رائحة الغروب في حزيران

الجديد  محمد الكاظم [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(86)]

“تروي الحكايات القديمة أن طائراً يخرج من رأس القتيل الذي لم يؤخذ بثأره، ويستمرّ بالصراخ حتى يأخذ أهل القتيل بثأره”.

منذ الصباح وأنا أشعر بالجفاف في حلقي، وعيني اليمنى تغطيها غمامة صفراء، فيما تقف منذ أكثر من ساعة ذبابة سمينة على عيني اليسرى تمنعني من الرؤية. المساء مترب له لون عصفور مصاب بالسل، وخلفي يمتد حائط عال أستطيع أن أراه بطرف عيني إذا ما حركتها يميناً، عليه أثار دماء تسيل على الأرضية المغطاة بسوائل مختلفة، وفي مكان أقصى اليمين كان هناك احتفال من نوع ما، رجال متصلبو الوجوه يأكلون لحماً مشوياً، ويلقون بعلب “ميراندا” وراء ظهورهم، ويتابعون شاشة تلفاز تبرق في عتمة الليل، شريط أخبارها العاجلة يدور بسرعة مريبة. كان هناك أيضاً مذيع يسلك حنجرته مرتين قبل قراءة كل خبر، كأنه لا يفهم ما يقول، أو كأنه يوشك على التقيؤ. بينما يقف غراب على الحائط، في وضعية واحدة منذ الصباح كأنه خارج من غرفة التجميد، وفي عينيه دهشة كل غربان الكون، وجنود، جنود، جنود، الكثير من الجنود، كان بعضهم حليق الرأس، وبعضهم بندب صغيرة على شفاههم. وأوشام بعضهم تظهر كطلاسم تقاوم المحو.

كنت قريباً من الأرض إلى درجة لم أكن عليها سابقاً، ولا أشعر بجسدي، لكن أنفي يعمل بصورة جيدة كأنه يحمل ذاكرةً مستقلةً عن ذاكرتي، فقد استطعت أن أشم رائحة تراب تشرّب دمي ودماءً أخرى اختلطت على الأرض حتى صعب عليّ تمييزها، كما شممت رائحة عفونة بدت كخليط من روث دابة قديم ورذاذ بول مراهق تخيّلت أنه يحمل بندقية، وهناك أيضاً رائحة بارود محترق، وبقايا خراء عجوز خمنت أنها رحلت منذ أسابيع، وزيت سيارة ورائحة شواء وأعشاب نهرية، إضافةً إلى عطن جوارب الجنود الذي يرافقني منذ أشهر. وحدها رائحة “بسعاد” التي يمتزج فيها هيل وقرنفل وأشياء سحرية أخرى هي القادرة على محو رائحة جوارب الجنود التي تدهمني باستمرار، حتى إذا كنت وحدي.

كنت أشعر أيضا بحرقة هائلة في حنجرتي وبتصلب عضلات رقبتي، وإحدى عينيّ تغطيها ذبابة تمد خرطومها عميقا لتمص سائلا ما. لم أكن أستطيع أن أحرّك أيّ جزء من جسدي الذي لم أره منذ يومين.

في اليوم الأول كان جسدي يبعد عني خمسة أمتار أو ستة، تغطيه أجساد أخرى من غير رؤوس. لم أر جسدي سابقا بهذه الوضعية. كان ظهري أعرض مما كنت أتصور، وكانت لي شامة على كتفي الأيسر لم أعرف بها سابقا، ولم يكن غيري يجرؤ على ارتداء ساعته بيده اليمنى وإلا قال الجنود عنه كلاما سيئا . لو لم تكن ساعتي التي أضعها في يدي اليمنى موجودة لما تعرّفت على جسدي وسط كومة الأجساد المشوّهة. بعدها بساعات رأيت الساعة في يد شخص يمكنني أن اسميه “حرملة”. كان يحمل سكينا طويلة ويدور بها بفخر ويلف حول ظهره زنّارا أشبه بأحزمة القصابين.

