الحَفيظ

الجديد  فيصل عبدالحسن [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(100)]

“انتهى زمن الأيديولوجيات، وجاء زمن الميتافيزيقا”

كنت أحلم، وأظن لست الوحيد بين زملائي الطلاب، بـ”مس تنّورة لطالبة ما” في تجمعات الطلبة، ومظاهراتهم الصاخبة، أو عند طابور شراء سندويج الغداء من مطعم نادي الجامعة. مس لطيف لجسد أنثى، مهما كان شكلها ولونها، يكفيني لتمضية أسبوع كامل في خيالات “إيروتيكيّة”، وأنا اتطلع إلى راحة كفي، التي صارت مصدر خيالات لا تنتهي.

خلال فترة مطاردة الطلاب اليساريين في العراق بالستينات تركت الجامعة، وهربتُ إلى بيت أحد اقربائي في الريف، لأختفي خلال فترة الاعتقالات، حتى تنتهي الفترة الساخنة وأعود بعد ذلك. لكنني بقيت هناك ولم أعد إلى الأهل، والمدينة بعد ذلك أبداً.

كنت وقتها شاباً صغيراً، أحفظ مقولات أهل الفكر اليساري، وتضمني موائد السكر، فأرددها بعد أن أسكر، والدموع تترقرق في عيني، وأغلبها يتحدث عن الحرية، ومجتمع الكفاية، والعدل والرفاه للجميع، وتوزيع العادل للثروات على الناس.

كانت أفكارنا وتطلعاتنا مشبوبة، وتبحث عن تفريغ مكبوتاتنا بأسرع وأسهل الطرق. وشاء حظي العاثر أنا المتهتك، اليساري، الذي لا يؤمن بدين ولا أخلاق، ويفكر بسلامته الشخصية ولذائذه، ويجعلها الأولى، أن أختفي عند قريب لنا -بتوصية من أبي لقريبنا ذاك- في “صريفة” (1) في ذلك الريف المجهول عند تخوم هور الحمّار، وأصِير -فيما بعد- مرشداً للحفيظ في الهور.

وبمضي أيام الاختباء قريباً من الهور كانت تصلني الأخبار السيئة من المدينة عن اشتداد الحملة الأمنية، وموت أكثر من طالب تحت التعذيب، فأزداد رعباً وخوفاً من العودة إلى جامعتي وأهلي. كنت أعرف تلك الأخبار المرعبة من أقاربي، الذين يزورون أهلي بين فترة وأخرى.

وفي منفاي الجديد في أقصى الأهوار الجنوبية، ولأول مرة، بدأت أسمع حكايات لم أكن أصدقها من قبل عن مجاهيل الهور. سمعت من أحاديث مسائية، لأفراد العشيرة، كانت تعقد في مضيف الشيخ، حول موقد المطّال (2) المشتعل، وفناجين القهوة المرة تمر على الجميع، بعد عشاء مكون من رز العنبر، وفوقه لبن رائب، وتمر خستاوي عن “الحَفيظ” ذلك المكان المجهول في الهور، الذي يحوي خزائن المهدي الغائب، المنتظر من قبل المسلمين، الذي سيظهر في يوم من الأيام، بعدما امتلأت الأرض جوراً، وضجت بالظلم والرزايا. وتفرقت شيعة آل البيت في كل أرجاء الأرض بحثاً عن الأمان، للاختفاء من أعداء أشداء ينوون الفتك بهم، وقد امتلك أهل الظلم ناصية الأمور. وجعلوا دأبهم في البحث عن عترة الرسول، وشيعة الإمام لذبحهم، وإخفائهم عن ظهر الوجود، توطئة لإزالة الإسلام عن الأرض، فلا يزول الإسلام ولا ينكسر ظهره، وتضعف إرادته وامتلاكه لقلوب الناس، ووجدانهم إلا بزوال عترة الرسول، ومحبيهم من فوق الأرض كما كانوا يرددون في أحاديثهم الليلية.

“وحين يدلهم الخطر وتزداد الخطوب يظهر ‘المهدي’ من غيبته التي امتدت إلى أكثر من ألف ومئتي عام، منذ اختفى في ذلك السرداب في مدينة سرّ من رأى، وجنود بني العباس يتعقبونه لذبحه، كما فعلوا مع أجداده وأهله، وأبوابه ومريديه.

