كاتب الأطفال يسير على حد السيف

الكتابة للطفل بداية التنمية المستدامة

الجديد  هويدا صالح [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(82)]

لوحة: محمد عرابي
منذ أن بدأت مشواري الإبداعي كروائية وكاتبة قصة قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما، وأنا أسأل نفسي كيف يمكن أن نكتب أدبا للطفل يجمع له كل مكوّناته الثقافية في النص السردي دون أن نُغرّبه عن الواقع المعيش؟ ويظل سؤال الهوية الذي تتصارعه عناصر التراث وعناصر الحداثة سؤالا محيرا، مستحقا للطرح والمناقشة الجادة من قبل المعنيين بالأمر، فهل أطفالنا في العالم العربي مكتوب عليهم طوال الوقت أن نعود بهم للتراث لنمتح منه نصوصا ونقدمها لهم دون أن ندرك أنهم يعيشون في القرن الحادي والعشرين ويتعاملون مع منتجات معرفية حداثية يوفّرها لهم عالم الميديا الجديد؟ كيف يتصوّر كتّاب الأطفال أنهم يعدّون دون أن يدروا أطفالا للعيش في الألفية الثالثة بما فيها من طفرات معرفية مخيفة وهم يعتنقون الفكر النكوصي الراديكالي الذي يقدّم التراث، فلا تفارق كتاباتهم ما طُرح في كتب التراث، وخاصة”كليلة ودمنة” وكذلك الحكايات التراثية الشفاهية؟

لا أحد ينكر أهمية استعادة عناصر التراث التي هي جزء أصيل من هويتنا الثقافية، لكن ثمة أسئلة يجب أن نطرحها على أنفسنا ونحن نفكّر في الكتابة للأطفال من أهمها: كيف تتم هذه الاستدعاءات في النصوص السردية المقدمة للطفل؟ هل يستعيدها كُتَّاب الأطفال كما هي دون الاشتغال عليها من أجل تنمية الوعي؟ وهل يدرك الكُتَّاب أهمية كتابة الحكاية التراثية من زاوية رؤية مختلفة ومغايرة تمكّنهم من تمرير ما يريدون من قيم تغذّي العقل وتنمّي الوعي؟

كلما قرأت قصة “سندريلا” أو “ليلى والذئب” في نصوص حداثية ولا تفارق النظرة التراثية، أقول المفروض أن يغيروا من نهايات هذه القصص أو تخطيطها الدرامي ويقدموا للصغار نظرة نسوية تنتصر للمرأة ولا تجعلها تابعة ومنقادة ولا تمتلك الوعي الذي يجعلها تقرّر مصيرها، أليس من هذه القصص يتربى الوعي الذكوري أو الوعي النسوي.

حتى القصص الحداثية العادية التي تنطلق دراميا من الواقع دون أن تعتمد على التراث، تقع في مآزق عديدة مثل السطحية والمباشرة والصيغ الوعظية، وكأنهم يتصوّرون أن وعي الطفل لن يتمكّن من الفهم إلا عن طريق المباشرة؛ فمعظم كتّاب الأطفال يعجزون عن الفهم العميق لنفسية الطفل، ولا يحترمون مستوى ذكائه، ولا يعرفون أن طفل اليوم قد صار أكثر وعيا من طفل الأمس، ولذلك فإنهم لا يقدّمون له مفاهيم قادرة على إثارة مخيلته، ومساعدته على أن يكون إنسانا قادرا على التصالح مع الذات وقبول الآخر المختلف، كي يصبح فاعلا وقادرا على التعامل مع مفردات الحياة اليومية المختلفة. كما أن الكتابة للطفل يمكن أن تساعده على تحسين أدائه وتهذيب وجدانه لما تثير فيه من العواطف الإنسانية النبيلة، من خلال مواقف شخصيات القصة أو المسرحية التي يقرؤها الطفل أو يسمعها أو يراها ممثلة، فيندمج مع شخصياتها ويتفاعل معها. بل إننا عبر القصص يمكن أن نعزّز داخله مفاهيم العلم والمعرفة والتأمل والتفكير، إضافة إلى ما يمكن أن نعزّزه من قيم الانتماء والوطنية.