حاولت أن أتحرك قليلا لكني وجدت نفسي ملتصقا بالأرض بخليط من الدم المتخثر والطين، وجدت بجانبي بعض الرؤوس التي لم يكن الكثير منها مبتسما، كانوا مغمضي العيون كمجاذيب أسكرهم وجد درويش مرّ صدفة ومضى لشأنه، ملامحهم كانت حيادية كوجه صديق قديم تسنّم منصبا حكوميا كبيرا تلتقي به صدفة، فيدير وجهه كي لا تطلب منه أن يساعدك في العثور على وظيفة، وجامدة لا تنم عن طيش اعتاده الجنود، ولا عن تبرم تأخر الإجازة، ولا ملامح تُنبئ عن رغبات مكبوتة.

طوال اليومين الماضيين حاولت أن أستوعب فكرة ابتعاد رأسي عن جسدي كل هذه المسافة محاولا أن أحظى بنظرة لجيب قميصي الأيمن لأتأكد من وجود هاتفي النقال وراتبي الذي استلمته قبل أيام. أما اليوم فقد اختفى الجسد تماما بعد أن قامت جرافة بدفع الأجساد الآدمية إلى حفرة قريبة وكان لسقوط الجثث فوق بعضها البعض صوت يشبه ضرب الأكف على الصدور في لطمية يقرأها رادود مبتدئ ، كيف ستدبر “بسعاد” أمورها هذا الشهر؟ وهل سيقتنع صاحب البيت بأن راتبي سرقه أحدهم؟ أو أن جسدي هو الذي سرق الراتب وفرّ به إلى الحفرة الكبيرة؟

بهاتف نقال كان أحدهم يصوّر مشهدا آخر يجري بسرعة قبل حلول الظلام. أصحاب السكاكين الطويلة يطلقون النار على رؤوس أخرى ويدفعون حامليها إلى ما تبين أنه النهر، كانوا مستعجلين لدرجة لا يمكنهم معها التراجع أو التفكير فيما يفعلون.

ابتعدت الجرافة لتردم حفرة أخرى فبقي مشهد واحد أمام عيني، هو رصيف الشارع المؤدي إلى… مصبوغ بألوان اشد انضباطا من خطوات نائب عريف في الجيش أبيض وأصفر، أبيض وأصفر، أبيض وأصفر ، أبيض وأصفر، أبيض وأصفر، أبيض وأصفر، أبيض وأصفر……… صفرته تشع في الجو كبريق منائر إمام طعين. أو ولي مغدور. ولازالت الذبابة اللعينة تصر على دخول عيني للنفاذ إلى رأسي بحثا عن حل لتساؤل ربما داهمها فجأة. في اليومين الماضيين كانت كومة الأجساد مقطوعة الرؤوس تحمل بعض التسلية، فقد تعرفت فيها إلى أجساد أصدقاء كانوا زملاء لي في المعسكر، عباس من الديوانية، ومنتظر من سوق الشيوخ، وسجاد من خان النص وصفاء من… صفاء اسم حيادي لا أعرف مدينته. كيف أصبح اقرب أصدقائي؟ الأسماء الحيادية مقلقة، مثل بعض الأجساد التي لم أتمكن من معرفتها بدون رؤية رؤوسها والتفرّس في الوجوه الملتصقة بها، خصوصا أن الجميع استبدلوا بزّاتهم العسكرية المألوفة بالثياب المدنية التي جاؤوا بها من قراهم ومدنهم البعيدة. تعرفت أيضا إلى طباخ السرية من كرشه الضخم وإلى ضابط صغير كان يصر على أن ننسحب ونستبدل ثيابنا العسكرية بثياب المدنيين لننجو. لكن الجرافة اللعينة غيّرت المنظر تماما وأنهت هذه التسلية.

لم يكسر حدة منظر الرصيف الذاهب إلى… سوى خنفساء جاء بها المساء لتسلّي وحدتي، كانت الخنفساء تنقلب على ظهرها ثم تأخذ بضرب أرجلها الكثيرة في الفراغ محاولة استعادة توازنها. وكلما نجحت في الوقوف على أرجلها كانت ترتكب خطأ ما لتعود مرة أخرى لتضرب الفراغ بأرجلها الكثيرة.