اختفى الإمام في ظلام السرداب ليعود من جديد مع تباشيرعالم جديد، وبانتظار ذلك اليوم، الذي سيحتاج في دعوته للمال لتجنيد الجيوش، وشراء السلاح، لإقامة دولة الإسلام الكبرى، التي ستمتد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، لتشمل العالم بأكمله.

وسيظهر معه سيدنا المسيح، ليكون ساعده الأيمن، ووزيره الأول، والكثيرون ممن ماتوا منذ أقدم العصور. 313 فارساً ستعاد إليهم الحياة، ليشاركوا في ثورة المهدي، بإذن الله وقدرته.

وستجيء الجيوش الجرارة من الشرق والغرب لمحاربته والقضاء على ثورته، لكن مشيئة الله الجبارة ستحوّل سلاحهم إلى حديد لا يضر ولا ينفع″.

كانت هذه روياتهم يروونها، في المساء وإلى ساعة متأخرة من الليل، وحين يتساءل أحدهم، بالتماعة ذكية نادرة، عما سيؤول إليه مصير سلاح الأميركان والإنكليز المتطور، فيجيب أكثرهم فهماً لقضية العودة المباركة فيقول:

- أثناء ذلك سيعود العالم إلى وسائله القديمة البدائية، وتتوقف في تلك الأيام مصادر الطاقة وتستكين الآلات، ولا تطير الطائرات أو تندفع الصواريخ، ولا تنطلق المدافع، يتحول كل شيء إلى حديد لا معنى له ولا فائدة منه! ويعود الناس مرة ثانية لاستعمال السيف والرمح والنشاب، والترس وسراج الزيت القديم!

ويردد الراوي بوجه متهلل:

– واستعداداً لهذا الحدث السعيد، الذي سيهز العالم، ويحوله إلى عالم لا حول له ولا قوة أمام قوة الإيمان، عندها ستجيء كرات مضيئة من السماء معلنة، الفرج الأكبر! وتكتب بأضوائها اللاهبة “أسم الله والرسول الكريم وآل بيته والشهادتين وأسماء الله العظمى”.

كانت أحاديثهم تدهشني -أنا اليساري- الهارب من بطش رجال الأمن. وكانوا يشركونني بالحديث، لكنني كنت أفكر طوال الوقت كيف يمكنني الحصول على “ربع عرق زحلاوي” (3) ومزة لبلبي، ومجلة بلاي بوي، لاتأمل صور النساء العاريات، وجمال قوامهن. وأنا أستمتع بشرب كأسي، وأستمع لشريط كاسيت “الأولى في الغرام” لأم كلثوم في عالم دخان المطال الحريف، والكآبة والأساطير، الذي سقطت في أحضانه من شاهق.

أسمعهم يقولون ويقولون، وكأني في كابوس لا ينتهي عن “كنز خرافي ليس له مثيل تطير حوله حيوانات مجنحة أسطورية تنفث ناراً من فتحات مناقيرها”.

يروون:

- قبل تلك الأحداث الكبرى منذ زمن بعيد، والناس من أهل القرى القريبة يجمعون ما يجود به أخيارهم من مال وذهب. وتُدفع إلى صناديق خاصة. ويُرسل بعد ذلك إلى صندوق رئيسي في قرية “الدبن” (4) ويُحصى ذلك المال، ويبعث بيد أحد الأتقياء من أصحاب الخبرة، والمروءة، والإيمان لاستبداله بالذهب والفضة.

ويسجل كل ذلك في سجل الحوادث الخاص بقرية المعاجن، وطيلة الفترة التي بقيت بينهم مختفياً عن أنظار الشرطة أوكلت لي مهمة تسجيل ما يحصل في ذلك السجل المتهالك القديم.

وكنت أضحك على نفسي، وعلى عقولهم الخرفة، وأنا أكتب ما يُملى علي، فأكتب، ويُرسل خمس تلك الأموال إلى المحتاجين بيد مبعوث خاص، لغرض دفعه إلى أحد الأمناء للصرف على طلاب العلم، وشراء الكتب لهم، وتبعث بعد ذلك القرية عدداً من أولادها النابهين لتعلم القراءة والكتابة والتفقه بأمور الدين إلى النجف، ليعود من تعلم منهم بعد ذلك لمسك أمور الناس في الجنوب، وتعليم الأولاد قراءة القرآن، ورواية السيرة النبوية، والوعظ أيام عاشوراء والتذكير بثورة سيدنا الحسين.

