شهريار

الجديد  محمد مزيد [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(108)]

ءجلسا أمامي، كل واحد منهما عند طرف من الأريكة، حبيبتي وصديقي، في الغرفة التي أعمل فيها داخل الجريدة. قلت لصديقي “اسمع، هذه الفتاة التي تجلس بجانبك هي حياتي، هي نبض قلبي، أريدك أن ترعاها أثناء غيابي في الجبهة وتجعلها مثل أختك، وتوفّر كل ما تحتاج إليه”.

ثم قلت لصديقي، ضاحكا، “انتهت المقابلة معك، يمكنك الانصراف إلى أقرب بار.. وسنلتقي في اتحاد الأدباء مساءً لنكمل بقية السهرة التوديعية مع الصحب”.

أخذتُها إلى شارع أبي نؤاس، وسرنا بين أشجار اليوكالبتوس حتى وصلنا إلى تمثال شهريار، حيث كانت خيوط غروب الشمس تكلل عمامته. جلستْ هي على القاعدة المرمرية، وقالت “أنت ما تتعب من المشي.. تعال استرح”.. بقيت واقفاً في مكاني أنظر إلى صاحب التمثال بضغينة، خاطبت شهريار “بلله بشرفك من أجل ماذا قطّعت رؤوس النساء الحلوات”.. أطلقت حبيبتي ضحكتها التي أعبدها، وفكرت: هل يمكن لأيّ موسيقى في العالم أن تتمثّل أنغام تلك الضحكة؟ قالت وهي مازالت تكركر بذلك الصوت الناعم “يعني لو كنت مكانه هل تقبل بالخيانة؟”.. أخذتني العزة بالرجولة “لا طبعا..”، ثم همست في أذنها “بس يمكن أسامحها إذا كانت بارعة الجمال مثلك”، فأطلقت ضحكتها ثانيةً.

في اليوم التالي التحقتُ بالوحدة العسكرية، أخذونا إلى معسكرات التدريب في التاجي، وبعد أسبوع نُقلنا إلى معسكر طارق في أبو غريب، وبعد أسبوعين نُقلنا إلى مدرسة ضباط صف المشاة في الموصل، وهناك بقينا ستة أشهر نمارس تدريبات ليس مثلها قسوةً في أيّ معسكر، حتى تخرّجنا نواب عرفاء (معلمي تدريب).. وطوال هذه الفترة كنا ننزل بإجازة بائسة يومي الخميس والجمعة لا يتسنى لي خلالها مقابلة حبيبتي، ونكتفي هاتفياً بأحاديث غزلية لا تنتهي حتى الصباح.

وجبتنا التي كان يجب توزيعها على معسكرات التدريب لنكون معلمين فيها لم تحظ بهذا الامتياز، فقد اشتعلت جبهة شرقي البصرة، واحتلّ الإيرانيون بحيرة الأسماك، ووصلوا إلى نهر جاسم، فنُقلتْ دورتنا كلها إلى الجبهة في قاطع الفرقة 11 (قوات المقداد)، ثم “انمرد”* ربع الجيش العراقي في تلك المعركة الخابئة.

بعد ثلاثة أشهر نزلنا إلى بيوتنا بسيارة “الإيفا”. وفيما الجنود الذين معي في الإجازة يغنون أغاني “يا ويلي على حبي” كنت حزيناً، بعد أن فقدت أصدقاء كانوا يطبخون لي الطعام ويعدلون منامي، ويسمونني “المسقّف”، أي المثقّف. نزلت حزيناً بسبب فقداني لأصدقائي، وفي الوقت نفسه فرِحاً بلقاء حبيبتي، حيث مُنحت إجازة عشرة أيام، كانت كافيةً لكي أرتّب شؤون الخطوبة والزواج بها.

منذ أن وصلت إلى البيت اتصلت تلفونياً بحبيبتي، وبلهفة سلّمت عليها وحدثتها كيف خرجت من الموت بأعجوبة. كنت أتكلم وحدي وهي صامته، قلت لها “غداً عند الصباح نلتقي كالعادة في كافتيريا حوار”، فقالت “أوكي”.. وجاء الصباح، وتهندمت وتعطّرت، ووصلت إلى الكافتيريا قبلها. وبعد لقاء الأحبة من الأصدقاء الشعراء والصحافيين والرسامين دخلت الحبيبة، ومعها صديقي، ففرحت بهما.. كانا يمشيان معاً، لكن على وجيهيهما ثمة وجوم، وغيوم سود.

جلسا أمامي، كانت تلصق فخذها بفخذه، دون مراعاة لمشاعري، ولاحظت أنها تحاول إخفاء يدها اليمنى، كما يفعل صديقي مثلها أيضاً.. ففهمت كلّ شيء، وضحكت منهما، بعدها ضحكت على نفسي ضحكةً سمعها كل الحاضرين في الكافتيريا.. ولم ألعن شهريار السخيف لأنه كان يقطع رؤوس النساء بسبب خياناتهن.

أعجبني

أحببته

هاهاها

واااو

أحزنني

أغضبني.


كاتب من العراق مقيم في المغرب