في الليل كان هناك ثلاثة كلاب تحاول نبش الأجساد، سمعت طقطقة عظام أحدهم في فم كلب أعور وسمعت صوت تمزق قميص، وجنرال بلثغة مميزة يدافع عن نفسه بحماس في التلفاز القريب، يقول إن الجنود هم الذين عصوا الأوامر. أصوات توسل، الله يخلي أولادك، إنجب، أيش تبي الحين، أنا يتيم، كفره، استغاثات، يا علي، بص أُودامك، نذبحوه ولا ما نذبوحوش، يُبَه كص راسه ولا يهمِك، لا باس باش نقتلوه، حرملة كان يطلق النار من بندقية روسية دون أن يتمعن كثيرا في وجوه أهدافه فيما كان حرملة آخر يردّد الله أكبر، الله أكبر، وبين “الله أكبر” و”الله اكبر” كان يهوي رأس تتبعه “تبارك الله” و”لله الحمد والمنة”، وأصوات لاغطة أخرى تغطي آخر “الله اكبر” خافتة تلتصق بشفتي الرأس المقطوع. أحد حاملي السكاكين الطويلة كان يلتقط صورا لكل “الله أكبر” ولوجوهنا وللجرافة المنهمكة بدفن الأجساد في الحفرة.

عندما قطع أصحاب السكاكين الطويلة رأسي كان المصور نفسه موجودا أيضا وكان حرملة يقف بشماتة وكنت مبتسما ابتسامة بليدة حينما توغلت السكين في رقبتي. وتذكرت شعور البلل الذي أصاب أعلى صدري وقميصي بعد دفقة غزيرة من الدم الساخن. والمصوّر وصاحب السكين ينشدان نشيدا بدويا نحاسي النبرات. ينافس في العلوّ صوت الجنرال وهو يدافع عن نفسه. تخيلت مذيعا سليط اللسان يحملني مثل سندانة دامية ويضعني فوق طاولة حوار تلفزيوني طويل لأضع عيني في عين الجنرال لنلعب لعبة تحدي النظرات لأرى من يجبر خصمه على أن يغضّ بصره في النهاية.

شعرت الذبابة بنظرة التحدي فغادرت عيني اليسرى، وكنت سعيدا للحظات لأنها طارت بعيدا لتدخل في أنف كامل مطشر، عدد الرشاشة الـ”بي كي سي”، لتطير بعدها محاولة أن تجد لها طريقا في شوارب طاهر عبدالزهرة الذي خاض سبعين حربا ولم يمت. عوت كلاب وبنات آوى ودبت خنافس وثعابين ونمل وعظاءات عابثة الرغبات أمام عيني بعد أن اجتذبتها رائحة الدم. وفي الجو تلاوة لسورة الرحمن يتلوها قارئ بلكنة مخيفة. خشيت على صديقتي الخنفساء المقلوبة على ظهرها من زحف الهوام الليلي هذا. حاولت أن أنفخ عليها لأساعدها ، نفخت كل ما تمكنت الحصول عليه من هواء فأخذت الخنفساء تتدحرج حتى انتصبت واقفة. فشعرت بانتصار صغير، وحرملة، أو شقيقه، أو آخر يشبهه، يجري اختبارات صعبة للجنود الأحياء لمعرفة مدنهم وعشائرهم وطوائفهم.

دبت الخنفساء على شفتي واستمرت تدور حولي بغرابة رغم عيون مخلوقات الليل التي تترصدها. كانت تستلقي على ظهرها ثم تتدحرج لتدور حولي مرة أخرى. شعرت أن الحشرة تحاول أن توصل لي رسالة مشفرة من نوع ما. لكن أحد أصحاب السكاكين الطويلة سحقها بقدمه فماتت رسالتها معها. أردت بدوري أن أحمّلها رسالة أفكر في عباراتها منذ ثلاثة أيام، أردت أن أوصيها بـ”بسعاد”.

حرملة آخر يدفع برجله كتلا كانت تتدحرج أمامه لتصطف بالقرب مني، أقربها كان رأسا له بروفايل حاد غامض لم أستطع تبين هويته.