أما المتبقي من الذهب، وهو أربعة أخماس، فيحمله قريبنا ملا وداعة لإيداعه في كنوز “الحَفِيظ” الذي لا يعرف مكانه سوى أمثاله من الحافظين للقرآن الكريم، والمتبعين لسيرة الرسول الكريم وآل بيته من أطراف البلاد. لُقِبَ بـ”الحافظ” لحفظه أموال المسلمين، وهو اللقب الذي يحمله أباً عن جد، أما مكان الحفيظ أو كيفية الوصول إليه فهو إرث يورّث للأبناء، وهو إرث ثقيل وواجب صعب، لا يستطيع أحد أن يمد يداً لذخائره، حتى يحضر الغائب عليه السلام، ويتصرف بأمواله.

سمعت حكايات قديمة غريبة كان يتناقلها الحافظون، كما أخبرني الملا، الذي لم يُرزق بابن بالرغم من زواجاته المتكررة تقول:

- إنه حين حاول أحد أجداد الحافظين أن يخون أمانته، وقد أغراه الشيطان، فلم تمضِ سوى لحظات على فعله الدنيء حتى تحول نصفه إلى حجر، والنصف الآخر إلى جسد حيوان. وبقي يقبض بحافريه الأماميتين على سبيكة ذهب كان يريد التصرف بها، حين كان آدمياً.

ومن أغرب الأمور التي صادفتها في قرية الكآبة والخرافات هذه، أنني لم أصادف امرأة ولا فتاة، ولا حتى طفلة.

كنت أحلم برؤية (وجه حسن) في هذا الخراب. لكنني لم أرَ إلا وجوه رجال أبلاها المرض وقرصها البعوض، وأذبلها فقر الدم، وأنواع الالتهابات والدمامل.

كنت بيني وبين نفسي أجدف، وألوم نفسي قائلاً “أليست ‘دائرة الأمن’ أرحم من هذا البلاء، الذي ابتليت به؟ لا خمرة، لا نساء، حتى الاستمناء فقد أركانه المهمة، التي تقوم على رؤية ما يثير، وليس في هذا المكان ما يثير. لكنني حالما أتذكر تعذيب الشرطة لزملائي، وأتذكر وجه أحد هؤلاء الزملاء، الذي مات تحت التعذيب، ورميت جثته في الطريق العام، ليجدها الناس بعد أيام مشوهة أحمد الله، وأشكره على ما أنا فيه من آمان في قرية الكآبة هذه. وأقول في نفسي صحيح أنا في سيرك، ولكن هذا أفضل من الموت برداً وعذاباً في مديرية الأمن”.

وعندما راقبوني لعدة أيام ورأوا حجم كآبتي، وقرفي من أسراب الذباب التي تجول في دروب القرية الترابية، وقرص البعوض، رأيتهم يتداولون بأمر سري حولي لم أعرفه، وقلت في نفسي “هؤلاء المتخلفون يأتمرون لإبلاغ الأمن عن مكان اختبائي”.

وأوشكت على الهروب من القرية. لكنني عرفت في آخر لحظة، أنَّهم عرفوا مدى ضجري في قريتهم، لذلك قرروا تزويجي، وبالفعل أقاموا لي صريفة، ملأوها بالفرش والأدوات البدائية، التي يحتاجها أيّ عريس وعروس جدد.

وعقدوا لي على فتاة بيضاء قصيرة القامة، كحيلة العينين، لا تجيد شيئاً غير البكاء والضحك، وتعرف -فقط- كيف ترضيني حين أكون غاضباً.

ولم أستطع الرفض، فقد كنت أبحث عن أيِّ حلّ لكي أشعر بالأمان والرضى في هذا المكان. وليس هناك طريقة أفضل من مصاهرتهم. وبعد ثلاثة أيام من زواجنا اصطحبوني إلى النهر، وقدّموا لي قارباً، وشبكة صيد وفالة (5)، لكي أكسب رزقي كواحد منهم، وجعلوا معي من يرشدني، ويعلمني كيف أصطاد السمك الضخم، وأين اصطاده.

