حرس سوهارتو الأفظاظ

الجديد  وجدي الأهدل [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(94)]

لوحة: نورا زنته
استقبل الرئيس (سوهارتو) الوفد الإعلامي الفرنسي الذي وصل إلى إندونيسيا لإجراء مقابلة تلفزيونية مع فخامته.

حين أتى الدور على (جان) مقدم البرنامج لمصافحة الرئيس، مشى مُفرّجاً بين ساقيه وكفه الشمال أسفل ظهره، وتكلم متظاهراً بـ”الإعياء” وهو يُنقّل بصره بين الرئيس ومترجمه:

جان: سيدي الرئيس حرسك الخاص، هؤلاء الأفظاظ.

سوهارتو: (أمال رأسه للأمام وكأنه يريد أن ينطحه) ما بهم؟

جان: لقد فتشوني ثلاث مرات وبخشونة تصل إلى حد التحرش!

سوهارتو: (يشخر ساخراً منه) خخخ! جميع وزرائي وقادة جيشي يتعرضون لهذا الإجراء يومياً ولم أسمع أحداً منهم يشتكي.

جان: إذا كانت الترتيبات الأمنية مشددة هكذا فإن أيّ وزير أو قائد عسكري يعمل تحت إمرتكم لن يمر عام إلا وقد أصبح مثلياً بسبب التفتيش الذي لا يكل في مناطقه الحساسة!

ضحك (سوهارتو) وأسرّها في نفسه.

جهز الفرنساويون الكاميرات والميكروفونات ولمبات الإضاءة وانتظروا ريثما يفرغ فني الماكياج من توظيب السيد الرئيس.

قبل الإذن بإجراء المقابلة، دخل ساحر نحيل مُحدّب القامة، سحنته لا تشبه سحن الجاويين، في رأسه فجوتان كبيرتان فيهما عينان صغيرتان، ورائحته كروحه مُقبضة. قام بالتعزيم مستعيناً بالبخور لتحصين سيد الأمة من الأرواح الشريرة.

أكل فخامته طبقاً من “البودنج” وبعد ذلك أعلن أنه صار جاهزاً.

بعد جولة من الأسئلة الروتينية الباردة، دخل (جان) على خط الأسئلة الساخنة:

جان: فخامة الرئيس، هناك اتهامات لسيادتكم بأنكم تحكمون الشعب بالحديد والنار.. ما هو ردّكم على هذه الاتهامات؟

سوهارتو: هذه مبالغات.. المعارضة كما تعرف تحب أن تشوّه سمعتي.. الحقيقة أنني أحكم هذا الشعب ب”…” فقط.

جان: (يهز رأسه ولا يُخفي امتعاضه) هذه شجاعة أدبية من فخامتكم أن تعترفوا علناً لوسائل الإعلام والعالم بسر بقائكم الطويل في السلطة.

سوهارتو: سأفشي لك سراً آخر، أنا رُزقتُ بقوة ألف رجل، ولذا أنا المؤهل أكثر من غيري لحكم هذه البلاد! (يضحك ضحكة فاسقة وتتموج كرشه الكبيرة).

جان: هل صحيح أن الـ”C.I.A” صوّرت لك فيلماً جنسياً مع إحدى عشيقاتك وأنهم يبتزونك بهذا الفيلم؟

سوهارتو: أنا مثلك سمعت بهذا الكلام ولكن لم يصلني أيّ شيء رسمياً.. وأنا أنتهز فرصة هذا اللقاء التلفزيوني لأقول للأميركان إذا كانت لديكم أيّ أفلام جنسية فإنها لن تخيفني.. أنا فخور برجولتي، وعندما تُفرجون عنها فسوف أطلب بثها على التلفزيون الحكومي الإندونيسي لكي يعرف الشعب أنني فحل!

ينفجر المخرج والمصورون في الضحك بعدما سمعوا جواب فخامته من فم المترجم.

جان: المعارضة تتهم الرئيس سوهارتو بتزوير نتائج الانتخابات.. ما هو ردكم على هذه المزاعم؟

سوهارتو: (يُقوّس أصابعه كمخالب نسر ويُصوّبها في وجه مُحدّثه) أودّ أن أرد على سؤالك بسؤال.. هل إله الكون ديمقراطي؟

جان: (يفكر) آه.. لا.

سوهارتو: بالطبع لا.. ولكن لو افترضنا جدلاً أن هناك انتخابات.. قل لي بصراحة يا جان، لمن كنت ستصوّت؟

جان: أنا شخصياً لربما كنت سأقف في صف المعارضة وأُصوّت لمصلحة الشيطان (يضحك حتى تتورد وجنتاه).