خيّل إليّ أني سمعت أنينا يشبه الضحك، أو صوتا ثالثا يجمعهما مع بكاء دفين مع مسحة من الانكسار المرّ الذي يصطحب معه نواحا قديما مقيما في رئة عليلة. أو شيئا قريبا من هذه الأوصاف المعقدة. لا أستطيع أن أصف الصوت الآن، لكني استطعت تبين مصدر الصوت، ذلك الصوت كان في داخلي، صوتا غريبا غامضا مشحونا باليأس والعزلة والشعور بالخذلان. ن ن ن يييييي آآآآآه نغمة تجمع كل هذه الحروف معا، صوتا يترك في الروح إحساسا يشبه إحساس ذئب كثرت خساراته وصار متيقنا من دنو الموت.

ن ن ن يييييي آآآآآه … في لحظة ما شعرت أن طائرا عملاقا بدأ يخرج من رأسي شيئا فشيئا ويقف على مقربة مني ويهمس بأذني بحرف نون طويل ومكتوم محمل بالخيبة ن ن ن يييييي آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه.

دار عقلي مثل خلاط عصير وتناثرت آلاف الحكايات عن طائر طويل الرقبة يتغذى على الفراريج ويخطف الصيصان ويشوه الماشية ويبقر بطون الماعز وينثر البثور والقوباء على أذرع الأطفال ويصنع دمامل تحت آباطهم لا علاج منها سوى خراء الأرانب، أو مسحوق نبتة ذكر الكلب المجفف المخلوط بالزرقيون.

كان الطائر يحاول أن يهمس في أذني بالمزيد من حرف النون الذي يستطيل ويتضخم ليغطي كل ما حولي من أشياء لم تتعدّ طريقا بعيدا إلتهم الليل ألوان رصيفه، وبروفايل لرأس مقطوع ذي وجه حيادي تماما، وطائر بعينين كبيرتين ينقل بصره بيني وبين طائر آخر بدأ يخرج من رأس صاحب البروفايل الحيادي، كانت هناك أيضا شفتان غليظتان مفخختان بالبوتكس تقرآن خبرا يعاد منذ الصباح عبر شاشة نزقة، رتبة عسكرية بلثغة لعينة تحاول أن تقول إن صاحبها غير مسؤول عما يجري، بدلة إيطالية زرقاء تختبئ عن فضول المصورين، دشداشة تسحب بضعة جنود لتطلق سراحهم وأخرى تسحب آخرين لتهبهم لسكين طويلة، كرش ينتفض مطالبا بالثأر على الشاشة، ورباط عنق يحاول أن يسخف الأمر ويخفيه ويقول إنه فيلم تلفزيوني وليست عملية ذبح جنود، عمامة تهتز معلنة حيرتها، حذاء نسائي يطرق المرمر اللامع ، وغطاء رأس امرأة جنوبية يحلق في فضاء مشهد سريالي محرج ينقله التلفزيون مباشرة أمام شوارب راعشة وجباه معروقة من الحر وليس من شيء آخر. رتبة عسكرية أخرى تتحدث بحماس فيما كانت غترة تهمس في أذن لثام داكن لتتحرك لحية كثة للإجهاز على ما تبقى من رؤوس.

ن ن ن ننننه، قلتها بسرعة وبصوت خفيض محاولا تقليد الطائر، فراق لي سماع صوتي فكررت الأمر محاولا أن يكون حرف النون أطول في المرة الرابعة لمحت التماعة في عين الرأس صاحب البروفايل المتخشب جعلته أكثر ألفة. ن ن ن نننننننن يييييي آآآآآه كرّرت الصوت، في المرة السابعة سمعت حرف نون ينطلق من أحد الرؤوس القريبة ثم تكاثرت الطيور واسعة العيون. أذهلتني المفاجأة فبحثت بعيني عن الخنفساء محاولا أن أشركها في اكتشافي. فتذكرت أنها ماتت وهي تتدحرج، ففهمت على الفور رسالتها، وخطرت لي فكرة تقليدها وحاولت أن أ.. تـ.. د.. حـ.. ر.. ج.