عرفت بعد ذلك من “ملا وداعة” أنَّ الهورامتلأ بقلاع وهمية كثيرة انتشرت في الأنحاء المختلفة منه لتضليل الطامعين والباحثين عن الكنوز والآثار! ولن ينسى أهل الجنوب، وهم يرون حملات الإنكليز الآثارية في البحث عن “حفيظهم” وكنوزه. لن ينسوا تلك الوجوه الحمراء، والبنطلونات الكاكية القصيرة التي تظهر أجسادهم الملساء بزوارقهم البخارية، وهي تجوب مياه الهور وتوقظ الحيوات الغافية فيه منذ آلاف السنوات. والعيون تراقبهم، وهم يبحثون وينقبون في القلاع القديمة والآثار التي امتلأت بها أهوار الجنوب، الظاهرة من بعيد كقلاع عائمة وسط المجاهيل المائية مترامية الأطراف باحثين عن كنوز الشيعة.

كانت نفوس أهل القرى تمتلئ بالخوف والخشية من وقوع تلك الكنوز في أيدي الإنكليز، يقول وداعة عن والده “لكنهم كلما نظروا إلى الحافظ، الذي كان في ذلك الوقت “الحاج حنون” والدي.

كان في صريفته كالأسد الهصور بلحيته البيضاء المهيبة، ويشماغه الأزرق على رأسه، وعقاله الراكز فوق اليشماغ، وسبحته الحسينية بين أصابعه يفرد حباتها على بساط من الصوف، وسط أبنائه وحفيداته. لا يرف له جفن، وبين الحين والآخر يلف سيجارة، ويبصق تبغها، الزائد الذي يلصق بشفتيه. لا يخاف على كنوز الشيعة، فهي كما يقول “محفوظة بأمر الله مهما فعل الإنكليز، ومهما كثرت طائراتهم الماسحة كل يوم لمجاهيل الهور البعيد وبقعه المجهولة”.

وكلما بذلوا الجهود، واستعانوا بالحيلة باؤوا بالفشل للوصول إلى شيء. كان الإنكليز -وقتها- يفرحون عندما يعثرون في حفرياتهم على تماثيل طينية مفخورة، قديمة، يرجع عهدها إلى السومريين، وأقوام متفرقة أقدم من تلك الأقوام. كانوا يعيشون على هذه الأرض قبل أن تغمرها المياه، وتركوا قلاعهم وحصونهم. ومضوا في غيابات التاريخ البعيدة. إنَّهم لم يخلفوا سوى نقوشهم المسماريّة، وتماثيلهم الصغيرة، والكبيرة، وبصمات أدوات الشحذ على الجدران وأعمدة القلاع. وسجلت أعمالهم في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم. وقبل ذلك جاءت على ذكرهم النقوش والرسومات القديمة.

- تلك الأيام التي أتذكرها جيداً، حين اصطحبه ملا وداعة معه بعد عراضة (6) عشائرية قصيرة أقاموها له في القرية. أعلنوا فيها أنَّه أصبح “مرافق الحافظ ” لتمييزه عن باقي أهل القرية، ليصير دليلاً على موقع خزائن الحفيظ في ذلك الخلاء الشاسع من الماء، والبردي والجولان، وقد استشعر ملا وداعة هاتفاً بدنو الأجل، واقتراب موعد مفارقته للحياة، وعليه أن يترك عوناً ودليلاً يكمل مهمته، كما هو معروف في العشيرة. وليس أفضل من هذا الضيف المتعلم لهذه المهمة، ولكي يسجل كل شيء رآه في سجل العشيرة ليطلع عليه الأبناء والأحفاد”.

أخذ ملا وداعة يضع له العلامات على الطريق، ويقول له:

- “لا تنسَ هنا شجرة سدر ضخمة”، “وهناك حجارة منحوتة كبيرة!”، وكنت بيني وبين نفسي أشتم والد والد من اقترح علي الاختفاء لدى هؤلاء المجانين. وكلما استرسلت في شتائمي لنفسي علا صوت ملا وداعة ليذكرني بالمهمة التي وضعتها العشيرة على كاهلي. فأسمعه يردد بلا كلل ولا ملل:

- وبين هذه الأكمة والجزيرة الصغيرة المهجورة تجد مشحوفاً، بعدها تجعل الشمس إلى يسارك، حتى تصبح الشمس فوق سمت الرأس ثم تسير حتى تبلغ حجر الأفعى، وهو حجر كبير له وجه الأفعى وذنب السمكة.

