.. ركضت نحوك.. كان هناك انفجار هائل أطاح بالعربة والجنود والقنطرة، أطاح بجسدك الغض الرقيق، وأطاح بروحينا.. أنا وباهرة.

(في قمة الألم واليأس)

ركضنا إليك ولم نجدك وسط الدخان المتصاعد، لقد اختفيت، لم تعد موجودا هناك. رحلت يا حسام، الجنود رحلوا.. وعلى الأرض كان رأس الجندي الباسم ذاك مهشما وشيء من الابتسامة التي رمقني بها كان بائنا على ملامحه المدماة، كان ذلك هو الجنون بعينه، كانت تلك هي.. هي.. هي المرارة بعينها.

أجل، أتذكر ذلك وكأنه يحدث الآن أمامي، كنت أنت من ارتفعت أشلاء إلى السماء والدماء تنزّ منها كالمطر، أمطار من الدماء كانت تهطل، وكنّا أنا وباهرة كالمظلات لها، ونزلت مع الدماء نتفا مع أوراق الدفاتر ومزق الكتب وأقلامك المدرسية، ومنها دفتر رسمك هذا.

إلهي أيها الجبار الرحيم، ماذا كان ينبغي علينا أن نفعل؟ بقينا نبحث عنك ونحن نزحف على ركبنا التي تدمت وتقرحت، نقلب الأشلاء، نلمها، وفي غمرة ذلك كانت باهرة تصرخ وتولول كالمجنونة: مراد وينك الخاطر الله، مراد وين ابني حسام، ابني حسام ماكو، حسام هسة جان واكف هنا!

(يعود إلى هدوئه الأليم)

كانت تلك آخر جملة نطقت بها باهرة، حسنائي الجميلة، منذ تلك الساعة هاجرَت إلى منطقة لا أحد يعرفها غيرها، هاجرت بلا عودة تلوح في الأفق.

من كان عليّ أن أدين يا حسام؟ من قتلك؟ من هو المدان في أن هذا العالم على جماله لا يصلح غير مكان للهجرة فحسب، بستر نجاة أو بدونها، الهجرة دائما إلى المصير الأخير، إلى المكان الأخير، الهجرة بعيدا عن الذكريات التي تقود إلى الجنون، الهجرة بعيدا عن الروح، الهجرة بعيدا حتى عن الهجرة نفسها، الهجرة إلى اللّاشيء، إلى أيّ مكان لا يصلح للتفجير، إلى حيثما لا تتطاير الأجساد على القناطر.

(يدق جرس الهاتف ويتناوله مراد بصعوبة وسط حالته النفسية المحطمة)

ألو، قل الآن يا رجل وأنقذني، متى سأهاجر؟ ألو؟ ولكن من أنت، من يحدثني

(يصمت قليلا متفاجئا)

من؟ من يحدثني، عمي؟ هل أنت عمي، أبو باهرة، تتحدث معي من العراق؟ تصورتك المهرب الذي سيهربني اليوم عبر البحر.

(يحاول استعادة وعيه كاملا)

ولكن ماذا حدث يا عمي، هل باهرة بخير، أجبني أرجوك، هل هي بخير؟

(يحس ببعض الراحة)

إنها بخير، الحمد لله، ولكن ما هي القصة يا عمي، لماذا أسمعك تبكي، ماذا حدث، باهرة؟ ما بها، كف عن البكاء بحق الله وخبرني ما بها؟ بكاؤك هذا وكأنه بكاء فرح، ما بها باهرة؟ باهرة استعادت وعيها؟ تقول إنها عادت إلى ما كانت عليه؟ عادت ابنتك التي تعرفها؟

(يدبّ فيه الفرح وسط ألمه)

باهرة استردت وعيها وعادت تتحدث وتبكي وتندب، رباه رباه، يا له من خبر عظيم، ألو؟ جاوبني يا عمي، هل تدري باهرة بقصة هجرتي؟ ماذا قلت لها؟ إنني في بغداد؟ حسنا فعلت، هي لا تعلم بأني عزمت على الهجرة إذن، لكن ماذا تقول عن حسام، عمّاذا تتحدث وماذا تفعل؟ ماذا؟ أخبرني أرجوك، كفكف دموعك يا أبو باهرة، يا جد حسام.. أما يكفي ما ذرفناه من دموع؟

(يتفاجأ ممّا يستمع إليه عبر الهاتف، يصمت، ربما تنزل دموعه، صمت)