إن غاية الثقافة تكمن في إعداد الإنسان المدرك لحقيقة وجوده والواثق بقدرته على التغير نحو الأفضل، القادر على أن يعيش اللحظة الراهنة في سلام مع العالم، وما يحتاجه وطن يسعى للتنمية المستدامة للإنسان يبدأ بأن يلتفت للأدب الموجه للطفل أن يؤمن القائمون على هذا الوطن أهمية تنمية المشاعر الوطنية من خلال الاستثمار في الإنسان؛ فالثقافة تمثل الخيار الأول لدى الأمم المتحضرة في سلم القيم لما لها من أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية؛ فعلى الدولة التي تعي ما يُنتَظر منها أن تعكف على إعداد مواطنيها منذ أن يكونوا أطفالا من خلال رعاية كُتَّابها وتهيئة المناخات اللازمة لهم ليتفرغوا للكتابة للأطفال.

صحيح أن عهد الثقافة الشمولية قد انتهى ولم يعد منتظرا من الدول إنتاج الثقافة بشكل شامل، لكن -على الأقل- يمكن لدولة ما أن ترعى مثقفيها وكتّابها حتى يتمكّنوا من إنتاج خطاب ثقافي واع وغير موجه في ذات الوقت. ندرك جميعا في هذه اللحظات الحرجة من عمر الدول العربية احتياج واقعنا العربي إلى ثقافة حقيقية واعية وقادرة على إعداد مواطن مثقف ومتحضر.

هل من حق كلّ من امتلك موهبة الإبداع السردي أو الشعري أن يكتب للطفل؟ هل يصبح قادرا على الوصول إلى عقل الطفل في خطاب سهل لا يصل إلى حد المباشرة، عميق لا يصل إلى حد الغموض؟

قال تولستوي يوما حين سُئِل عن الكتابة للطفل ولماذا لا يكتب له “لم أصل بعد إلى مستوى هذه العبقرية”. إن الكاتب النرويجي هانز أندرسن كان يكتب القصة والرواية والمسرحية والشعر، وحين سئل عن كتابة الأطفال قال ربما أمتلك الجرأة يوما، لكنه أخذ هذه الخطوة بعد ذلك بسنوات، ليكتب لنا أعظم كتب الأطفال وأشهرها في العالم ومن بينها “البلبل” و”ملابس الإمبراطور” و”بائعة الثقاب” و”الحورية الصغيرة” وغيرها من روائع كتبه.

وبعد كل هذه السنين من التردد قررت أن أنشر ما كتبت من قصص للأطفال.

كانت أول رواية كتبتها عن مصر القديمة، مصر الفرعونية، عن طفل كان يعيش في الدولة المصرية القديمة ويتردد على “بيت الحياة” يتناول معارفه في الفلك والعلوم ويتعلم النحت والتصوير، ويساعد والده في ورشة الرسم التي يملكها، وحينما يأتي الغرباء ويغتصبون الوطن يقرّر أن يترك بيت الحياة ويذهب للبحث عن حلّ يقاوم به الغرباء. ويحدث أن يخرج في رحلة من الجنوب إلى الشمال حيث يكون الغرباء، وهي رحلة تشبه رحلة أحمس طارد الهكسوس. صحيح أنني كنت مهمومة بقضية كبرى بالنسبة إليّ، لكن نبل القضية لم يأت على حساب الفن، لم أهمل جماليات الكتابة لأنني فقط أكتب قضية كبرى، بل حرصت أن أقدم هذه القضية النبيلة في بناء فني وجمالي يمتّع الطفل ويحقق الحدّ المتوقع من الجماليات.

كلما قرأت قصة “سندريلا” أو “ليلى والذئب” في نصوص حداثية ولا تفارق النظرة التراثية، أقول المفروض أن يغيروا من نهايات هذه القصص أو تخطيطها الدرامي ويقدموا للصغار نظرة نسوية تنتصر للمرأة ولا تجعلها تابعة ومنقادة

وكذلك الأمر بالنسبة إلى بقية قصصي، فإنني معنية بالمقام الأول بأن أقدم للطفل مفهوما أو قيمة تستحق أن تخلد في كتاب دون أن تتعارض مع المفاهيم المعرفية والمنطقية.

