تستطيع أن تدعوني مخمل

الجديد  رشا عباس [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(42)]

لوحة: مايسة محمد
كان الذي كسر هو الذي نجّى. آمين. اسمي غير مهمّ. عمري 24 سنة. تستطيع أن تدعوني مخمل.

تفكّر وأنت تنظر إليّ أنّكَ لا تطيق أن أكون ابنةً لكَ، أو صديقةً لابنتكَ. لا يمكن لأحدٍ لومكَ على ذلك. يبدأ الأمر من الوشوم. تلك المنتشرة على كامل ذراعي، والتي تشوَّهَ بعضها مع الوقت، أو حاولتُ تشويهها عامدة، خصوصاً تلك التي كانت أسماء شبّان أحببتُهم فيما مضى. بعضها مكتوب بلغات، لا أعرفها. لم أخطئ يوماً في تمييز نظرات الاحتقار عندما تُوجَّه إليّ. بالتأكيد لا تريد أن تكون لكَ ابنة تُشبهني. قمامةٌ بيضاء. لستُ حتّى نمطاً من الفتيات اللواتي يمكن أن ترغب بهنّ أنتَ نفسكَ كحماقة تُبدّد بها اكتئاب منتصف العمر. أتفهّم ذلك، ولا أشعر بالإهانة.

اسمي غير مهمّ. عمري 20 سنة. بدأتُ بدراسة الترجمة في الجامعة.

مللتُ الدراسة منذ الشهر الأوّل، فكّرتُ في أنّ أغيّر الفرع، ولكنّ الوقت كان قد تأخّر، فاخترتُ أن أترك الجامعة، وأصبح ممثّلة. رغم أنّ ذلك بدا وكأنّه سهلٌ في البداية، ولكنّني لم أنجح فيه يوماً. حدث ذلك من قبل عندما ظننتُ أنّني موهوبة في الرسم، ثمّ رسبتُ في امتحان كُليّة الفنون. كان والدي يُنظّف أرض البيت عندما عدتُ إلى المنزل بوشمٍ جديد على شكل نمر احتفالاً بقراري ألا أعود إلى الجامعة مجدّداً. استمع والدي إليّ وهو يراقب موقع الوشم المتورّم. قال إنّني بدأتُ أشابه أمّي فيما أفعله، وإنّ ذلك يُخيفه. قلتُ له إنّ العمل في التمثيل يجني الكثير من الربح، وإنّني سأجعله مرتاحاً. ندمتُ فيما بعد، صحيحٌ أنّني بتّ أغيب عن البيت لأيّام دون أن يَسأل، وأتذرّع برحلةٍ إلى مدينة أخرى للقاء مخرجين وإجراء اختبارات تمثيل، ولكنّه، وفي كل مرّة يرى أحد أغراضي مَرمياً على أرض البيت وهو ينظّفه، كان يبدأ بالصياح، متمنّياً أن أتركه يعيش وحده، وقائلاً إنّه يريد أن يتزوّج مجدّداً. ثمّ يهدأ ويسألني متى سأكون قادرة على جلب نقودٍ إلى المنزل. بتُّ أتمنّى أن يعود إلى زوجته الثانية، لينسانا مرّة أخرى، كما حدث عقب رحيل أمّي. حاول كثيراً وقتها أن يعرف صلتنا بذلك الرحيل. المرّات القليلة التي أبدى فيها اهتماماً بحياتي كانت عندما يستغلّ غيابي عن الغرفة، ليفتّش هاتفي الجوّال، في غفلةٍ عن زوجته الجديدة، ليعرف إن كنتُ على تواصل مع والدتي. مع ذلك أتمنّى أن تعود تلك الأيّام، عوضاً عن جلوسه هنا طيلة الوقت، ومراقبته لي.

اسمي غير مهمّ. عمري 27 سنة. سأكون ممتنّة إذا قدّمتَ لي سيجارة.