- وتسير في الممر الترابي حتى تقطع الإشان الأحمر، وتبدو لك صخوره شديدة الاحمرار من جهتها الخلفية. وتجد أمامك لوحاً من البردي طافياً تستخدمه للعبور في مياه الدرب الضيق.

“كنت أدون كل ذلك الكلام بدفتر صغير جعلته مسودة، لما سأكتبه في السجل الرئيسي فيما بعد”.

وأخذ يصف لي مكان الكنوز، وقد أمسكني من ذراعي الحرة بعد أن شد على جبهتي خرقة خضراء، لتعرف الجن القادم بصحبته. وهؤلاء الجن -كما أخبرني- هم الذين يحرسون كنوز الحفيظ، وعليهم أن يتعرفوا على القادم مع “الحافظ”.

وطوال الطريق المضني، الذي يتراوح بين المشي على أرض صخرية في قلاع مهجورة وركوب مشاحيف وطوافات بردي لبلوغ تلك المسافة الخضراء النائية ووسطها، وقفنا. كما أشار لي الملا وداعة، ومدَّ يده باحثاً في العشب الطري عن شيء لا يُرى. فتبدل المناخ فوق تلك البقعة المباركة فجأة. وهمس الملا في أذنه:

- سبح ياولدي.. سبح بحمد الله مائة مرة! فأنت الآن فوق بقعة مباركة من بقاع الجنة. الملائكة والجان يرونك ولا تراهم. ويسمعونك ولا تسمعهم!.

ثم أضاف “هنا فوق هذه البقعة لا صيف ولا شتاء، إنَّها الربيع الدائم، فهي بقعة مباركة بحق. لا يعرف مكانها غير الحافظين، ومن قريتنا لا يعرفها إلا أنا وأنت. احفظ المكان جيداً لتجيء مع الحفيظ الجديد بعد أن أموت”.

ويتابع قائلاً:

ـــ يقول أجدادنا فيما يقولون، إنَّها بقعة لا توجد على الأرض! هي في حقيقة الأمر سن ناتئ يقع في بداية السماء السابعة. وإننا طرنا إليها دون أن ندري وبقوة الله القوي. وكل خطوة خطوناها منذ خروجنا من بيتنا في القرية، هي في حقيقة الأمر بين النجوم والمجرات، حتى بلغنا برازخ الجنة! فسبح بحمد الله المنجي وأشكره..”.

وكرر من جديد:

ـــ احفظ المكان جيداً، لتجيء دليلاً للحافظ الجديد عندما أموت لتؤدي أمانة الناس بحمل أموالها إلى هذا المكان، حتى يحين موعد خروجه جعل الله ذلك في أيامك. فإذا خرج من غيابه الطويل في أيامك، قد يجعلك من جنوده أو لا يفعل، فإن فعل فقد كرمك! وإن لم يفعل، فهو أدرى بما يريد ويفعل، وله السمع والطاعة! فقد قربت أيام ظهوره، إني أكاد أن أرى لحظة خروجه إلى العالم!

“ثم سَبّحَ سبعاً وسبعين مرة وحمدل مثلها، فانفتحت في الأرض المكسوة بالعشب كوة فدخلاها، وسارا إلى تحت الأرض على سلم كان يتدهور إلى الاعماق بالتواء شديد. وكلما نزلا درجة إلى أسفل الأرض امتلأ المكان بالضوء الباهر، وتلاشت العتمة! كأنما فـي عمق الأرض شمس أخرى غير الشمس التي نعرفها!”.

وما أن هبطنا آخر درجة في ذلك الدرج المنحني حتى امتلأت عيوننا برؤية مساحات واسعة مزروعة بأشجارعملاقة مثمرة، لم يقع نظري على مثيل لها من قبل. أثمار ملتمعة بالضوء واضحة النضوج. وبرزت بحيرة صغيرة ساكنة شديدة الزرقة، وشمس مضيئة في الأفق تنعكس فوق مياهها، وهمس ملا وداعة:

- إنَّها ليست الشمس التي نراها في القرية! انظر إليها، فيها شق في الوسط لا يندمل إلا بظهوره عليه السلام! كما أن التحديق فيها لا يؤذي البصر، وتلك رحمة من الله عز وجل!