تدحرجت قليلا فتبعتني الرؤوس الأخرى. تدحرجت بصورة أسرع فلحقت بنا الطيور كبيرة العيون وصفقت بأجنحتها وطارت. بعد عدة محاولات في الدحرجة سرت بين الرؤوس المقطوعة فكرة البحث عن رماح نتخذها أجسادا بدل أجسادنا في مكان آخر. وبعد لحظات كان هناك سرب غريب من الطيور يحلّق في السماء متبوعا بسرب آخر من الرؤوس المقطوعة المحلقة.

روايات نساء حي الشهداء

- زوجة صاحب المقهى روت أن العجوز بسعاد لم تكن تبكي بل كانت تسأل فقط، سألت صاحب المقهى عن أخبار جديدة فردد على مسامعها مرة أخرى أن الحكومة تقول إن ما بثه التلفزيون ليس سوى فيلم ولا يوجد جنود مذبوحون. عمي إعلام كله كذب.

- زوجة الخباز قالت إن بسعاد سألت زوجها أيضا عن أخبار جديدة فقال إنه لم يسمع شيئا، لكن زوجة الخباز نقلت عن زوجها ملاحظة لم يصدقها أحد، فقد ذكر الخباز أنه شاهد حميدة وهي تمشي على أطراف أصابعها وكانت توشك أن تطير.

-أم مسلم نقلت رواية روتها لها حميدة شخصيا حيث قالت: في هذه المرة كنت مضطرة للخروج للبحث عن صوت آخر غير هذا الصوت الذي يخترق أذني منذ ثلاثة أيام، في البداية كان صوت أنين باهت لا يكاد يتبيّنه سوى الأشخاص الذين اعتادوا الوحدة. ثم تحوّل الصوت إلى نعيب خافت غريب محمّل بالوحشة. ولم تكمل باقي الحكاية فقد اختفت.

- تداولت نساء الحي في اختفاء بسعاد ثم اتّفقن على رواية رجحت لديهن تقول إنها لم تعرف للبكاء طريقا وكانت تصبر نفسها بترديد جملة “ماذا أقول لفاطمة الزهراء إذا بكيت على ابني ولم أبك على ابنها” لكنها حين سمعت أحد الرواديد العاشورائيين ذات يوم وهو يقرأ “يمه اذكريني من تمر زفة شباب” فشحطت روحها ونبتت لها أجنحة وتحولت إلى بومة.

روايات رجال حي الشهداء

-أهالي الطليعة رووا قصة رجل مقطوع الرأس يتمشى على الطريق السريع من تقاطع سوق الشيوخ ويعبر الجسر وصولا إلى حي الفداء، وأكد ذلك اثنان من الزعيلات وأبو جراح الكويتي.

-أهالي الثورة شاهدوا جنديا دون رأس يدور في الأحياء ينام في بستان زاير حنون ويقطع ليليا المسافة بين الثورة والمنصورية بسرعة لافتة للانتباه.

- روى شرطي من حراس المصرف العقاري عن مشاهدته لرأس محمول على رمح قرب بيت مجيد طوبيّة تخيل أنه من بقايا موكب الحدادين لكنه فوجئ بأن الرأس كان يئن ويطرف بعينيه، وروى أحد العاملين في مركز الدفاع المدني في سومر شيئا مشابها.

- مخبولة اسمها “أم يدّي” ثرثرت كثيرا عن رؤوس طائرة ولم يصدقها أحد. فيما بعد أصبحت هذه الرواية مؤكدة بعد أن رواها عدد من أهالي حي التنك وأهالي الشوفه والعكر والعرجه. بل إن أولاد سيد طالب أصبحوا أكثر المقتنعين بهذه القصة لكثرة ما سمعوها من رواد مطعمهم.

- قرر المسرحي علي عبدالنبي الزيدي وجماعة من مريديه الشكوى للفرات كل مساء في طقس مسرحي ينتهي بنثر بذور الشعير في النهر، وهدته آخر نوبات جنونه إلى اختراع امرأة تهدد الرب بالامتناع عن الصلاة والصيام إن لم يمنع موت الأبناء في الحروب. فيما كان الشاعر علي الشيال يوشوش كل بئر يعثر عليه خوف أن يبوح بسر رؤيته لعيون الموتى كل ليلة.