هل تعرف لماذا أبدو هكذا؟ الفرق بيننا هو أنّك تمتلكُ جذوراً ضاربة في الأرض. لأجل ذلك تبدو نظيفاً، وابتسامتك جميلة هكذا، وأبدو غير جديرة بالثقة. كان الذي كسر هو الذي نجّى. يكاد ذلك يكون قانوناً. عندما كنتُ أوبَّخ كيافعة كان يقال لي إنّني نبتٌ شيطاني، لا جذر لي. لم يكن ذلك جارحاً. كنتُ أراقب ما حولي، لأعرف السبب الذي يجعلني هكذا، بعيدة عن الألفة، وعن أيّ اشتباكٍ عميق، عن الحميمية التي أراها تدور فيما هو حولي بحيوية متجنّبةً إيّاي. كنتُ أرى جذورهم جيّداً، تلك التي تضرب في مرآة المنزل، حيث تقف فتاة مستطلعةً مظهرها قبل أن تخرج، وحيث يظهر أقارب وإخوة وأصدقاء في كل زاوية بمعرفةٍ تامّة حول كل ما ينبغي فعله، كلّ ما ينبغي قوله، كانوا يبدون متدرّبين على ذلك، يا للغرابة، متدرّبين على حوار الحياة اليومية والخصام وابتياع الأغراض المناسبة، كانت الحميمية تسري بيُسرٍ في تلك القنوات المتشابكة كلّها، لم أكن ألقى بالترحيب حتّى عندما كنتُ أحاول نسخ ما أراه، لم أكن سيّئة في ذلك، ولكنّ تلك الأرض لم تكن أرضي، كنتُ أرى بوضوح كيف أنّني لُفظتُ منها، ولم أنبت كما خصومي أصحاب الجذور أولئك الذين استطاعوا انتزاع كل شيء رغبتُ به. مرّ وقتٌ طويل قبل أن أعرف منذ عهدٍ قريبٍ فقط أنّ الذي كسر هو الذي نجّى، وأنّ أوسمتي كانت في جيبي منذ أن وُلدتُ، عندما بتُّ أراهم، بتصلّبهم في الأتربة الوسخة، عناصر بخسة، حين تحرّكت الأرض لتنقلب إلى داخلها، كان المجد للنبت الخبيث وحده الذي تناثر بخفّة مع الريح. فليتبارك اسم الربّ، ولتقع كلمته على الدنيا كضربة سيف، كان المجد لي، لعنصري الطائش الأزرق، للعين الزائدة القبيحة التي فُتحت في صدري، ومُنعتُ طويلاً من الإشارة إليها إلا كندبة. كانت القيامة قد حلّت، وكانت الأرض لي. وصلتُ إلى هذه المدينة قبل عام. ظننتُ أنّني سأشعر بالألفة أخيراً، مع المسوخ كلهم الذين يعيشون في المكان، أشباهي. ظننتُ أنّني لن أكون غريبةً، كما كنتُ في البلد، ولكنّ ذلك لم يحصل. هل تعرف كم هو مستحيلٌ أن أجد عملاً؟ قد يرون مظهري طريفاً، اللون الأزرق في شعري، أقراط الوجه والوشوم؛ لكن، لا أحد قد يكلّفني بعمل. أستطيع طبعاً أن أرتدي ليوم مقابلة العمل ثياباً نظيفة، وأخفي ذراعيّ تحت أكمام طويلة، ولكن، ليس هذا هو القصد. إنّما هذه الهيئات وُجدت لنميّز بعضنا، ولئلا نبذل جهداً في التعامل مع مَن هم عبء علينا. نحن بلا جذور، هذه هي القصّة. لم يكن الأمر يوماً سهلاً، ولذلك أنا هنا. أشعر بالبرد حقاً من الوقوف في الطريق، والتحدّث إلى الناس المسرعين جداً.

اسمي غير مهمّ. عمري 17 عاماً. تستطيع أن تدعوني مخمل.