ودهشت مما رأيت، فلست في حلم بل أنا في عالم آخر، وبدأ الخوف يتملكني وأخذت أرتجف، ولكن ملا وداعة كان يشجعني. ويطلب مني أن أمضي معه إلى الطريق الصخري الذي ظهر لنا. فولجته على مضض، وخوف لا مثيل له، حتى أفضى بنا إلى كهف عملاق نُحت في الجبل. وقد حُفرت فوق أحجاره آيات القرآن كلها، واسم الرسول الكريم، وأسماء شهداء آل بيت الرسول، وشهداء المسلمين جميعاً عليهم الصلاة والسلام، منذ عهود الإسلام الأولى، وحتى يومنا الحاضر، وتوهجا في ذلك المكان بنورين.

كان يرى إلى ملا وداعة، فيراه محاطاً بهالة من الضياء! فاعتصره الخوف أول الأمر ولم يفطن إلى الضياء الذي أحاط به أيضاً، فصرخ منذراً، فقال له الملا، ويده تمتد في حنو لتمسد شعر رأسه:

- لا تخف، هذا نور الأولياء والشهداء قد أحاطنا! ولو كان غيرنا في هذا المقام لاحترق من هذا الوهج الذي لا تحتمله الأبدان. إنه النور الذي سيأتي من السماء فجر ظهوره من غيبته، الذي يوقف كل شيء متحرك! ويحوله إلى حديد لا معنى له ولا فائدة ترجى منه!

وروى له كيف كانت -فوق هذا المكان- الطائرات الإنكليزية تتوقف محركاتها وبوصلاتها، ويغيّم بصر طياريها، فلا يعرفون مكانهم إلا بعد تجاوزهم هذا المكان!”. ورأى إلى نفسه فرأى وهجاً مشابهاً لما حول الملا وداعة يحيطه كالسوار، فسبّح بحمد الله مثلما يفعل صاحبه، وكله خوف أن لا يُقبل تسبيحه وهو اليساري السابق، الآبق! ولكن بقدرة قادر هدأت نفسه. وزال عنه الخوف. وتبع الملا وداعة، حتى تجاوزا قبة الكهف المنقوشة.

وانفتح أمامهما باب حجري، بعد أن صاح صاحبه بصوت أجش “يا حامي المكان قد جئت بمن سيكون مرافقاً لحافظ بعدي، فقد أزفت الساعة، واقترب الموعد بلقاء الأحبة. فما أن يجيئك بعدي حتى تفعل معه، ما كنت تفعله معي من حفاوة، وتكريم ورعاية!”.

ومس رأسي بكفه المعروقة، فأخذت أبكي بحرقة، وأنا أشعر أنَّ البكاء -ربما سينقذني من ذنوبي- وأخذ يده بالكف الأخرى، وأدخلها في كوة في الباب الحجري، فانفتح الباب الثقيل بصرير مخيف، ودلفنا إلى داخل الكهف.

ونظرت إلى بدائع المكان وروائعه من الدرر المضيئة، والمرجان والجواهر المرصعة بالياقوت، وأكداس من الذهب والفضة. ورأيت ملابس مزركشة معلقة في شمعدان كبير من الذهب، وإلى جانبها على منضدة من الفضة “درة الزمان” التي من حملها في يده انفتحت أمامه الأبواب، والنوافذ، والمسالك الموصدة، وتساقطت الأقفال، وذاب الحديد، والبرونز والنحاس بإذن الله وقدرته!”.

وفي قراب من الجلد نُقش عليه بماء الذهب اسم الله العظيم واسم الرسول الكريم “ص” وأسماء آل البيت عليهم السلام أجمعين، وعُلق سيفه، الذي سيحارب به أهل الكفر، وأعداء الإسلام، ويحق -عندها- الحق ويطلب بثأر جده الحسين، وآل بيته عليهم السلام، الذين قتلوا ظلماً. وينشر السنة النبوية، ويجعل الناس تنطق الشهادتين، وتصلي للواحد الأحد في مشارق الأرض ومغاربها.

