العاشرة صباحاً

الجديد  تمام هنيدي [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(108)]

لوحة: هيلدا حياري
لم يكن من المحبّب أن يتغيّب أحدٌ عن الاجتماعات في شركة «دلتا كيو»، يعرف الجميع هذا، بمَن فيهم «رام»، مع ذلك، استرق الأخير النظر إلى معصمه؛ ليجد العقرب المشاكس وقد استقرّ عند الساعة العاشرةِ، ما يعني أنه تأخّر اليوم بسبب هذا الاجتماع اللعين. هبّ واقفاً، اعتذر من المجتمعين بصوتٍ هادئ ومهذّب، جعل من لومه على الرحيل أمراً في غاية الصعوبة. مشى في الممرّات كمَن يسابق الوقت، كان عليه التظاهر بعدم معرفة بعض الأشخاص الذين مرّوا به مبتسمين، فيما يسترق النظر إلى الساعة، كأنه يخاف أن تفلت من معصمه، خفتتْ كلّ الأضواء من حوله، وبدت نافذة المقهى كالضوء في آخر نفقٍ مظلم.

وصل أخيراً، ووقف أمام إحدى النوافذ العملاقة في مقهى الطابق الثالث؛ ليكتشف أنه قد تأخّر فعلاً، لم تنفعه خطواته المتباعدة، ولم يجدِ اعتذاره عن متابعة الاجتماع، فها هي تطفئ سيجارتها، وتعود أدراجها نحو المبنى، لن يتمكّن من مراقبتها، كما يفعل كلّ يوم، ولن يستطيع حمايتها من عيون الآخرين، كما يظنّ أنه يفعل عادة. لم تمض ثوانٍ قليلة حتّى اختفتْ بجسدها الممتلئ، وشعرها الذي تغزوه الرياح فجأةً، فيصبح مجنوناً كبحرٍ هائج. طلب قهوته، كأن شيئاً لم يكن، بالرغم من أنه شعر في قرارة نفسه بأمعائه تعتصر حزناً، مثل السيجارة التي خنقتْها في المنفضة.

****

أيّ صدفة هذه التي قد تقود أجمل صبيةٍ عزباء في الشركة لأن تجلس إلى جانب شابّ وسيم، كاد يقترب من أن يعتاد حياة العزوبية للأبد. كان هذا في احتفال الشركة بذكرى تأسيسها الخامسة، لم يكن ينوي الذهاب أساساً، ثمّة ما أرغمه على الحضور، إنه القدر حتماً! كان قد سمع عن شقراء الطابق الأوّل بضع مرّات منذ تعيينها في قسم المشتريات. قابلها صدفة مرّتين أيضاً؛ في الأولى، كانت تلتهم سيجارتها في المكان المخصّص للتدخين خارج المبنى، وفي الثانية كانت تهمّ بركوب سيارتها الصغيرة؛ لترحل تاركةً خلفها الكثير من العيون التائهة.

ها هي بجانبه الآن، يكاد يشتمّ رائحة جلدها الخالي من العطور المركّبة، ويسمع دقّات قلبها. لمع خلخالٌ فضيّ أمام عينيه، وكان كافياً لتجميع بقاياه المنثورة في أرجاء المكان. هذا هو الوقت إذنْ، كلمة الرئيس التنفيذي مملّة كالمعتاد، نظر إليها، وتصرّف دونما تخطيط، وضع علبة من العلكة الثمينة أمام وجهها، وابتسم ببلاهة. معتادةً على هكذا نوع من المواقف، التفتتْ إليه بسرعة، كانت عيناها لا تشبهان شيئاً في الدنيا، حطّمتْ لحظةَ تأمّلهِ ضحكةٌ خفيفة، خرجت رغماً عنها، تبعها انفجارٌ من الضحك، جعلها محطّ أنظار بعض الأشخاص حولهما.