كنتُ وحدي في البيت. هاتفتُ أبي، لأطلب نقوداً، كي أبتاع طعاماً. طلب منّي المرور دون أن تعلم زوجته، فأغلقتُ الخطّ، ونزلتُ إلى الحديقة. جلستُ هناك قليلاً، وحاول شبّانٌ جالسون أن يرسلوا لي سلاماً مع ولدٍ متسوّل مع علكة قدّمها لي. قمتُ بسرعة، وأسرعتُ إلى ركنٍ آخر في الحديقة، حيث وُضِعت ألعاب الأطفال. اخترتُ مقعداً خشبياً فارغاً، لأجلس عليه. بعد ذلك بدقائق، جلست بجانبي امرأة سمراء محجّبة، نحيلة وطويلة، تبدو في الأربعينات. تبدو ذات جذورٍ عميقةٍ للغاية، ولا تحتاج إلى رأي أحد في حياتها. أخرجتْ من كيس نظيف سندويشة فلافل، وقسمتْ لي نصفها. خجلتُ بشدّة، لأنّ دموعي انسكبت وحدها وبغزارة منذ أن وضعتُها في فمي. كان الخبز دافئاً والأقراص ساخنة بعد. بدا أنّ هذه المرأة ذات جذورٍ حقاً كما تخيّلتُ، فهي لم تغمرني بأيّ شفقة. انتظرتْ حتّى أهداً قليلاً، لتقول لي، دون أن تسألني عن شيء، إنّها تعمل في دورة لمحو الأمية في الريف، وإنني يجب أن أعمل لئلا أشعر بالسوء، ولذلك يمكنني العمل معهم. سألتْني عن أهلي، وقلتُ لها إنّهم مسافرون. بدا لي أنّها استاءت من ذلك، وطلبت رَقْم هاتف منزلنا. انزلقتُ بشكلٍ غريب لأن أعطيها إيّاه دون أن أزوّر رَقْماً كما كان يمكنني أن أفعل بسهولة. شكرتُها، وذهبتُ إلى البيت نادمة، سأواجه مصيراً أسود، إذا عرف أهلي أنّني أبوح بمشاكل المنزل لسيّدة غريبة في حديقة. تمنيّتُ ألا تتّصل، ولكنّها اتّصلت.

اسمي غير مهمّ. عمري 26 سنة. تستطيع أن تدعوني مخمل.

لا تلمسني إذا أردتَ ألا تُطرَد خارج الحانة، الحارس العملاق ينتظر تسليته اليومية من خلال الزبائن الذين يفقدون السيطرة، ويلهو بجرّهم خارج الحانة بإذلال. تستطيع أن تنظر كما تشاء إليّ أو إلى زميلاتي هنا. قيل لي إنّ عليّ أن أبتسم لكَ، وأن أتحمّل دعاباتكَ الجنسية ريثما آخذ الطلب، ولكنّك لا تستطيع لمسي، وإلا سيحملكَ الحارس العملاق إلى الخارج. أحمل سكّيناً صغيرة في طيّات ردائي، لم أستخدمها بعد. ينادونني هنا مخمل، أنت أيضاً تستطيع أن تناديني كذلك.

اسمي غير مهمّ. عمري 30 عاماً. تستطيع أن تدعوني مخمل، وأن تقدّم لي سيجارة.

أحبّ التدخين كثيراً، ولكنّني لا أملك النقود دائماً لشراء العلب. عندما ألفّ السجائر يدوياً، فإنّ محتوياتها تقع قبل أن أدخّنها، وتشتعل الورقة فقط وحدها بسرعة. لا تخفْ، هناك مكانٌ أستطيع النوم فيه لدى أقرباء يقيمون في هذه المدينة. ولكنّني أشعر بالحرج، لأنّه ليس منزلي، ولا أدفع أجرته، لذلك أفضّل ألا يراني أصحابه خلال النهار، وألا أعود إلى هناك إلا بعد أن يناموا. الساعة الآن الحادية عشرة، ولم يتبقّ وقتٌ طويل حتّى أتمكّن من العودة. أنا لا أعمل في البغاء كما ظننتَ، لكنّني أحبّ هذه الملابس وحسب؛ أحبّ هذه المباهج المزيّفة الصغيرة، وحسّها المصطنع السوقي. رغم أنّني أشعر بالإطراء لسؤالكَ ما إذا كنتُ أقدّم خدماتٍ جنسية، وأحترم وحدتكَ، ولكن، للأسف كلّ ما أستطيع فعله هو أنّ أحكي لكَ قصّتي، لتشعر أنّك عشتَ تجربةً خاصّة. أطلب فقط مقابل ذلك أن تقدّم لي سيجارة، أدخّنها ريثما يأتي الباص، وأتمكّن من الذهاب، لأنام اليوم.

اسمي غير مهمّ. عمري 17 عاماً. تستطيع أن تدعوني مخمل.