وأخرج صاحبه من جيبه الصرة التي تحوي ذهب المتبرعين، وفتح صندوقاً كبيراً نُقش على غطائه بزخارف جميلة، ورصع بأصداف، وكُتب عليه بماء الذهب، وبخط كوفي قديم: “لا فتى إلا عليّ ولا سيف إلا ذو الفقار”. وأفرغ صرته من القطع الذهبية في داخل الصندوق، فأحدثت صوتاً مكتوماً في ذلك الصمت المهيب. وأعاد غطاء الصندوق إلى وضعه السابق، وتساءلت مع نفسي “ما قيمة ما جلبناه من ذهب قليل، لهذا الكم الهائل من الثروات؟”.

وهمس صاحبه، وقد تورد وجهه بالنور، وذبلت عيناه من ذرف الدموع:

ـــ يا بني أخفض بصرك ولا تحدق في أموال المسلمين لئلا يطمع قلبك! أخفض بصرك، ولا تعلق نفسك بما هو موجود! فإن هذا الجود له وليس لبشر!”.

وبعدها قرأ سورة البقرة، ورددت بعض آياتها مستمتعاً برائحة البخور، التي ملأت الكهف من جهة مجهولة لم أستطع تحديدها.

وخرجنا من الكهف، وسُدت الصخرة بقدرة قادر، وسلكنا في طريق الخروج، الذي جئنا منه أول مرة. ولكم كانت دهشتي عظيمة حين اكتشفت أنَّ ما رأيته حين جئنا يختلف تماماً عما أرأه الآن ونحن نغادر المكان، فقد خرجنا إلى أرض صخرية غابت عنها الشمس، واختفى عشبها وتحول مناخها الربيعي، وعادت إلى قيظها اليومي اللاهب، وعاقولها الساخن، الذي يخز الأقدام، وراح صاحبي يرشدني إلى طريق الرجوع إلى القرية، ويحدد لي الاتجاهات الصحيحة، لئلا أضيع في المرة القادمة حين أقصد المكان مع الحافظ الجديد لإرشاده للمكان لأداء الأمانة بدلاً عنه.

ورحت أحفظ الطريق بعينين مدهوشتين، وقلب غُمِرَ بفيض الإيمان، وشفتين تسبحان بحمد الله، والصلاة على رسوله الكريم وآل بيته الطيبين الأطهار…

قال صاحبه وهو يسترد أنفاسه:

- هذا هو الحفيظ يا ولدي. قريب من الناس وبعيد عنهم بذات الوقت! الذي يبدو لساكني الأهوار، وضفاف النهر من القرى والمداشر ليلاً كبركان النار الحمراء، التي لن يهتدي إليها أحد. نار كبيرة حمراء وسط الهور الشاسع، كلما سعيت إليها ازدادت عنك بعداً، وكلما نأيت عنها اقتربت منك، وأشعرتك أنَّها قريبة منك، وعلى قاب قوسين أو أدنى من ذلك، ولن تطال شيئاً من قربها أو بعدها عنك، فقط هي تذكر الناس بإلحاح مدهش باليوم القريب القادم!

منذ ذلك اليوم وأنا باق في هذه القرية بعد أن مر زمن طويل بانتظار قدوم الحافظ الجديد لأصطحبه إلى كنوز الشيعة. لكنني بعد سنوات من الانتظار عرفت أنَّ الحافظ الجديد لـ”الكنوز″ الذي عينته العشيرة “ليس إلا أنا” بعدما رأيت بعيني صدق ما كنت أعتبره من قبل “ميتافيزيقيا” وأساطير، وخرافات.

عرفت بعد ذلك كم كنت دنيوياً. كنت أريد أن أعيش كمخلوق بشري يقضي حاجاته، ويحلم بمجتمع يوفّر له بشريته، ولا يوفر له إنسانيته، التي لا تتم إلا بما هو أعلى من امتلاك شروط الحياة الدنيا. التي نظن أنَّها تحقق سعادتنا. وهي في الحقيقة لا سعادة تامة في هذه الحياة. لقد تطهرت من ذنوبي. وأمضيت أيامي في صوم وصلاة. وذقت شظف العيش مع هؤلاء الناس الفقراء. وشاطرتهم مصاعب حياتهم في الكد والترحال. وابتليت بأمراضهم العديدة.. ولبست ملبسهم وتطبعت بطباعهم، وصرت واحداً منهم، أحزن لحزنهم وأفرح في أفراحهم، وأردد دائماً “يا لها من حياة قصيرة، الكَبَد فيها أكثر من الراحة”.


كاتب من العراق مقيم في المغرب