تسارعت دقّات قلبه، وشعر أنه على أعتاب سكتةٍ قلبية، لم تتوقّف عن الضحك، بالرغم من محاولاتها، سرعان ما ظهرت طفلةً بريئة، بهيئةٍ أشبه بحوريات البحر. لم تتوقّف عن الضحك، وبدأ يتعرّق كمراهق، ويمسح جبينه، ويمتصّ شفتيه بحركةٍ لا إرادية. هدأ صوتها قليلاً، وباتت ضحكاتها متقطّعة، نظرتْ إليه مجدّداً؛ لتجده على بُعْد ضحكة واحدة من الذوبان خجلاً. “يا إلهي، لو سألتَني عن الوقت، لكانت طريقةً أقلّ كلاسيكية من التي قمتَ بها”، قالتْ، وقد عادتْ للضحك المتقطّع. اختفى الخجل فجأة، وقد شعر أن خبرة ثلاثين عاماً على هذا الكوكب، كان يجب أن تقدّم شيئاً أفضل حقاً من الذي فعله.

- حسناً، أظنني قد أضعتُ للتوّ فرصتي الوحيدة لجذب انتباهكِ.

قال، وقد اقترب من وجهها؛ كي لا يَسمعه أحد.

- الاحتفال ما يزال في أوّله، جرّبْ شيئاً آخر، قد ترغب بسؤالي عن حالةِ الطقس مثلاً.

- إذاً، لننسَ ما حصل، ونفترض أنني وصلتُ للتوّ إلى هذا الحفل المُملّ، وفجأةً لاحظتْ شقراء فاتنة تجلس إلى جانبي، هل أظهر أيّ تحسّن الآن؟

- مممم… تابع.

- أنا «رام»، مدير قسم المالية، منذ ثماني سنوات، وحياتي تغزوها الأرقام، ولا شيء سواها، اعذري ارتباكي.

ابتسمتْ، ومدّتْ يدها مصافحة إياه قائلةً: “أنا ليلى”.

انقضتْ ساعات الحفل الثلاث بكلّ ما تضمّنتْه من خُطبٍ وكذبٍ وطعام، استلم كثيرون جوائز تقديرية وتحفيزية، واحتفظ رام بالجائزة الكبرى هذه المرّة، فبعد ثمانٍ وأربعين ساعة من الضحكة الأولى، سوف يقابل «ليلى» على العشاء. هكذا اتّفقا، لم يحتجْ أكثر من التمعّن في بحر عينيها حتّى يعلم أن التي كانت تجلس بجانبه هي فرصة العمر التي سمع عنها منذ سنوات. تلك التي تأتي مرّةً واحدة، كما يقولون، وترحل، إن أفسح لها طريق الرحيل.

دخل بيته دخول الفاتحين، منصوب القامة ومرفوع الجبين، يدندن أغنية «كليف رتشارد» التي سمعها في أثناء توزيع الجوائز، كانت «ساندي» بعينيها الزرقاوين تراقبه مذ دخل باب البيت، كان فرحاً بشكلٍ لا يُوصف، جلستْ تحدّق به مستغربةً هذه الطاقة الإيجابية الكبيرة، تمدّدتْ على الأريكة بقربه، تنتظر أيّ لمسةٍ منه، توحي بالحنان، تظاهر أنه لا يراها، لا يعرفها، ثمّة شيءٌ أهمّ من «ساندي» يلوح في أفقه هذه الليلة، أهمّ من أيّ شيء حصل معه منذ سنوات.

على عكس عادته، لم يسرع لسماع الأخبار، خلع ربطة عنقه، وفتح أزرار قميصه كسكّيرٍ خمسينيّ في حانة عتيقة، ذهب إلى المطبخ، وتبعتْه ساندي بخفّة، كانت تنظر إليه بتمعّن، هذه المرّة لم تفهم تصرّفاته الغريبة. ها هو في المطبخ الآن، ليس جائعاً، لكنّه يحتاج لأن يبتكر شيئاً جديداً، كطبقٍ صعب! مشتْ، وتمدّدتْ مجدّداً على الأريكة، وتظاهرتْ بعدم الاكتراث، ونامتْ.

وصل قبل الموعد بقليل، كان يريد أن يراها، وهي تدخل المطعم، تلبس فستاناً قصيراً أحمر اللون مكشوف الظهر، يُظهر أولى عظام عامودها الفقري، تمشي بهدوء؛ حيث يُسمع دويّ كعبها العالي بوضوح، انتظرها، تدخل بشعرها المتطاير وعطرها الربانيّ الذي يضيع في الجوّ؛ ليشكّل غيمةً، تتبعها حيث تمشي، كان على يقينٍ بأنها لن تتخلّى عن جمال وجهها مقابل مستحضرات التجميل، بعض البودرة فقط، وخطٌّ غليظٌ من الكحل، يُظهر حدّة عينيها البدويتين.