- آل زويد الذين يسكنون حي أريدو تحدثوا عن قصة جندي مقطوع الرأس يظهر كل ليلة ووصل خبر القصة إلى “البطحة”. فتناقلها أبناء عشائر آل غزّي والبدور برمتهم. ثم تولى كل بدوي من آل رُفيع مهمة نقل القصة بطريقته في البادية، وتطورت القصة كثيرا في المسامرات الليلية لدرجة أن القصة التي تروى في “بصية” تختلف عن أختها التي تروى في “عبلة والحصان” و”الكطيعة” بل إن القصص التي تروى في “الرقعي” و”المطلاع ” وراء الحدود لا تمت بصلة إلى القصة الأصل.

- أم وجدان روت لكل أهالي الصالحية تقريبا عن رؤيتها لسبعة شبان يرتدون ثياب المشاية يسيرون في شارع العروبة جيئة وذهابا بلا رؤوس.

- أهالي “الأربعمية دار” في مدينة الصدر كلهم تقريبا يعلمون بقصة الفارس المقطوع الرأس، الذي شوهد أيضا بين نزلة العمارات الثانية ومستوصف الإسكان الصناعي.

- نقل مقربون من الشيخ جعفر الإبراهيمي والسيد محمد الصافي بأنهما كانا يشعران بأنهما كلما طالبوا مستمعيهم بأن يئنوا في التعزيات الحسينية في قفلة بيت الأبوذية كان صوت الأنين أكبر من صوت الموجودين وإن هناك جمهورا آخر يواصل الأنين حتى بعد انتهاء المجلس. ولم يكن يحدث ذلك في قفلة بيت النصّاري أو الملائي أو الزهيري. بل أكد ذلك الملّا باسم الكربلائي شخصيا.

- روى الكاتب حسن عبدالرزاق أن تقليدا جديدا بدأ يظهر هذا العام في محرّم هو إقامة أطفال الناصرية لتشابيه من نوع جديد تقوم على شد وثاق الأطفال الذين يمثلون دور أبناء الحسين وجعلهم يقرفصون ثم يقوم الأطفال الذين يمثلون أدوار الشمر وحرملة بقطع رؤوسهم وإلقاء أجسادهم في حفرة.

- أما الناقد علي شبيب ورد فقد كتب في جريدة “عكد الهوى” مقالا قال فيه إن ذائقة المجتمع تعتمد مشغلا تتحرك أدواته ضمن انزياح بصري ذهني، لكتابة نص التأويل النقدي وإعادة صياغة التأويل الجديد عبر عملية مخاض عسير تشكل من خلالها نصوص تأويلية وفق كولاج (حسي/ذهني) لنصوص مقترحة، ويعطي الناقد مثالا على ذلك أن أهالي الناصرية أخذوا يعيدون تمثيل قصة مقتل أولاد مسلم بن عقيل مع تغيير طفيف فقد أخذوا يمثلون عملية إطلاق النار على رؤوسهم بالمسدس قبل رميهم في الفرات، بدلا عن قطع رؤوسهم بالسيف.

- أهالي الموحية، حيث تغرب الشمس، يعرفون السر أكثر من غيرهم ، فالغروب عندهم يعني خروج عشرات الرؤوس المقطوعة والطيور الكبيرة العيون من بين تدرّجات اللون الأحمر والبرتقالي لتطير باتجاه المباني الحكومية وهي تطلق ذلك الأنين اليائس ن ن ن يييييي آآآآآه لكنها تضيع أحيانا في أزقة المدينة، وقد روت فتاة أن الرؤوس تعد لتظاهرة أمام مبنى المحافظة في محرم القادم.

* لا تبحثوا عن أسماء الأشخاص الواردة في هذه القصة فربما يكون بعضهم ميتا. فلا تزعجوا الموتى بفضولكم.

* لا تسألوا عن الأماكن الواردة في هذه القصة، فبعد حروب الخرائط الجديدة التي استلم مقاولة تنفيذها أصحاب السواطير، لم أعد واثقاً من عائدية أيّ مكان.