إنها لا تتحدث عن حسام على الدوام؟ إنها تتحدث عني؟ ماذا تقول؟.. تقول: مراد، أنا أريد مراد، وين مراد؟ ولكن يا عمي أرجوك أعد على مسامعي ما كانت تقوله لك، تقول إنها تبحث عنّي، وتطلب منك أن تعيدني إليها؟ إنها تصمت حزينة حين يخص الأمر حسام، لكنها لا تكف عن القول أريد مراد، وين صار مراد؟ ألو، لم أعد أسمعك يا عمي، ألو ألو، عاد صوتك ثانية.. حدثني بسرعة؟ إنها تبحث عني.. تبحث عني أنا، لا تبحث عن حسام.. طبعا.. فحسام لم يعد موجودا لتبحث عنه، فلعلها أيام وتنساني يا عمي وأنا على وشك أن أهاجر ربما اليوم.. رباه هل أصابني الجنون؟ كيف أهاجر و باهرة عادت إلى وعيها، عادت لتكون باهرة التي أعرفها.. أنا لم أفقدها إذن؟ إنما أنا فقدت شيئا من عقلي بالتحديد، كيف سأهاجر وهاهو النذير بعودة حسنائي إليّ يجيئني عبر صوت مهاجر في الفضاء، عبر مهرّب اسمه الموبايل، ألو معك يا عمي.. لم أعد أسمعك.. ألو ألو…

(ينقطع صوت الهاتف، ويضعه جانبا، يجلس متهالكا وقد أخذ التعب منه كلّ مأخذ)

رباه….. أنا امرئ عاجز بين يديك، فأغثني بحق عظمتك، إنما أنا أب فقد ابنه.. وقرر أن يفقد هويته، ولكن ها هو ذا يستعيد قلبه.. لقد فقدت روحي حين تفجّر حسام، لكنّي لم أزل أمتلك قلبا ينبض بي اسمه باهرة، والقلب يا إلهي سيعيد الروح الضائعة إلى ديارها..

(ينهض فرحا، قلقا، ضائعا، حازما)

ولكن كيف؟ أنا سوف أهاجر اليوم وهي الآن بخير هناك، فكيف يصحّ أن أقول إنها عادت إلي؟ هي ليست لي الآن، ليس من حقي أن أقول إنها ملكي أو هي تعود إليّ.

ليس من العدل أن تذرف باهرة الدمع وحدها عند قبر حسام؟ لا بد من عين لتعينها على هدر الدموع، كم نحن محظوظون بني البشر لأننا نملك الدموع، فلولاها لقتلتنا الأحزان.

لقد فقدت الأمل في كل شيء، هذا ما أصبحت عليه، لكني لم أفقد آدميتي بعد، وباهرة تحتاجني الآن بالذات جنبها كي أعاونها في أن تتحمل المحنة، لا أن أتركها وحيدة وأهرب إلى بلد بارد غريب لا يفهم عن هذه القصص شيئا غير أن الكثيرين يتحدثون عنها، ويعيدونها مرارا وتكرارا.

فهل سأتابع عبور البحر إلى المجهول؟ أم أعود أدراجي إلى قلبي، وقبر ابني، وأعود إلى دجلة، وبلادي؟

(يقف منتصبا وقد اتخذ قراره بكل اقتناع، يدق جرس الموبايل، ينظر إليه)

هذا رقم المهرّب.. كأنني لم أعد بحاجة لرؤية هذا الرقم على شاشة الموبايل ثانية..

(يعود الموبايل يدق ثانية والطبيب لا يجيب)

ماذا تريد القول يا مهرّب؟ لقد هدأ البحر، والقارب أصبح جاهزا للرحيل؟ هل عليّ أن أقابلك في المقهى لتمضي بي إلى شاطئ البحر وتحشرني مع مهاجرين يائسين وأطفال أبرياء لا يعرفون حجم القسوة في هذا العالم؟ هل تريد الدفع بي إلى بلاد اليونان؟ فأنزل على شواطئهم فرحا مستبشرا، لأنتظر مهرّبا آخر؟

(يعود الموبايل يدق ثانية والطبيب لا يجيب)

لم أعد بحاجة إلى كل ذلك وباهرة عادت تبهر الناس حولها.. كلا، لن أهاجر، سأعود إلى بلادي، إلى باهرة، إلى قبر حسام، وصدقني يا عمي، يا أبو باهرة بأنك ستحصل على حفيد جديد سنسميه حسام هو الآخر.

(ينزع عنه سترة النجاة ويرميها جانبا)

هذه أعيدها لك أيها المهرّب، إليك بسترة النجاة هذه، أعطها لمهاجر آخر قد يحتاجها أكثر مني.

فانا لكي أهاجر إلى بلادي.. لن أكون بحاجة إلى سترة نجاة.


كاتب ومسرحي من العراق مقيم في الولايات المتحدة