لوحة: محمد ظاظا

سوف تجلس أمامه بصدرٍ خجولٍ، يُظهر -فقط- ما يستحقّ هذا الكون البائس أن يرى. رشف قهوته باستمتاع؛ لتقطع حلم يقظته، وتدخل بشعرٍ مربوطٍ، يشبه شعر الفَرَس في مسابقات الجمال، تخفي قدميها بحذاءٍ صغير، رُسم عليه بعض الخطوط بألوان مختلفة، يعلوه ثنائيّ من الجوارب القصيرة. كانت تلبس بنطالاً من الجينز الأزرق، وتظهر على صدرها المخفيّ صورة رجلٍ ما، ظنّه رام مغنّياً أجنبياً قديماً، تمشي بثقةٍ، تثير الغرائز، جلستْ أمامه بشفتين مبتسمتين: “لم أتأخّر عن الموعد. لكنْ؛ يبدو أنني تأخّرتُ عليكَ” قالت، وقد بدأت تسكب كأساً من الماء.

لم يعتد رام هذه العفوية من أيّ أنثى سابقاً. كان واضحاً أن الحبّ قد وقف على الباب منتظراً انقضاء الوقت فقط. عاد إلى منزله تلك الليلة مندفعاً نحو «ساندي»التي كانت قد أنهتْ عشاءها للتوّ، لاحظتْ لهفته، فازدادتْ إصراراً على التجاهل، بطحها أرضاً، وأمسك ببطنها النحيل، وبدأ يداعبها، ويغنّي، يمسح على جسدها، ويجلسها على فخذيه رغماً عنها. لم تكن ساندي قطّةً عادية، كانت صديقةً تجيد الإصغاء، وحفظ المسافة بينها وبينه. عايشتْه في حالاتٍ، يصعب على أيّ إنسان تحمّله بها، كانت مستقلّةً عنه نوعاً ما، غير متطلّبة، تعرف أين طعامها وشرابها وسريرها، كما تجيد استخدام المرحاض دون مساعدة، حتّى إنها امتلكت موهبةً مذهلة، فكانت تبتعد عنه حين يشتاق الوحدة، وتتسلّل تحت ذراعه في أثناء نومه حين يشتاقُ الحنان، دون أن يطلب منها ذلك بكلا الحالتين.

سرعان ما انتشر الخبر في شركة «دلتا كيو»، خلال بضعة أشهر، لم يبقَ أحدٌ في الشركة جاهلاً بالحبّ الذي يجري في عروق العاشقين من الطابقين الأوّل والثالث، كان يصحبها للتدخين أمام المبنى، يتناولان وجبة الغداء معاً، ويزوران مكاتب بعضهما مرّتين يومياً، على أقلّ تقدير. اجتماعياً، انتشر خبر العلاقة أيضاً حتّى أصبحا بعيون مَن حولهما زوجين دون خواتم. فسُمح لـ«رام» زيارة «ليلى» في بيتها متى شاء، نشأت صداقة بينه وبين أخيها الأصغر الذي سرعان ما أصبح رام مَثَلَه الأعلى فيما يتعلّق بالعلاقات والنساء، لسببٍ يجهله رام أكثر من أيّ شخص آخر، أما أختها الكبيرة، «ملك»؛ فقد رأت في رام الأخ الأكبر الذي حُرمتْ منه طويلاً.

في المقابل، لم يكن لرام أيّ أفراد من عائلته؛ لتتعرّف إليهم ليلى، فكان وحيداً في بلاد الاغتراب لأبٍ مدمنٍ على القمار، وأمّ خسرها في حادث سيارة، وهو ما يزال في سنّ المراهقة، تزوّج أبوه بعدها، وانتقل للعيش في بولندا؛ ليشقّ رام طريقه وحيداً متجاوزاً الصعاب تارةً، وواقعاً في مطبّات الحياة تارةً أخرى. نشأتْ صداقة سريعة بين «ساندي»و«ليلى»، حتّى إن الأخيرة كانت تأتيها محمّلةً بالأطعمة والألعاب حين يتأخّر رام بالرجوع إلى المنزل الذي سرعان ما أصبح مملكتها؛ تطبخ، وتنظّف، وتعيد ترتيب الأثاث حسب رغبتها، ومتى شاءت.