سوهارتو: الديمقراطية أكبر أخطاء هذا العصر وأنتم السبب.. هل تعلم لماذا إله الكون ليس ديمقراطياً.. لأنه لو سمح بإقامة انتخابات على طريقة الرجال البيض الحمقى فإن الاحتمال الأرجح أن يفوز الشيطان ويُزيح الإله من عرشه! الإله ليس ديمقراطياً لأن حكمته لا متناهية، وكذلك أنا.

جان: سيدي الرئيس يقال إنك تستعين بالسحرة للقضاء على خصومك؟

سوهارتو: (يُضيّقُ إحدى عينيه) نعم.

جان: هل يمكن أن نتوسع أكثر حول هذه النقطة؟

سوهارتو: لديّ لفيف من السحرة والساحرات رهن إشارتي، ومهمتهم التنبؤ بخصومي المستقبليين فأردعهم قبل أن يشرعوا فعلياً في أذيتي.

جان: أفهم أنك تعاقب الأبرياء لمجرد الشك في أنهم سيعارضونك مستقبلاً؟

سوهارتو: نعم.

جان: ولكن هذا فظيع.. لم يسبق في التاريخ كله أن عوقب مواطنون بالسجن والموت على جرائم لم يرتكبوها بعد!

سوهارتو: أتمنى أن تقرأ التاريخ وتحاول الفهم حقاً.. أنا قرأت التاريخ بدقة واستنتجتُ أن تاريخ البشرية بإيجاز شديد هو أن تقتل عدوّك قبل أن تتاح له الفرصة ليصير عدوّا لك.

جان: يبدو أننا نقرأ في تاريخين مختلفين!

سوهارتو: (يرد بغلظة) لا.. هو التاريخ نفسه.. ولكنك أعمى بسبب المثالية الزائفة التي تربّيت عليها في الغرب.. ماذا عن فرعون مصر الذي أعدم جميع المواليد اليهود في سنة معينة للتخلص من عدوّه موسى؟ وكذلك الرومان الذين أعدموا المواليد خوفاً من ظهور المسيح.. في العصور القديمة كانوا يقتلون أعداءهم بعد خروجهم من بطون أمهاتهم مباشرة، وأما أنا فأكثر رحمة منهم، وأسمح لأعدائي أن يعيشوا سنوات أكثر.

جان: (بلهجة حذرة) هل أخبرك هؤلاء السحرة عن نهايتك؟

سوهارتو: لقد أخبروني عنها، وأنا ممتن لله على نهايتي الطيبة.

انتهت المقابلة على خير وارتاح فريق العمل. صحبهم فخامته مودعاً إلى بوابة قصر “مرديكا” ويده مشبوكة بيد (جان) تعبيراً عن المعزة التي يكنها له، تأثر (جان) بهذه اللفتة الكريمة:

جان: سيدي الرئيس سعدنا باللقاء معك.. بكل صدق أجزم أن هذه هي أهم مقابلة تلفزيونية أُجريها عبر مساري المهني على الإطلاق.

سوهارتو: ولعلها الأخيرة.

جان: (يبتسم ويميل بجذعه للخلف) لماذا؟ هل تنوي سجننا؟

سوهارتو: لا.. ولكن الساحر الذي رأيتموه يباركني أخبرني أن مكروهاً سيحدث لكم.

جان: (يقهقه ويطرق جمجمته بسبابته ثلاث مرات) هل أخبرك كيف بالضبط؟

سوهارتو: قال إنه رأى كل شيء (تتندى عيناه بالدمع) ورغم ذلك سوف أفعل ما بوسعي لتنجو يا جان.

شحب وجه (جان). اليقين الذي كان يتكلم به الرئيس وصل أثره إلى نخاع عظامه.

في اليوم التالي أراد (جان) خداع الرئيس، وبدلاً من أن يتوجه إلى المطار، ذهب مع طاقمه إلى الميناء واستقلوا سفينة ركاب متجهة إلى سنغافورة. برّروا الأمر لمرافقيهم -وهم ضباط أمن بملابس مدنية- أنهم يرغبون في التمتع بمباهج واحدة من أجمل مدن آسيا قبل عودتهم إلى أوروبا. وبالطبع لم يكن يحق لأيّ أحد اعتراضهم، ولا حتى الساحر العربي الحضرمي، وعموماً سارت الأمور على ما يرام، ووصلوا بسلامة الله إلى الجنة.


كاتب من اليمن