أذكر يوما أنّني قرأت في قصة لكاتب ما أن الزرافة أكلت أرنبا، وفي هذا النص مغالطة منطقية لا يمكن أن نمررها بحجة الخيال، فالأرنب ليس في الدورة الغذائية للزرافة، فكيف أكتب للطفل نصا وبحجة الخيال أهدم له قيمة معرفية علمية؟

كما أنني قرأت يوما نصا لكاتب يتحدث فيه الطفل بطل النص بعنصرية ضد المعاقين، فالأمّ في حوارها في النص تقول إنها “تقول للأعور يا أعور في عينه” أليس في هذا النص هدم لقيمة الحفاظ على الآخر المختلف وينال منه؟ ما هي القيمة التي يسعى كاتب نص مثل هذا أن يوصلها للطفل بأن نسرّب إليه دون أن ندري أن قول “يا أعور” للأعور هو دليل على الصراحة، أليس في هذا تعليم الطفل قيمة سلبية؟

كما أنني قرأت يوما قصة لكاتب مغربي لا أتذكر اسمه وكانت القصة عن دجاجة قرّرت يوما أن تصير ديكا، وبدلا من أن يجعل الكاتب الدجاجة تنجح في مشروعها جعلها تفشل في ذلك فشلا ذريعًا، بل جعل الدجاجات يسخرن منها ويعايرنها بهذا الموقف، ويقلن لها نحن خلقنا الله دجاجات ضعيفات والديوك يحموننا، أليس في هذا النص دون أن يدري الكاتب ترسيخا لثقافة ذكورية تنال من المرأة ومن قيمتها في المجتمع؟ وهل من حقنا -بعد ذلك- أن نتساءل من أين تأتي العنصرية ضد النساء في مجتمعاتنا العربية؟

من هنا تأتي صعوبة الكتابة للطفل، لأننا كثقافة عربية تمتلئ مفرداتنا اليومية وأمثالنا الشعبية -دون أن ندري- بمقولات عنصرية وطائفية تنال من المختلف. هل يعي كتّاب الطفل أن من الواجب عليهم أن ينقوا لغتهم وينقّحوها ويجّنبوها كل مقولة يمكن أن تنال من الآخر المختلف؟ إن كاتب الأطفال يسير على حد السيف، أو يسير على صراط رفيع مرتفع، وعليه أن يحفظ توازنه وإلا وقع لو مال يمينا أو يسارا، فهل بالفعل يعي كتابنا خطورة المسؤولية الملقاة عليهم؟ هل يفكرون في كل جملة يكتبونها وينقّونها من شوائب التفكير الجمعي الكامن في اللاوعي؟

إنني لو كتبت قصة “ليلى والذئب” منطلقة من القصة التراثية سوف أجعل ليلى فتاة واعية ومختلفة ولا تنخدع بالذئب الذي يتخفّى لها في ملابس جدتها، عليَّ أن أصوغ ليلى أخرى تمتلك الوعي الذي تكشف به حيل الذئب ولا تنخدع به، لأن النساء يجب ألا ينخدعن طوال الوقت، بل يجب أن يمتلكن الوعي للخروج من المكائد والفخاخ المنصوبة لهن.

كذلك أتمنى أن أكتب قصة رادوبي أو سندريلا، ساعتها سوف أجعل رادوبي أو سندريلا تسحر الأمير ليس بجمالها فقط، بل بحجة منطقها وقوة شخصيتها، سوف أجعلها تذهب للحفل بإرادتها وأن تقاوم زوجة أبيها التي تهمّشها. لن أدع الجنية الطيبة هي التي تقدم لها الحل. بل يجب أن ينبع الحل من داخلها، وليس من قوى عليا.

إنّني أتمنى أن أمتلك رؤية وفلسفة تشتغل على مساحات الوعي التي ترقى بمستوى الفكر للطفل العربي. فلسفة تنبني على أن الأدب الموجّه للطفل ليس هو فقط الأدب الذي يعنى بالحكايات والقصص فقط. بل إن هذه الفلسفة، إلى جانب القصص والحكايات والروايات، تشمل الثقافة التي يمكن أن توجّه للأطفال والناشئة، أي الثقافة في معناها الأشمل، والتي تتضمن محاور ومناحي المعرفة في شتى مجالاتها كالأدب والفن والعلوم والفلسفة والفكر.

فبناء رؤية لدى الطفل لا يتأتّى فقط بسرد حكايات، بل بتقديم جرعة مبسّطة من المعرفة في شتّى المجالات. إنني أتمنى أن يكتب الكاتب العربي برؤية تنبني على فلسفة العلم، ليس العلم المتخصص، وإنما آليات التفكير العلمي في البحث عن المعرفة؛ فالمعرفة هي الهدف الأسمى لأنّ العلم متخصّص وضيق أما المعرفة فواسعة وشاملة؛ وذلك كي يكون بوسعنا أن نخلق قارئا يتمكّن من قراءة الأدب والعلوم والفلسفة وعلم الجمال، فيصبح مؤهلاً لأن يتمتع بالتفكير الناقد.


روائية وناقدة من مصر

مقالات أخرى للكاتب:

  • وهل نجح غيرهم في كتابته؟