كان من الممكن لهذا كله أن يستمرّ دونما إزعاج، لكنْ؛ وبينما كادت علاقتهما أن تصبح الأكثر مثالية بنَظَر مَن حولهم، وجد رام نفسه أمام القرار الذي أجّله طويلاً. عليه الآن -ودون أي تأخير- أن يصارح ليلى بمرضه، فبالرغم من أنه أحسن إخفاءه جيداً عن الكثيرين، بعد أن علّمه تتابع السنوات كيف يروّضه، ويحتمي منه، بقي المرض مع ذلك وحشاً، يطلّ برأسه، كلّما بدت حياة رام تقارب الكمال. لم يجد في السابق صعوبة تُذكَر في الإفصاح عنه للبعض؛ حيث ساق حياته “السعيدة” كمثال؛ ليبرهن على أن المرض ليس خطيراً، ولا يحمل تأثيراً يُذكَر على حياته.

كان أحياناً يستغلّ جهل هؤلاء بالأمراض النفسية، فيبالغ بالتفاصيل الملفّقة حتّى اعتقد الذين حدّثهم أن هذا المرض لا يعدو كونه نسمة خفيفة من الإنفلونزا.. لكنها نفسية! أما الآن؛ فقد اختلف الأمر، هذه حبيبته التي تمشي بخطى ثابتة؛ لتصبح زوجةً له، وأمّاً لأطفالهما يوماً ما. أيّ مرضٍ هذا الذي قد يُورثه لأطفالها؟! أيّ تعب وحرج وألم سوف ينقل إليهم؟! وأيّ مستقبلٍ مبهم سوف يضعهم أمامه؟! ثمّ كيف ستتقبّل إخفاءه هذه الحقيقة عنها طيلة الفترة الماضية؟! تساءل وتساءل، عادت به الذاكرة إلى بداية الألفية الثانية، حينما كان في أوج مراهقته، وقد بانت طلائع المرض تسرق منه أعوامه المصيرية. هل عاش هذا الكَمّ من الألم طفل مثله؟!

وهل يريد حقاً أن يعبر أطفالهما الطريق الوعر الذي عبر؟! تذكّر المرّات التي ضُرب فيها؛ لأنه لم يرغب في الذهاب إلى المدرسة حين لم يستطع ترك الفراش، تذكّر صراخ والده الذي لازمه طويلاً، وقسوة الطلّاب في التعامل مع بعض تصرّفاته وطباعه، تذكّر نظرات الشفقة جيداً، وصداقاته المتقطّعة، تذكّر الأطبّاء، والأدوية، والأصوات، ودماءه التي سالت حين حاول حزّ ساعده ذات شتاء. هكذا مرّت الذكريات أمامه كسحابة ضباب، ولم ينسَ أن يتذكّر، كما لم ينس يوماً، أوّل مرّة سمع بها الكلمات الأربعة التي طُبعت على جبينه إلى الأبد: «الاضطراب الوجداني ثنائيّ القطب».

كان من الممكن أن يستمرّ باستفزاز مخزون ذكرياته السوداء، وأن ينام ذاك اليوم دون أن يفعل شيئاً سوى التدخين وسماع الموسيقى، لكنّه وجد نفسه بعد بضع ساعات أمام منزل ليلى. لا يدري كيف وصل؛ إذ كان يعيد طوال الطريق سرد الأفكار التي سوف يقذفها أمامها. شعر بالراحة الفورية حين دخل، ولم يجدها، قال والدها بأنها خرجت للتوّ. انتظر حتّى جلس الوالد، ونادى زوجته، في انتظار أن يبدأ رام بالموضوع المهمّ الذي جاء من أجله. عدّل رام جلسته، نظر جيداً في عيني الأمّ التي زاده ترقّبها خوفاً وتوتّراً.