رنّ الهاتف كثيراً. كنتُ أخشى أن أردّ، أردتُ أن أوحي لمرأة الحديقة التي أظنّ أنّها المتّصلة أنّ هذا المنزل قد هُجر فقط، ولن يردّ أحد يوماً. علّها تتوقّف بذلك عن الاتّصال، ولا تكتشف أمّي، إذا عادت يوماً إلى المنزل، أنّني حكيتُ للغرباء مشاكل المنزل. عزمتُ مرّة على الرّدّ وتغيير صوتي والكذب عليها على الهاتف قائلةً إنّ الرَّقْم خاطئ. كانت هي كما توقّعتُ. سألت عنّي. وعوضاً عن المضي في خطّتي، ادّعيتُ أنّني شقيقة لي. قالت سائلة عنّي: هل تخرج كثيراً من البيت؟ سكتُّ، فنادتْني باسمي، اسمي غير مهمّ. أغلقتُ السماعة، ونزلتُ من المنزل.

اسمي غير مهمّ. عمري 26 عاماً. تستطيع أن تدعوني مخمل.

الحارس العملاق ليس مَن أخرج معه، مع ذلك لا تجرّب أن تلمسني في أثناء عملي، كي لا يرميكَ خارجاً. في نهاية الأمر، رُميتُ أنا خارجاً. ذلك كلّه من أجلها، اسمها غير مهمّ أيضاً. اقتنعتُ أنّها الشخص المناسب لي، وكانت نقطة بيضاء وحيدة في كل السوء الذي يجري. كان لها أنفٌ مدبّب طريف المظهر. لم تكن قادرة على التعامل مع ذلك الزبون الذي أخذ يناديها كل دقيقة بذريعة الطلبات، ليتحدث إليها، ويُحرجها. كان وجهها الشاحب يحمرّ، واستطعتُ أن أرى كم هي متشنّجة بسببه. توجّهتُ إلى الطاولة دون تردّد، كنتُ أتلمّس السّكّين الصغيرة في جيب ردائي. “هل لمسكِ الزبون، يا مخمل؟”. لم أجبْ على سؤال مديرة الحانّة، طلبتْ منّي مديرة الحانة أن أترك العمل. لم أعد أرى تلك التي طُردتُ من أجلها بعد ذلك. تحدَّثتُ إليها مرّة بعد سنوات، وعلمتُ أنّها عادت إلى منزل أهلها، ثمّ تزوّجت، والآن لديها أولاد كثيرون وحلوون، يملؤون عليها المنزل. كانت قد ضربت بجذورها في أرضٍ مباركة، وكنتُ لا أزال أركب الريح، معلّقة إلى قبّة الدنيا من وشومي الشوهاء وشعري الأزرق.

اسمي غير مهمّ. عمري 30 عاماً. تستطيع أن تدعوني مخمل.

أمضيتُ من الوقت أكثر ممّا يلزم وأنا أحاول الحديث مع أحد في الخارج، وكان القطار الأخير قد غادر اليوم. ليست هذه المرّة الأولى التي سأمضي الليلة فيها في الطريق. شققتُ طريقي بصعوبة بين سيول المطر، كان ذلك أكثف هطولٍ رأيتُه منذ سنواتٍ طويلة، لم يكن صباغ الشعر البخس الذي أستخدمه قادراً على الصمود طويلاً. عمري 30 عاماً واسمي غير مهمّ. في دنيا الصقيع كنتُ سأُسمَّى نبية، أحمل الوحشة على كتفيّ افتداء للآخرين في المُدُن المخدَّرة، وتقطرُ قصّتي طلاء شعر أزرق على طول الطريق. من هذا الأثر، ستنبتُ أسطورتي أخيراً من قلب الأرض، مقاعد خشبية زرقاء للضالّين، لا يُتلف لونَها المطرُ، يجلس عليها بانتظارك أناس يُخرجون من أكياسهم البيتية النظيفة ما يُؤكَل، ويسألونك بإلحاح عن رَقْم منزلك. آمين.

من مجموعة قصصية تصدر عن "منشورات المتوسط"


كاتبة من سوريا

مقالات أخرى للكاتب:

  • ثلاث‭ ‬قصص