وقال دون مقدّمات: “أنا أحبّ ليلى، أحبّها أكثر من أي شيء”، رشف من فنجان القهوة، وتابع: “أنا واحد من ملايين الأشخاص حول العالم ممّن يعانون من الاضطراب ثنائي القطب. اضطراب نفسي، يسبّب تقلبات مزاجية حادّة، تأتي على شكل نوبات، تؤثّر على جوانب كثيرة من حياتي. العلاقات الاجتماعية، والعلاقات العاطفية، تؤثّر على عملي، وعلى من حولي..”

صمت قليلاً، قرأ وَقْع ما يقول في عيونهم، أراد أن يُكمل، لكنّه عجز، غيّر جلسته مرّة أخرى، رشف من قهوته مجدّداً، أنقذه صوت الأب الهادئ: “ابني، اهدأ. الطّبّ تقدّم كثيراً، ولا بد من علاج ما”، أتى صوت الأمّ مرتجفاً حين سألتْ: “أتعرف ليلى؟”. نظر رام حوله، وكأنه يبحث عن شيء ما في تلك الغرفة الواسعة، “لا” هكذا قال، وقد أعاد نظره إلى الأرض، ثمّ أردف بخشوع: “لم أُصب بنوبات منذ مدّة طويلة، أزور الطبيب باستمرار، وأواظب على أدويتي بانتظام.. المرض قابل للسيطرة من خلال الأدوية، لكنْ؛ لا أدري، هو عَصيّ على التوقّعات، لا يمكن التنبّؤ به؛ قد أبقى على ما أنا عليه أشهراً طويلة، وقد لا أجيب اتصالاتكم الأسبوع القادم..”.

وهكذا أسهب رام بالشرح عن المرض؛ ماهيته، وجوانبه الإجابية، وأين توصّل العلم بدراسته، والمشاهير الذين يعانون منه (حازت هذه الإضافة على اهتمام الوالدين)، ثمّ خرج. طلب منهما أن يتحدّثا مع ليلى، وأن يطلبا منها القراءة المعمّقة عن المرض، كان قد حسم الأمر بأنه لا يقوى على محادثتها وجهاً لوجه، مع أنه شعر بالارتياح لما قاله الأب، خصوصاً حينما قال: “الأمراض النفسية واقع، يا ابني، وأعتقد أن الحبّ الذي يجمعكما أقوى”.

عاد إلى منزله تلك الليلة، وانتظر اتّصالاً منها، انتظر أن تقول بأنها قرأت عن الاضطراب، وأيقنتْ أنه ليس دائماً سبباً للإخفاق أو التعاسة، وإنه قابل للسيطرة، ويفتح فضاءً واسعاً من الإبداع والفن والتألّق، كما يفتح أحياناً الحياة على اتّساعها؛ ليجلب الجمال والفرح والأمل. تخيّلها تقرأ عن الأدباء والفنّانين والعظماء الذين عانوا ويعانون منه، أن تدرك أنه مرض كسائر الأمراض التي على الإنسان أن يصمد أمامها، ويقتلع النجاح من باطن فكّيها. انتظر كثيراً يومها حتّى نام، واستيقظ عدّة مرّات خلال الليل.

****

أمسك فنجان القهوة ورشف منه رشفةً ثانيةً، نظر إلى المكان الذي خنقتْ فيه سيجارتها، وقد بدأ يمتلئ بالمدخّنين من جنسيات ومناصب مختلفة، يتحدّثون، ويضحكون، ويتجادلون، وكأن أحدهم لا يعبأ بأن «ليلى» كانت هناك منذ بضع دقائق. هذه الدقائق التافهة هي التي حالت دون أن يراها اليوم، كلّ هذا بسبب الاجتماع اللعين، الساعة العاشرة هو الوقت الوحيد الثابت لخروجها للتدخين، قد تنزل بعدها ببضع ساعات، وقد لا تفعل، ترك فنجانه نصف ممتلئ، ومشى ببطء في البهو الطويل، عاد منهزماً إلى مكتبه، تمرّ التفاصيل أمامه كقطيع من الخيول البرّيّة المتراكضة، تتصارع في عقله الصور والقُبل والضحكات،. سوف يعود غداً، على الموعد تماماً، دون أيّ تأخير، كما يفعل منذ أشهر.

* النص من مجموعة قصصية تحت عنوان “ليثيوم” تصدر عن “منشورات المتوسط”


كاتب من سوريا